اتهامات متبادلة إثر مناطيد مجهولة الغرض تدخل العلاقات الأمريكية- الصينية في توتر من جديد
الدوحة في 15 فبراير /قنا/ فجأة ودون سابق مبررات، كان العالم على موعد مع فصل جديد من فصول الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في الرابع من فبراير الجاري، لتتوالي الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، لتوتر العلاقات الثنائية بين البلدين بعدما دمرت طائرة مقاتلة أمريكية في الرابع من فبراير منطادا صينيا كان يحلق فوق الأراضي
الأمريكية على علو شاهق.
خلاف دبلوماسي واتهامات متبادلة بين الصين والولايات المتحدة
وأكدت واشنطن أنه جهاز تجسس كان يراقب قواعد عسكرية أمريكية، وليس لدى الولايات المتحدة حتى الآن أي مؤشر أو أي معطى يشير بالتحديد إلى أن الأجسام الثلاثة التي تم رصدها لاحقا جزء من برنامج مناطيد التجسس الصيني أو إلى أنها ضالعة بالتأكيد في جهود خارجية لجمع معلومات استخبارية.
من جهتها، أعلنت بكين أنه منطاد مدني يستخدم لأغراض البحث وخصوصا للأرصاد الجوية.. ومنذ ذلك الحين، أسقط عدد من الأجسام المشابهة في الولايات المتحدة وكندا.. وإلى الآن لم تعرف بعد طبيعة هذه الأجهزة ولأي جهة تعود. وردا على الولايات المتحدة، كررت الصين اتهامات تفيد بأن مناطيد أمريكية عدة دخلت مجالها الجوي أيضا، دون إذن.
وقال وانغ ون بين المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية منذ مايو من العام الماضي، أطلقت الولايات المتحدة من الأراضي الأمريكية مناطيد عدة على علو مرتفع قامت برحلات جوية بشكل متواصل حول العالم، وحلقت بشكل غير قانوني فوق المجال الجوي للصين ودول أخرى أكثر من عشر مرات من دون أي موافقة من السلطات الصينية، مطالبا الولايات
المتحدة بإجراء تحقيق شامل في هذا الشأن وتقديم تفسير للصين.
ودخل البلدين في خلاف دبلوماسي منذ أن أسقطت الولايات المتحدة في الرابع من فبراير الجاري منطاد تجسس يشتبه في أن الصين أطلقته، وقال وانغ ون بين المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن المناطيد عالية الارتفاع حلقت حول العالم ودخلت دون إذن المجال الجوي للصين ودول أخرى عشر مرات على الأقل، ولم يكشف وانغ أسماء الدول الأخرى، وامتنع عن تحديد الجزء الذي اخترقته المناطيد من المجال الجوي الصيني ولم يقدم صورا لإثبات الواقعة.
وسعى البيت الأبيض لاحتواء أزمة دبلوماسية متفاقمة مع بكين بإعلانه أن المؤشرات الأولية تدل على أن الأجسام الطائرة غير المحددة التي أسقطتها مقاتلات أمريكية ليست متصلة ببرنامج صيني للتجسس بوساطة مناطيد، إلا أن الوضع في واشنطن يؤكد أن القلق يسود الولايات المتحدة منذ رصد منطاد صيني أبيض كبير يحلق فوق عددا من المواقع النووية السرية.
وفي تطور سريع للأحداث، بدأ حلفاء الولايات المتحدة في تبني نظرية "مناطيد التجسس"، لتنضم دول جديدة إلى ملف "الأجسام الطائرة"بدء من كندا وصولا إلى اليابان التي أعلنت أن تحليلا جديدا لأجسام طائرة مجهولة حلقت في المجال الجوي الياباني في السنوات الأخيرة، يشير بقوة إلى أنها كانت مناطيد تجسس صينية، وأشارت إلى أن التحاليل الإضافية
شملت مناطيد رصدت في نوفمبر 2019 ويونيو 2020 وسبتمبر 2021.
وقالت وزارة الدفاع اليابانية اليوم، إن طوكيو طلبت بحزم من الحكومة الصينية تأكيد وقائع هذه الحوادث وعدم تكرار مثل هذا الوضع في المستقبل.. وأكدت وزارة الدفاع اليابانية أن انتهاك المجال الجوي بمناطيد استطلاع أجنبية غير مأهولة وغيرها من الوسائل أمر غير مقبول على الإطلاق.
