اتفاقية الناتو والاتحاد الأوروبي.. خطة جديدة لمواجهة التمدد الروسي
الدوحة في 12 يناير /قنا/ مع اقتراب الحرب في أوكرانيا من إكمال عامها الأول، أدركت دول الاتحاد الأوروبي أهمية تعزيز التعاون الدفاعي المشترك، لدعم مسار عمل الاتحاد في مجالات الدفاع وإدارة الأزمات، الذي يعد مكونا رئيسيا في السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، التي تتضمن سياسة الأمن والدفاع المشتركة فيه نشر مهام عسكرية أو مدنية للحفاظ على السلام ومنع الصراع وتعزيز الأمن الدولي وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
وتنفذ المهام العسكرية من قبل قوات الاتحاد الأوروبي المنشأة بإعارة من القوات المسلحة للدول الأعضاء، وتنطوي سياسة الأمن والدفاع المشتركة أيضا على دفاع جماعي عن النفس بين الدول الأعضاء، بالإضافة إلى تعاون منظم دائم، إذ يسعى 25 من 27 من القوات المسلحة الأوروبية إلى التكامل الهيكلي.
وفي الوقت الذي تدور فيه معارك عنيفة بين القوات الأوكرانية والروسية في "سوليدار"، وإعلان مجموعة "فاغنر" العسكرية الروسية في وقت سابق سيطرتها على المدينة الصغيرة في شرق أوكرانيا، سيطر الخوف والقلق من التوسع الروسي في الداخل الأوكراني، والتطلع نحو جيرانها أو الحلفاء المناصرين لها على أقل تقدير، خاصة وأن المعارك التي يخوضها الجيشان الروسي والأوكراني للسيطرة على سوليدار وباخموت في شرق أوكرانيا تعد كما وصفها المراقبون الأكثر دموية منذ بداية الحرب.
ومن المؤكد أن العامل الحاسم في الحرب الدائرة حاليا، هو المساندة الأوروبية والأمريكية للقوات الأوكرانية، وهو ما أكده العديد من المسؤولين الأوكرانيين، في مقدمتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي قال "أوكرانيا ستكون قادرة على الانتصار في الحرب هذا العام إذا زادت القوى الغربية من إمدادات الأسلحة، خصوصا منظومات صواريخ بعيدة المدى"، وهو ما يوضح في الوقت ذاته بصورة غير مباشرة أهمية الاتفاقية الموقعة بين الاتحاد الأوروبي والناتو.
ومع تزايد المخاوف الأوروبية من إمكانية التوسع الحرب لتشمل دولا أخرى، أعلن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي "الناتو" مؤخرا تشكيل مجموعة عمل مشتركة تهدف إلى تعزيز حماية البنى التحتية الأساسية في مواجهة تهديدات من روسيا. وجاء القرار بعد هجوم استهدف خطوط أنابيب نورد ستريم لنقل الغاز في بحر البلطيق العام الماضي.
وأرسلت دول تنتمي لـ"الناتو" والاتحاد الأوروبي، أسلحة بقيمة مليارات الدولارات إلى أوكرانيا ساعدتها في صد قوات موسكو، كما أعلنت الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا أنها ستزود أوكرانيا بآليات قتالية مدرعة، غير أن "كييف" طلبت أيضا تزويدها بدبابات ثقيلة متطورة.
وتسببت الحرب في أوكرانيا في قلب النظام الأمني الأوروبي رأسا على عقب وأطلقت دعوات مطالبة بتعزيز التنسيق بين التحالف العسكري بقيادة أمريكية والتكتل الأوروبي.
وتحول الصراع إلى حرب استنزاف طاحنة تسببت في مقتل وإصابة عشرات آلاف الجنود من الطرفين، إضافة إلى مدنيين في أوكرانيا ولا يوجد بصيص أمل في نهاية للحرب، إذ يعيد الطرفان التسلح بأسرع ما بوسعهما. وينظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الحرب في أوكرانيا على أنها معركة وجودية مع الغرب الذي يصفه بأنه "غاشم ومتغطرس" وقال إن روسيا ستستخدم جميع السبل المتاحة لحماية نفسها وشعبها من أي معتد.
وأثارت الحرب في أوكرانيا دعوات لتسخير النفوذ المشترك للقوة الاقتصادية الأوروبية والقوة العسكرية الأمريكية بشكل أفضل لتوفير حماية لمليار شخص يعيشون في تلك الدول ، ويعد ذلك منعطفا رئيسيا للأمن والاستقرار الأوروبي - الأطلسي، ويثبت أكثر من أي وقت مضى أهمية العلاقات عبر الأطلسي ويستلزم تعاونا أكبر بين الاتحاد الأوروبي والناتو.
وزادت المخاوف الأوروبية بعد حادثة خطي نورد ستريم للغاز، فقد تم رصد أربعة تسربات كبيرة للغاز في خطي نورد ستريم قبالة جزيرة بورنهولم الدنماركية نهاية سبتمبر 2022، وقبل ذلك بقليل سجلت معاهد مراقبة الزلزال انفجارين تحت الماء، وأكدت تحقيقات السلطات الدنماركية والسويدية أن التسرب نجم عن أعمال تخريب، غير أن التحقيقات لم تحدد الجهة المسؤولة، وعزز "الناتو" بالفعل انتشاره البحري في المنطقة عقب الهجمات على خطوط الأنابيب.
