قوارب الهجرة غير الشرعية.. تجارة بالأرواح أم نجاة من الجحيم
الدوحة في 04 سبتمبر /قنا/ أصبحت قراءة خبر غرق قارب يقل مهاجرين في البحر معتادا بين وكالات الأنباء ووسائل الإعلام.. فلا يكاد يمر يوم دون ذكر خبر عن غرق عدد من الأشخاص هاجروا إما بحثا عن سعة في الرزق أو هربا إلى بر آمن بعد أن ضاقت بهم السبل في بلدانهم.. وباتت الهجرة غير الشرعية أزمة معقدة تواجه العديد من الدول، خاصة أوروبا، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتأزمة حول العالم.
وللهجرة غير الشرعية أشكال مختلفة ، من نازحين داخلياً ومهاجرين قسرياً ولاجئين وآخرين في وضعية اللجوء أو في انتظار قبول أو رفض طلبات اللجوء، ومهاجرين غير شرعيين ومهاجرين لأسباب اقتصادية، ونازحين لعوامل بيئية، ومهاجرين تقطعت بهم السبل، وأطفال غير مصحوبين وآخرين مصحوبين بذويهم، وأشخاص متاجر بهم بشرياً، وعصابات اتجار في البشر، ومهاجرين محتجزين ومهاجرين عابرين وآخرين ينتظرون إعادة التوطين، ودول هشة مصدرة للهاربين من جحيم الصراعات والحروب، ودول منشأ نشأ فيها المهاجر أو اللاجئ أو الهارب، ودول مقصد، ومجتمعات مضيفة، وممرات هجرة وقائمة طويلة من مفردات الهجرة واللجوء والنزوح تنضح بها أرجاء المعمورة في موجات هجرة ولجوء ونزوح تشهد نقصاً حيناً وزيادة أحياناً، لكنها في حالة حراك مستمر، لا يشهد هبوطاً أو يعرف هدوءا على مدار العقد الماضي.
الهجرة واللجوء والنزوح والهروب، ومن ثم الغرق في عرض البحر والموت عطشاً في وسط الصحراء والوقوع فريسة لعصابات الاتجار في البشر والمتاجرة بحلم النجاة من صراع أو البحث عن حياة أفضل، وربما البحث عن حياة أصلاً، تظل أحداثاً وشؤوناً لصيقة بمناطق الحروب والصراعات.
وفي آخر إحصائية للأمم المتحدة عن الهجرة غير الشرعية عبر البحار، لقي أكثر من 57 ألف شخص، حتفهم أو فقدوا أثناء رحلاتهم منذ عام 2014 وحتى الآن، وأكثر من 20 بالمائة من حالات الغرق للمهاجرين من النساء والأطفال، ووفقا لبيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي في دول الاتحاد الأوروبي خلال 2021، وتعد فرنسا وإيطاليا واليونان وتركيا أكثر دول العالم استقبالا للمهاجرين عبر البحر، فيما بلغ معدل الدخول السنوي للمهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، 100 ألف مهاجر غير شرعي.
وقد بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين جراء الحروب والعنف والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان في نهاية العام الماضي نحو 84 مليون شخص، بزيادة 11 في المائة عن عام 2020، وهو أكثر من ضعف الرقم الذي كان عليه قبل عقد.
وفي هذا الإطار، ذكرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن مستويات النزوح في العالم تسجل رقماً قياسياً ومتوجهة اتجاهاً تصاعدياً استمر لعقد كامل. وارتفع عدد الأشخاص المجبرين على الفرار من بيوتهم كل عام على مدار العقد الماضي، ليبلغ أعلى مستوى له منذ بدء العمل بالسجلات، وهو منحى لا يمكن عكس اتجاهه إلا بتحقيق السلام وتقليص الحروب والصراعات.
