النقابات والحكومة الفرنسية أمام اختبار جديد غدا
الدوحة في 30 يناير /قنا/ تستعد فرنسا لجولة جديدة من الإضرابات والاحتجاجات غدا الثلاثاء مع استمرار الجدل بشأن برنامج إصلاحي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، يتضمن رفع سنّ التقاعد من اثنين وستين عاماً إلى أربعة وستين عاماً ، والذي يواجه اعتراضاً قوياً من جبهة نقابية موحّدة، بالإضافة إلى نقمة كبيرة لدى الرأي العام، وفق الاستطلاعات.
فقد دعت النقابات العمالية الفرنسية إلى تظاهرات واحتجاجات جديدة في جميع أنحاء فرنسا اعتباراً من يوم غد الثلاثاء وهددت بالمزيد من الإضرابات في القطاعات الصناعية، وسيتم تنظيم حوالى 200 احتجاج في أنحاء فرنسا مع مسيرة كبيرة في باريس، ومن المنتظر أن تشمل الإضرابات غدا، المعلمين وموظفي الخدمة المدنية وينتظر أن يؤثر الإضراب بشدّة في خدمات السكك الحديد وبقيّة النقل العام ، إلى جانب توقف المدارس وبعض الإدارات.
ونبّه وزير النقل كليمون بون من يستخدمون وسائل النقل العام، إلى أن غداً الثلاثاء سيكون صعباً للغاية ، داعياً إياهم الى تأجيل تنقلاتهم والعمل من المنزل إذا تسنى لهم ذلك، وطلبت هيئة الطيران المدني الفرنسية من شركات الطيران خفض برامج رحلاتها 20 بالمئة في مطار باريس أورلي يوم غد.
وتشكل زيادة السنّ الأدنى للتقاعد جزءاً من حزمة إصلاحات رئيسية اقترحها الرئيس ماكرون لضمان التوازن المالي لنظام التأمين الاجتماعي في فرنسا، وقد واجه الرئيس ماكرون، أكبر رد فعل عنيف يوم 19 يناير عندما شارك أكثر من مليون شخص في مسيرات في جميع أنحاء فرنسا ، وأغلقت الإضرابات العديد من المدارس وشلت شبكة السكك الحديدية.
وتهدف النقابات من الاحتجاجات الجديدة لإظهار زيادة نسبة التأييد الشعبي لمعارضتها لمشروع ماكرون الإصلاحي ، وتقول إن أكثر من مليوني شخص خرجوا إلى الشوارع في الاحتجاجات السابقة للاعتراض على خطط رفع سن التقاعد ، وقد دعت النقابات العمالية الرئيسية الثماني في فرنسا إلى تعبئة أكبر في احتجاجات الغد.
ويقول مراقبون في باريس إن النقابات وبعد أول تحرك ناجح لها في منتصف الشهر الجاري، شددت موقفها ورفعت سقف توقعاتها بشأن المشاركة في الاحتجاجات، وتعتقد أن المشاركة ستكون أكبر مما مضى ، خاصة وأن استطلاعات الرأي تظهر تحول الرأي العام ضد الإصلاحات، وأن هذا التحول آخذ في الزيادة ، وتقول إن من الخطأ أن تتجاهل الحكومة الفرنسية هذا الواقع.
وأشارت الاستطلاعات، منذ الإضراب الأول الذي استمر 24 ساعة في وقت سابق من الشهر الحالي، إلى أن أعداداً متزايدة من الفرنسيين على استعداد لتحدي خطة الرئيس ماكرون فيما يتعلق بالمعاشات التقاعدية، وأوضحت أن أكثر من ثلثي الفرنسيين يعارضون خطة الإصلاح الشامل. ويشكل تزايد المعارضة لخطة إيمانويل ماكرون لرفع سن التقاعد ، اختباراً لعزم الرئيس الفرنسي على متابعة تنفيذ إصلاحه الاقتصادي، ويرى المراقبون أنه إذا تراجع ماكرون ، فإن ذلك سيعرض للخطر جزءاً أساسياً من استراتيجيته لتحقيق الاستقرار المالي في فرنسا الذي يعاني من العجز، وتحسين قدرة الاقتصاد على النمو وخلق فرص العمل.