وذكرت وسائل إعلام يابانية أن اليابان تخطط الآن لمراجعة إجراءاتها تجاه الأجسام الطائرة بشكل غير قانوني في مجالها الجوي، لتتمكن من تدميرها بسهولة أكبر، وبموجب الإجراءات المطبقة حاليا، لا يمكن استخدام الأسلحة ضد هذه الأشياء إلا عندما تشكل تهديدا مباشرا وفوريا، وهو ما وصفه مراقبون بـ"وجود ثغرة محتملة ضخمة في دفاع اليابان".
وأصاب الغرب الهلع من تلك المناطيد، وكأن الصين نشرت حول العالم آلاف منها، في موجة جديدة غير معلوم تفاصيلها للسيطرة على السماء، كان أبرزها ما أعلنه ريشي سوناك رئيس الوزراء البريطاني من أن الحكومة البريطانية ستفعل كل ما يلزم لحماية البريطانيين من تهديد مناطيد التجسس.
ويأتي تصريح سوناك، بعد أن أعلن بن والاس وزير الدفاع البريطاني، أن بلاده ستجري مراجعة أمنية، في أعقاب إسقاط الجيش الأمريكي سلسلة من الأجسام في المجال الجوي لأمريكا الشمالية، بما في ذلك منطاد تجسس صيني مشتبه به، وقال سوناك إن مسائل تتعلق بالأمن القومي منعته من الإدلاء بمزيد من التفاصيل، بيد أنه أصر على أن بريطانيا على تواصل دائم بالحلفاء.
وبالعودة إلى الرابع من فبراير، حيث كانت الحالة الأولى لعملية رصد جسم غريب يسبح في سماء الولايات المتحدة، غيرت واشنطن إعدادات راداراتها التي ضبطت في البداية لرصد الطائرات والصواريخ السريعة، من أجل البحث في السماء عن أجسام أصغر وأبطأ.. هذه المعلومات الجديدة مكنت من رصد ثلاثة أجسام - ما زالت طبيعتها غير واضحة - ثم
إسقاطها في سماء أمريكا الشمالية على التوالي أيام الجمعة والسبت والأحد
وفي حين أن هذه الأدوات لن تكون قادرة على توضيح ماهية الأجسام الطائرة المجهولة التي رصدت في الماضي، فإنه يمكنها أن تكشف طبيعة مزيد من الأجسام الغريبة في الجو في المستقبل، وربما تحد من التكهنات الخيالية.
وعلى امتداد فترة طويلة، كانت السلطات الأمريكية تتحفظ على التقارير التي تتحدث عن صحون وأطباق طائرة، تاركة الباب مفتوحا أمام النظريات الغريبة خصوصا بشأن احتمال رصد أجسام جاءت من خارج كوكب. ولكن بعدما رصد طيارون عسكريون أمريكيون ظواهر لا يمكن تفسيرها، قررت وزارة الدفاع قبل سنوات أن تأخذ الأمر على محمل الجد، لا
سيما مع تخوفها من عدم القدرة على رصد أجهزة تجسس صينية.
وفي عام 2020، شكلت واشنطن فريق عمل متخصص بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية ووكالات استخبارات أخرى، ونجح الفريق بسرعة في التعرف على بعض هذه الأجسام على أنها مناطيد لرصد الطقس وانعكاسات الشمس، لكن البعض مازال لغزا، مثل فيديو التقطه طيار عسكري لجسم أسرع وأكثر قدرة على المناورة من طائرة سلاح البحرية الأميركية.
وبعد أول تقرير في يونيو 2021، أشار تقرير استخباراتي أمريكي ثان، نشر قبل شهر، إلى رصد المئات من الأجسام الطائرة المجهولة، ومن بين 510 حالات تمت دراستها، يمكن تفسير نحو 200 منها على أنها طائرات دون طيار أو في بعض الأحيان مجموعة تسمى تلوث هوائي وتشمل الطيور وأحداث طقس معينة، وأكياسا بلاستيكية وغيرها.. لكن ظلت
حالات أخرى دون تفسير، بحسب الملخص الوارد في نسخة غير سرية من التقرير عرضت على الكونغرس.
قلق يسود الولايات المتحدة منذ رصد منطاد صيني يحلق فوق مواقع نووية سرية
وفي التقرير الأول عام 2021، من بين 144 حالة رصدت، أثارت 18 حالة تساؤلات منها على سبيل المثال احتفاظ جسم بوضع ثابت في مهب الريح على ارتفاع عال جدا أو التحرك بسرعة كبيرة من دون وسائل دفع مرئية.. ويشير تقرير يناير 2023 إلى أن الظواهر الجوية غير المحددة ما زالت تشكل خطرا على سلامة الطيران كما يحتمل أن تشكل تهديدا
بجمع معلومات استخبارية.