وعليه، أصبح البحر المتوسط أحد أخطر طرق الهجرة في العالم، وتشير أرقام "أطباء بلا حدود" إلى أن البحر المتوسط ابتلع 24 ألفاً و184 مهاجراً منذ عام 2014، كما أنه يعتبر البحر المتوسط سيد بحار المهاجرين غير الشرعيين، ففي 18 أبريل عام 2015 لقي حوالى 800 مهاجر مصرعهم دفعة واحدة في البحر الأبيض المتوسط، قبالة السواحل الإيطالية، وهي الكارثة الأكثر فتكا على الإطلاق إلى الآن، وفي عام 2020 وحده وصل إلى إيطاليا أكثر من 34 ألف مهاجر عبر البحر المتوسط، وهو ضعف العدد الموثق عام 2019، وفي العام نفسه، شهدت الرحلات البحرية (غير النظامية) المغادرة الشواطئ الليبية زيادة بنسبة 58 في المائة مقارنة بعام 2019.
وشهدت الرحلات المغادرة الشواطئ الجزائرية زيادة بنسبة 209 في المائة، كما شهدت الشواطئ التونسية زيادة في الرحلات المغادرة بنسبة 310 في المائة.
هذه الأرقام الصادمة وغيرها كثيرة، توفرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيما يختص بملف الهجرة غير الشرعية عبر الطرق المؤدية إلى غرب ووسط البحر المتوسط فقط، لكن طرق الهجرة عديدة والمسارات كثيرة، والأعداد تقدر بالملايين.
ومن أحدث ملفات الهجرة غير الشرعية ما يتم رصده حاليا نتيجة الحرب في أوكرانيا، والتي دفعت نحو 5 ملايين أوكراني ومقيم بحسب تقديرات الأمم المتحدة، إلى دول مجاورة أبرزها روسيا وبولندا ومولدوفا ورومانيا وسلوفاكيا وبيلاروس، وهناك نحو 7 ملايين آخرين نزحوا داخلياً بسبب الحرب.
وفي هذا السياق ذكرت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل "فرونتكس" في أبريل الماضي أن عدد المهاجرين الذين حاولوا العبور إلى دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة بطرق غير نظامية خلال الربع الأول من العام الحالي، ارتفع إلى أعلى معدل منذ عام 2016، بما يزيد على 403 آلاف عملية عبور غير نظامي شهدتها دول الاتحاد في ثلاثة أشهر فقط، أغلبها لسوريين وعراقيين وأفغان، وذلك بزيادة 57 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2021، ولا تشمل هذه الأعداد الأوكرانيين الذين لا يتم إدماجهم في إحصاءات العبور غير النظامي.
أما من حاولوا عبور "بحر المانش" من فرنسا صوب بريطانيا فقد تضاعف عددهم ثلاث مرات تقريباً في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، إذ بلغ عدد حالات العبور 8900 حالة، ومنعت السلطات البريطانية عبور نصفهم تقريباً. لتجد السلطات البريطانية من رواندا مخرجاً لها من أزمة قبول مزيد من المهاجرين واللاجئين بطرق غير شرعية، ليتم ترحيل طالبي اللجوء إلى البلد الأفريقي.
وتؤكد العديد من الدراسات أن غالبية اللاجئين من مناطق الحروب والصراعات لم يغادروا ديارهم، بسبب المخاوف الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية، لكنهم فروا بدلاً من ذلك لأسباب سياسية، لاسيما هشاشة الدولة وارتفاع حدة الصراع. وتشير إلى أن نسبة كبيرة من اللاجئين الذين تم تقييم أوضاعهم في الدراسة يقولون إنه لا يوجد وطن بالمعنى المعروف يمكنهم العودة إليه، كما لا يوجد اقتصاد فعال يضمن حياة معقولة، مع غياب السلامة الجسدية.
ويعني استمرار الصراعات والقلاقل في دول الصراعات والحروب، استمرار محاولات الهجرة، دون النظر إلى احتمالات الموت أو النجاح التي تكاد تكون متساوية، كما أن الأوضاع الاقتصادية الآخذة في التأزم، سواء بسبب الصراعات وعدم الاستقرار أو الفساد في بعض الدول، والوباء والحرب في أوكرانيا وتقطع السبل بكثيرين تشير إلى تزايد أعداد الباحثين عن حياة أفضل اقتصادياً.
English
Français
Deutsch
Español