ركود الاقتصاد العالمي في 2023.. هل تصدق الآمال في الاتجاه المعاكس؟
الدوحة في 28 يناير /قنا/ ازدادت في الأيام الأخيرة، النظرة الإيجابية لمسار النمو والتعافي في الاقتصادات الرئيسة حول العالم، مخالفة إلى حد ما الاعتقاد السائد لدى أغلب المؤسسات الاقتصادية والبنوك العالمية بدخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود خلال العام 2023.
غذت هذه النظرة المتفائلة، ثلاثة عوامل أساسية هي: البيانات الاقتصادية الإيجابية في الولايات المتحدة، والشتاء الدافئ نسبيا في أوروبا، وإعادة فتح الاقتصاد الصيني، وذلك على الرغم من تحذيرات من أنه لا يوجد أي ضمان بأن ينتهي العام الجاري على هذا المنوال المتفائل.
ففي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات اقتصادية صدرت أمس الأول، نمو الاقتصاد الأمريكي خلال الربع الرابع من العام 2022 بأفضل من تقديرات الخبراء، مع هبوط طلبات إعانة البطالة الأمريكية لأدنى مستوى في تسعة أشهر، في أحدث المؤشرات على قوة مسار نمو أكبر اقتصاد في العالم.
كما انعكس عدد من المؤشرات الدالة على تباطؤ معدلات التضخم على المدى القريب تفاؤلا، إذ أشارت البيانات الصادرة في 12 يناير الجاري عن وزارة العمل بواشنطن، إلى تباطؤ التضخم في شهر ديسمبر 2022، على الرغم من أن المؤشر لا يزال بعيدا عن المستوى المستهدف (2 بالمئة) من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي)، والترجيحات بأن يشكل ضعف النمو الاقتصادي العالمي رياحا معاكسة أخرى بالنسبة للشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة، علاوة على الأسعار المرتفعة ومعدلات الاقتراض الأكثر تكلفة.
وذكرت تلك البيانات أن مؤشر أسعار المستهلكين بلغ نسبة 6.5% خلال ديسمبر 2022 على أساس سنوي، بعدما ارتفع 7.1% في نوفمبر 2022، وهو ما يدل على تراجع بعض ضغوط الأسعار، ويفسح المجال أمام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) لإبطاء وتيرة رفع الفائدة في اجتماعه المقبل.
وفي أوروبا، أشار مسح واسع النطاق لخبراء الاقتصاد، نشرته صحيفة الفاينانشال تايمز البريطانية يوم الأحد الماضي، إلى أن "منطقة اليورو ستتجنب الركود هذا العام، وهو ما يوضح التحول الحاد في المعنويات الاقتصادية العالمية في الأسبوعين الماضيين".
وتوقع المحللون الذين شملهم الاستطلاع، أن يسجل اقتصاد الكتلة الأوروبية نموا بنسبة 0.1 في المئة على مدار عام 2023، يعود بالأساس إلى انخفاض أسعار الطاقة والدعم الحكومي الوفير وإعادة فتح الاقتصاد الصيني في وقت أبكر مما كان متوقعا، معتبرين أن "خطر أزمة الطاقة المخيفة يتراجع، والتضخم يتراجع بسرعة أكبر مما كان متوقعا، كما أن الدعم الحكومي أكثر سخاء مما كان متوقعا، بينما انتعش قطاع السيارات بقوة أكبر مما كان متوقعا. وهناك الآن فرصة أقل من 30 في المئة للركود، انخفاضا من 90 في المئة في الصيف الماضي".
ورأوا أن تخفيف اضطرابات سلسلة التوريد، وسوق العمل القوي والمدخرات الزائدة، يفسر المرونة الاقتصادية لمنطقة اليورو، كما أن الطلب القوي في الصين من شأنه أن "يعزز التجارة الأوروبية بشكل كبير، وخاصة في ألمانيا"، حيث كان الاقتصاديون يخشون أن تكون أوروبا من بين أكثر مناطق الاقتصاد العالمي تضررا في العام 2023 بسبب تعرضها للعواقب الاقتصادية لحرب روسيا مع أوكرانيا.
أما في الصين ورغم أن الرفع المفاجئ لمعظم إجراءات /صفر كوفيد/، نتج عنه ارتفاع حالات الإصابات الجديدة، فإن المخاوف تراجعت بعد أن اتخذت الحكومة تدابير مضادة. كما جاء الدعم الأكبر للطلب على النفط من إصدار الحكومة الصينية لحصص استيراد جديدة، إذ سمحت الدولة بزيادة واردات 44 مصفاة تكرير غير مملوكة للدولة إلى 111.82 مليون طن، وبلغت حصص الواردات الإجمالية هذا العام 132 مليون طن من النفط مقابل 109 ملايين طن في الفترة المماثلة من العام الماضي.