وتجسد الخوف بعد أسابيع قليلة مع رصد المنطاد الصيني الذي قالت الولايات المتحدة إنه للتجسس، وهو ما نفته بكين.. وتعددت النظريات في الكونغرس ووسائل الإعلام وحتى عامة الشعب حول طبيعة هذه المناطيد، وتراوحت بين اعتبارها عملية تجسس صينية منسقة وصولا إلى فرضية الكائنات الفضائية، لكن مسؤولين كثيرين باتوا يشيرون حاليا إلى أن
الأجسام الطائرة الثلاثة الجديدة تبدو غير صينية وغير مرتبطة بالتجسس. إلا أنه في نهاية الأمر بات مؤكدا أن هوية الجهات المالكة للأجسام الثلاثة لا تزال مجهولة.
أنتوني بلينكن يلغي زيارة مقررة إلى بكين
وتنفي الصين استخدام مناطيد للتجسس وتقول، إن المنطاد الذي أسقط قبالة الساحل كان مخصصا لأبحاث مرتبطة بالطقس، أما المنطاد الآخر الذي رصد فوق أمريكا اللاتينية فكان يستخدم للتدريب على التحليق، والإثنين الماضي اتهمت السلطات الصينية واشنطن بنشر مناطيد أمريكية تجسسية فوق أراضيها، وهو ما نفاه مسؤولون أمريكيون. وانعكس السجال
توترا في العلاقات الدبلوماسية بين القوتين العظميين المتنافستين، ودفع وزير الخارجية أنتوني بلينكن لإلغاء زيارة نادرة كانت مقررة إلى بكين.
ويبدو أن الجسم الذي وصل من شمال غرب أمريكا الشمالية يعتمد تكنولوجيا تسمح له بالتحرك وتنفيذ نشاطات مراقبة خاصة وأنه حلق فوق مواقع عسكرية أمريكية إستراتيجية، وقالت وزارة الدفاع الأمريكية، إن هناك ما لا يقل عن أربع حالات مماثلة أخرى لمناطيد صينية رصدت منذ عام 2017، ربما عدت في ذلك الوقت أجساما طائرة مجهولة.
وبعد عملية الرابع من فبراير التي أسقطت خلالها المنطاد طائرة "إف 22 " في المحيط الأطلسي، غير الجيش الأمريكي إعدادات الرصد بالرادار، ما أتاح رصد الأجسام الثلاثة فوق ألاسكا ويوكون الكندية وبحيرة هورون، لكن خلافا للمنطاد الصيني، قالت الحكومة الأمريكية إنها لا تعرف طبيعتها وإنه تم إسقاطها أيضا.
مخاوف أمريكية من إدارة الصين برنامجا مدروسا لاستخدام مناطيد بهدف التجسس
ومن خلال التسريبات الأخيرة التي خرجت عن مسؤولين مقربين من الإدارة الأمريكية، ونقلتها وكالات الأنباء العالمية، بات واضحا المخاوف الأمريكية من أن الصين تدير برنامجا مدروسا وممولا بشكل جيد لاستخدام مناطيد يمكنها التحليق على ارتفاعات عالية يصعب اكتشافها، بهدف التجسس على الولايات المتحدة ودول أخرى، لكن لا مجال لحسم ما إذا كانت
الأجسام الطائرة الثلاثة الأخيرة التي أسقطت جزءا من هذا البرنامج إلا بعد تحليل الحطام، وهذا الأمر يستغرق وقتا أطول مما تريد السلطات الأمريكية، وانتشال الحطام من شأنه توضيح هذه المسائل.
ومع تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين، حول تلك المناطيد، وسواء كانت واشنطن على حق فيما تدعيه ضد بكين، أو العكس، فما هو تقدير الدول الواقعة بين الولايات المتحدة والصين لهذه الواقعة؟
فمن المؤكد أن مناطيد المراقبة هذه عبرت عشرات الدول في قارات متعددة حول العالم، بما في ذلك أقرب الحلفاء والشركاء لكل منهما.
الأجسام الطائرة ستكون الصورة الأبرز في الأحداث العالمية خلال الأشهر القليلة المقبلة، وبغض النظر عن صحتها من عدمه، إلا أنه فصل جديد من فصول الصراع بين بكين وواشنطن، سيتطلب معه انشغال العالم بدراسة الآثار السياسية الأوسع نطاقا للكشف عن هذه الأجسام الجوية وتحليلها، واستخدام نتائجها في الوقت المناسب.. وإلى أن تظهر تلك النتائج
ستظل ورقة "الأطباق الطائرة" سلاحا إعلاميا جديدا للتلويح به لتمرير أو تهدئة الأوضاع كلما تطلب الأمر ذلك.
English
Français
Deutsch
Español