وكان ماكرون قد ألغى خطة إصلاح المعاشات التقاعدية السابقة عام 2020 بعد إضرابات طويلة في قطاع النقل ، على الرغم من أن الحكومة قالت إن إلغاء الخطة يرجع أكثر إلى ظهور جائحة كورونا.
ويقول الرئيس الفرنسي إن رفع الحد الأدنى لسن التقاعد مرة أخرى إلى 64 عاما هو حجر الزاوية في إصلاحه الذي سيجعل فرنسا متوافقة مع الدول الأوروبية الأخرى، وقال للصحفيين يوم 19 يناير : "هذا إصلاح تم تقديمه والمصادقة عليه ديمقراطياً ، وإصلاح عادل ومسؤول قبل كل شيء"، كما تمسكت رئيسة وزرائه ، إليزابيث بورن ، بهذا الموقف نهاية هذا الأسبوع ، قائلة إن تغيير السن لم يعد قابلاً للتفاوض.
ووفق المحللين لا يرى الفرنسيون الأمر بهذه الطريقة، فقد أيد 28? فقط تقييمه في استطلاع للرأي شمل 1000 بالغ في 24-25 يناير الجاري ، وعندما سئلوا عما إذا كانوا يعتبرون أنه قد تم انتخابه لأسباب أخرى ، بما في ذلك منع زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان من أن تصبح رئيسة، وافق واحد وسبعون بالمئة على ذلك، وزادت المعارضة لإصلاح نظام التقاعد إلى 72? من 59 في بداية هذا العام ، بحسب نفس الاستطلاع، أظهر استطلاع آخر في نفس الفترة أن 30? على استعداد للتظاهر ، بزيادة 3 نقاط مئوية في الأسبوع.
وتعتقد أوساط باريسية أنه لا يزال بالإمكان تحسين برنامج الإصلاح، لا سيما من خلال تحديد موعد مستقبلي لمراجعته إذا لزم الأمر ، وتحسين أحكام المعاشات التقاعدية للنساء اللواتي توقفن عن مهنهن لتربية الأطفال. وقال وزير العمل الفرنسي ، إن عدم رفع سن التقاعد سوف يعني قول الوداع لنظام تقاعد متوازن ماليا، وهو ما سوف يكون أمراً غير مسؤول باتجاه الأجيال القادمة ، لكنه أوضح أنه لا يزال من الممكن تغيير بقية الإصلاحات خلال المشاورات البرلمانية في فبراير المقبل.
ويعتقد المحللون أنه حتى إذا حصل ماكرون على دعم مجموعته البرلمانية وحلفائها، فإن مشروع القانون الخاص بالإصلاحات الاقتصادية سيحتاج إلى أصوات من الجمهوريين، وهو حزب منبثق من حركة يمين الوسط بزعامة شيراك وساركوزي، وأضافوا أنه إذا لم يتمكن الرئيس ماكرون من الحصول على أغلبية في البرلمان، فلا يزال بإمكانه استخدام حكم دستوري يسمح باعتماد القانون دون تصويت، لكن هذا من شأنه أن يجازف بإذكاء غضب النقابات العمالية ويمكن أن يؤدي إلى تصويت على حجب الثقة في حكومته، وربما التوجه إلى إجراء انتخابات برلمانية جديدة.
ويأتي هذا الاختبار السياسي لماكرون، في سياق اقتصادي واجتماعي متوتر، إذ يعاني الفرنسيون تضخماً بلغ معدّله 5,2 بالمئة في العام 2022. واختارت الحكومة الفرنسية أن تمدد سنوات العمل لمواجهة التدهور المالي لصناديق التقاعد وشيخوخة السكان، وتدافع عن مشروعها عبر تقديمه على أنه "حامل للتقدّم الاجتماعي" خصوصاً من خلال رفع مستوى المعاشات التقاعدية المنخفضة.
وقد تراجعت شعبية الرئيس الفرنسي ماكرون بواقع نقطتين في استطلاع تم إجراؤه عقب أن طرحت حكومته خطتها لرفع سن التقاعد، وتراجع شعبية رئيسة وزرائه إليزابيث بورن، التي عرضت خطة رفع سن التقاعد في العاشر من يناير الجاري، بواقع أربع نقاط.
English
Français
Deutsch
Español