ومنذ أعوام يناقش حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي تعزيز تعاونهما والإعلان المشترك، والإعلان الأخير هذا الأسبوع، هو ثالث تعهد من نوعه يتم الاتفاق عليه منذ 2016، وكان من المرتقب صدور النسخة الأخيرة للإعلان في 2021، لكن أعيدت صياغتها بعد بدء الحرب الروسية في أوكرانيا في فبراير الماضي.
وسعى الجانبان إلى تعزيز الدفاعات في الفضاء الإلكتروني وتطوير البنى التحتية الضرورية لنقل الجنود بشكل أسرع في أنحاء أوروبا.
ويعد الإعلان المشترك بشأن التعاون بين الحلف العسكري الغربي والاتحاد الأوروبي محاولة جديدة لدفع التعاون الثنائي قدما، مع تعهد كل طرف منهما بتعزيز جهود التعاون لحماية البنية التحتية الحيوية، ويشكل السعي إلى تعزيز التعاون الرسمي بشكل كبير بين الناتو والاتحاد الأوروبي تحديا، حيث لا تعترف تركيا، العضو في الناتو، بجمهورية قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي.
ويشير الإعلان المشترك - الأول منذ عام 2018 - إلى أن التحالف لا يزال ركيزة الدفاع الجماعي لأعضائه والمنطقة الأوروبية الأطلسية، لكنه يؤكد أيضا أن قيمة الدفاع الأوروبي مازالت الأقوى وتساهم بشكل إيجابي في الأمن العالمي وعبر الأطلسي.
وكما هو معلوم، دفعت الولايات المتحدة حلفاءها الأوروبيين إلى إنفاق المزيد على جيوشها، ومواجهة التهديدات السيبرانية وتعزيز البنى التحتية في جميع أنحاء القارة اللازمة لتغيير القوى بسرعة، ومارست واشنطن ضغوطا أيضا على أوروبا لاتخاذ موقف أكثر حزما بشأن التهديد الذي تشكله قوة الصين المتنامية. وجاء في الإعلان المشترك أن نفوذ الصين المتزايد وسياساتها تطرح تحديات علينا معالجتها، وهو ما يشير بطريقة غير مباشرة إلى أن الأمر لا يقتصر على روسيا فقط، بل قد يشمل دولا أخرى، بما فيها الصين.
وتضم مجموعة العمل المعلن عنها في الاتفاق، خبراء من الاتحاد الأوروبي والناتو لدراسة مكامن الضعف في بنى تحتية رئيسية ووضع توصيات حول سبل تعزيز حمايتها. وتسعى المنظمتان ومقرهما بروكسل إلى تحسين التنسيق لسنوات، على الرغم من المخاوف في بعض الأوساط من أن الجهود المبذولة لتعزيز دور الاتحاد الأوروبي الدفاعي قد تقوض التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.
وتضمن هذه الاتفاقية للأطلسي تجنب أي تأخيرات دبلوماسية متعلقة بالإمدادات العسكرية والضرورية التي يطلبها الأوكرانيون من الأطلسيين والأوروبيين، حيث يؤكد المراقبون أن هناك دائمًا تأخرا في قرارات بعض الدول الأوروبية التي تتردد في ذلك الشأن، وعلى رأسها ألمانيا، لكي تبقى خطًا مفتوحًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولا تريد أن تظهر بمظهر وكأنها تصعد أو تريد استمرار هذه الحرب.
لكن.. هل بهذه الاتفاقية يضع الناتو نقطة النهاية للتأخيرات الدبلوماسية؟ دون شك فإن الناتو وضع نقطة النهاية لهذه التأخيرات الدبلوماسية بهذه الاتفاقية، وإعلان الشراكة يعني بأن الناتو سيكون ممثلًا في مصانع القرار الحقيقية في اجتماعات وزراء الدفاع الأوروبيين القادمين، وأبرز ما تم الاتفاق عليه هو أن الناتو سيكون الركيزة الأساسية لأمن أعضائه وأمن المنطقة الأوروبية والأطلسية، وهذا يضع خط النهاية للحلم الأوروبي بتشكيل جيش أوروبي مستقل أو منفصل عن حلف شمال الأطلسي.
يتبقى أمر واحد فقط يشير إليه عدد كبير من المحللين السياسيين والعسكريين، وهو ضرورة توحيد ومركزية القرار، والمقصود هنا "قرار الحرب"، فالناتو لا يريد أن تكون تأخيرات السياسة معطلة للإمدادات العسكرية، ولا يريد أيضا مشاركة أوسع لفتح الباب أمام خلافات بين دول الأعضاء، فقط يريد مركزية في مرحلة حرجة في هذه الحرب التي يقال إن روسيا تجهز لحملة برية في الربيع القادم وهذا يتطلب التجهيز من الآن لصد الهجوم على أقل تقدير، إن لم يكن قد بدأ التجهيز في بعض منه.
English
Français
Deutsch
Español