وتأتي هذه النظرة الإيجابية بعد أن تبنى المسؤولون وقادة الأعمال في المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي مؤخرا في دافوس أيضا، توقعات أكثر تفاؤلا، فيما أشار صندوق النقد الدولي إلى أنه سيعمل قريبا على ترقية توقعاته للنمو العالمي.
وتعليقا، على هذه التطورات، وتموقع الاقتصادات العربية ضمنها، دعا الخبير الاقتصادي أحمد عقل، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، لتحصين داخلي بالدول العربية يفتح الباب أمام المؤسسات المحلية الصغيرة والمتوسطة للتطور والتوسع وتشجيع الصناعات المحلية لما لذلك من دور إيجابي في ظروف الركود.
وقال إن التوسع في خلق هذه المؤسسات والصناعات المحلية سيساعد بشكل كبير على توليد فرص عمل جديدة وخلق دائرة اقتصادية لا تعتمد فقط على الخارج، مبينا أن من شأن ذلك حفز منافسات محلية وإعطاء أولوية للمنتج المحلي، وتوفير البدائل خلال الفترة القادمة بالاعتماد على النفس.
ورأى أن الركود العالمي إن حدث سيؤدي إلى ضعف الدورة الاقتصادية العالمية ككل، "وستجد الدول العربية التي تعتمد على السياحة والمساعدات الخارجية في وضع أصعب، كما أن جزءا كبيرا من الدول العربية يعتمد في الإيرادات والدخل على تحويلات نقدية من المقيمين بالخارج، وتراجع هذه التحويلات سيؤدي للضغط على عملاتها وأدائها الاقتصادي خاصة تلك التي تعتمد بشكل أساسي على التحويلات الخارجية كمصدر أساسي للعملات الأجنبية.
من جهته، قال المستشار المالي رمزي قاسمية، في تصريح مماثل لـ"قنا"، إن حدوث أي ركود اقتصادي سيترك تبعات على معظم دول العالم، إلا أن تأثيره على الدول العربية المنتجة للطاقة سيكون أقل من تلك المستهلكة، وعلى الرغم من أن إيرادات تلك الدول ستنخفض نتيجة تراجع الطلب والأسعار عالميا، إلا أن الاحتياطيات والفوائض المالية ستمكنها من تجاوز ذلك، وهو ما حدث في أزمات اقتصادية سابقة، كما أن تلك الدول تمتلك صناديق سيادية ضخمة تساعدها في تنويع مواردها.
ورأى قاسمية، أن الدول المستهلكة التي تعاني معظمها من عجز في مواردها المالية ستعاني نتيجة زيادة عبء خدمة الدين من جهة، وانخفاض المساعدات من جهة أخرى، الأمر الذي سيترك آثارا اقتصادية واجتماعية على تلك الدول. "فعلى سبيل المثال تبنت بعض الدول الغربية حزمة أمان اجتماعية للحد من آثار التضخم مثل وضع سقف لأسعار الطاقة، وفرض مزيد من الضرائب على الشركات العملاقة، وهذه الوسائل غير متاحة أمام الدول العربية النامية".
يشار إلى أن معظم المؤسسات الاقتصادية الدولية والبنوك العالمية والخبراء حذرت مؤخرا من "ركود عالمي"، يقف وراءه مزيج من التضخم العالمي وسياسات التشديد النقدي والحرب الروسية الأوكرانية والتفشي الأخير لـ"كوفيد - 19" في الصين، وأزمة الطاقة العالمية، وهي المخاوف التي خفض البنك الدولي اتساقا معها في منتصف يناير الجاري توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي للعام 2023 إلى 1.7%، هبوطا من توقعات سابقة له عند 3 بالمئة، كما قال صندوق النقد الدولي، في بداية يناير الجاري، إن "ثلث اقتصاد العالم سيدخل في ركود هذا العام، من الولايات المتحدة إلى الصين إلى نصف دول أوروبا"، معتبرا أنه سيكون "أصعب" من العام 2022، إذا استمرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين بفترة تباطؤ لاقتصاداتها.
وتعود هذه المخاوف بالأساس إلى أن الركود الاقتصادي العالمي إن حدث، سينعكس على مختلف الاقتصادات وعلى حياة الناس بأشكال عدة تبدأ بانخفاض مستويات النشاط الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وتدني مستويات الدخل والثروة، ولا تنتهي عند عدم اليقين المتعلق بالوظائف وبالدخل في المستقبل. ويعرف الركود الاقتصادي فنيا بأنه نمو سلبي في الناتج المحلي الإجمالي لربعين متتاليين.
English
Français
Deutsch
Español