رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة.. "امرأة حديدية" أخرى في وجه التحديات
لندن في 05 سبتمبر /قنا/ تبدأ ليز تراس، زعيمة حزب المحافظين ورئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، غدا الثلاثاء، ممارسة مهام منصبها، في مقر الحكم بـ 10 داونينغ ستريت بعد أن تُكلف من الملكة إليزابيث الثانية رسميا.
وتنتمي ليز تراس، المولودة في مدينة أوكسفورد جنوب وسط إنجلترا عام 1975، لأسرة من الطبقة المتوسطة، وكانت عضوا في الحزب الليبرالي الديمقراطي، قبل أن تنتقل لحزب المحافظين عام 1996، وأصبحت عضوا في البرلمان عام 2010 عن ساوث ويست نورفولك، كما شغلت خلال السنوات الماضية عدة مناصب وزارية في حكومات ديفيد كاميرون وتيريزا ماي وبوريس جونسون، كان آخرها منصب وزير الخارجية، وهي ثالث امرأة تتولى المنصب في تاريخ بريطانيا.
وعارضت تراس في البداية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بريكست بشدة، قبل أن تصبح لاحقا من أبرز المؤيدين له.
ووجدت ليز تراس، وتلقب بالمرأة الحديدية، نفسها أمام إرث ثقيل من التحديات، داخليا وخارجيا، حيث سيكون عليها إيجاد حلول عاجلة للأزمات التي تعصف باقتصاد بريطانيا، التي لم تكد البلاد تلتقط أنفاسها من أزمة وباء كورونا كوفيد-19 حتى واجهتها أسوأ أزمة تضخم في تاريخها، وأجواء دولية مضطربة ناجمة عن الحرب في أوكرانيا.
وسيكون الارتفاع غير المسبوق في أسعار الطاقة، أكثر الملفات إلحاحا أمام رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، حيث ستكون مطالبة، وعلى عجل، بمعالجة القلق الذي يؤرق البريطانيين بسبب أسعار فواتير الغاز والكهرباء التي تتضخم بشكل لم تشهده البلاد في تاريخها، حيث تعاني فئات كثيرة من السكان بالفعل مما يوصف بـ "فقر الطاقة" وعدم القدرة على دفع فواتير إضاءة المنازل وتدفئتها، فضلا عن الآثار الكبيرة لارتفاع أسعار الطاقة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتي قد تغلق أبوابها جراء ذلك، ما ينذر بأزمة اقتصادية لا يعرف مداها.
وتسببت أزمة ارتفاع أسعار الطاقة، منذ بدء الحرب في أوكرانيا، في ارتفاع غير مسبوق منذ عقود لمعدل التضخم في بريطانيا الذي تخطى نسبة 10 بالمئة، ويتوقع أن يصل إلى 13 بالمئة في العام المقبل، الأمر الذي يجعل بريطانيا الأسوأ من بين الدول السبع الصناعية الكبرى.
وقالت ليز تراس في خطاب الفوز، إنها ستعلن عن "خطة جريئة" خلال الأسبوع الجاري، ليس فقط للتعامل مع أزمة ارتفاع أسعار فواتير الغاز والكهرباء، وإنما خطة طويلة الأمد لمعالجة مشكلة إمدادات الطاقة على المدى الطويل.. مشيرة إلى أن خطتها ستشمل خفض الضرائب على المواطنين وأرباح الشركات وإلغاء الزيادة في استقطاعات التأمينات الاجتماعية التي فرضتها حكومة سلفها بوريس جونسون منذ أبريل الماضي، إضافة إلى العمل على التوسع في استكشاف الغاز الصخري حال وافقت عليه المجتمعات المحلية، والتوسع في مشروعات تركيب الألواح الشمسية لتوليد الكهرباء فوق المنشآت التجارية.
ومن بين التحديات الداخلية التي سيكون على ليز تراس، زعيمة حزب المحافظين ورئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، مواجهتها كذلك، زيادة وتيرة الإضرابات العمالية التي طالت عددا كبيرا من قطاع الخدمات مثل السكك الحديدية وعمال الموانئ والقضاء وعمال البريد وغيرها من القطاعات.
ويبقى رأب الصدع داخل حزب المحافظين الحاكم واستعادة ثقة الناخب البريطاني من أولويات تراس في أيامها الأولى في 10 داونينغ ستريت. فحالة السخط والانقسامات التي سببها رئيس الوزراء المستقيل بوريس جونسون بين صفوف نواب حزبه البرلمانيين وأعضاء حكومته أثرت بشدة على سمعة الحزب وقدرته على قيادة البلاد خلال هذه الأوقات العصيبة. وأظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تقدم حزب العمال المعارض بعشر نقاط على الحزب الحاكم (المحافظين)، وهو أكبر تراجع لشعبية الحزب منذ سبعينيات القرن الماضي. وتكبد الحزب خسائر كبيرة في الانتخابات البرلمانية الفرعية وكذلك الانتخابات المحلية التي جرت العام الحالي، ما يشير إلى تغير مزاج الناخب البريطاني وعدم رضاه عن الحزب الحاكم الذي اكتسح الانتخابات العامة في عام 2019 بفضل الشخصية الكاريزمية لجونسون.
وعلى الصعيد الدولي، ستواجه الساكنة الجديدة لـ 10 داونينغ ستريت تداعيات الحرب المتواصلة في أوكرانيا، لتواصل بذلك ما بدأته منذ كانت وزيرة للخارجية في حكومة جونسون، حيث تبنت تراس - وكانت حينها وزيرة للخارجية - نهجا متشددا للغاية إزاء روسيا وفرضت أكبر حزمة عقوبات في تاريخ بريطانيا على موسكو، شملت تجميد أصول وفرض حظر سفر على أكثر من ألف من الشخصيات الروسية التي لها صلة بالكرملين، ودعمت تقديم مساعدات مالية وعسكرية بمليارات الجنيهات الإسترلينية إلى كييف لمواجهة العملية العسكرية الروسية ضد أوكرانيا.
وبعد أكثر من ستة شهور من الحرب في أوكرانيا والتوقعات بطول أمد الحرب لسنوات قادمة، بدأ الشارع البريطاني يتململ ويتساءل عن جدوى مواصلة الدعم السخي الذي تقدمه لندن لأوكرانيا في ظل أزمة اقتصادية كبيرة يعيشها البريطانيون، لذلك سيكون على تراس الإجابة عن الأسئلة الصعبة في الداخل عن موقف بريطانيا من هذه الحرب نظرا لتأثيرها بشكل كبير على غلاء المعيشة في ظل فرض حظر غربي على النفط والغاز الروسي والذي كان السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار الطاقة عالميا وداخليا.
وعلى الرغم من أن زعماء الأحزاب الذين يأتون إلى سدة الحكم في بريطانيا من دون انتخابات عامة يشارك فيها جميع المواطنين عادة ما يميلون إلى الذهاب لانتخابات مبكرة لتعزيز شرعيتهم، مثلما كان الحال مع تيريزا ماي وبوريس جونسون، إلا أن مراقبين يستبعدون أن تلجأ تراس لهذا الخيار في ظل تراجع شعبية الحزب في استطلاعات الرأي وفي ظل أزمة تكاليف معيشة غير مسبوقة.
وعلى الرغم من التحديات الجسام التي تنتظرها، إلا أن تراس تتمتع بقدرة كبيرة على الإنجاز في زمن قصير اكتسبتها خلال رحلتها الحديثة نسبيا مع المناصب الوزارية التي تولتها. فيعود لها الفضل في إبرام عدد كبير من اتفاقيات التجارة الحرة مع دول عديدة عندما كانت تتولى منصب وزيرة التجارة الدولية في حكومة جونسون، وذلك لتعويض انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español