انتخابات مبكرة في إيطاليا غدا... استقطاب سياسي في ظل أزمة اقتصادية حادة
الدوحة في 24 سبتمبر /قنا/ تشهد الانتخابات المرتقبة في إيطاليا استقطاباً سياسيا حاداً قبيل ساعات من التوجه للاقتراع في الانتخابات المبكرة المقررة يوم غد الأحد في الخامس والعشرين من سبتمبر الجاري، وذلك بعد أن أصدر الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا مرسوما بحل البرلمان، إثر تقديم رئيس الوزراء ماريو دراغى استقالته للمرة الثانية، في الحادي والعشرين من شهر يوليو الماضي، وذلك بعد مرور سبعة أشهر من انتخاب حكومة الوحدة الوطنية، في محاولة للخروج من عنق الأزمة الصحية لوباء كورونا.
ويقترع الإيطاليون في هذه الانتخابات على 400 مقعد في مجلس النواب، و200 من مقاعد مجلس الشيوخ بعد التعديلات الدستورية التي أقرت عام 2020 بخفض عدد المقاعد في المجلسين.
ورفعت استقالة حكومة الوحدة الوطنية بقيادة دراغي التي تحولت إلى حكومة تصريف أعمال مستوى القلق الداخلي والخارجي في بلد يتحمل وزر ثاني أكبر دين عام في منطقة اليورو، إذ دفع هذا العبء الكبير الاتحاد الأوروبي إلى تخصيص 200 مليار يورو لإيطاليا لمواجهة تداعيات ما بعد جائحة فيروس كورونا.
ويرتبط الدعم المالي بسلسلة إصلاحات فرضت على روما، وقد لا تحظى بتوافق داخلي بين الأحزاب الإيطالية وخصوصا زعيمة المعارضة الصاعدة جورجيا ميلوني رئيسة حزب "فراتيلي ديتاليا" (إخوة إيطاليا)، التي يتوقع وفق استطلاعات الرأي أن تنال المرتبة الأولى، بعد نجاحها باحتلال مكانة الشخصية المعارضة الأبرز في المشهد السياسي الإيطالي على حساب ماتيو سالفيني رئيس حزب الرابطة اليميني وسيلفيو برلسكوني رئيس الوزراء الأسبق.
ويعتبر حزب "فراتيا ديتاليا" الذي تقوده ميلوني، حركة يمينية متطرفة، تأسست عام 2012، وقدمت نفسها كمعارضة مستقلة لم تدخل حكومة الوحدة الوطنية المستقيلة، وقد كان الحزب الوحيد الذي رفض الالتحاق بالائتلاف الحكومي بقيادة دراغي.
وتقول ميلوني إنها ستعيد التفاوض بشأن اتفاقية الدعم المالي الأوروبي في حال فوزها بالانتخابات، وتعهدت خلال خطاب لها في مدينة ميلانو عاصمة الاقتصاد الايطالي، وأمام أنظار منافسيها اليمينيين سالفيني وبرلسكوني حيث تشكل المدينة معقلهما السياسي والانتخابي، باعتماد مبدأ "إيطاليا أولاً"، لكنها في المقابل أبدت استعدادها للتفاوض بمرونة مع بروكسل حفاظاً على عدم تعثر الموازنة التي أقرتها الحكومة الإيطالية، في ظل تقشفٍ خلّفته أزمة الطاقة المتصاعدة والمخاوف من خطر الركود، الذي تخشاه أوروبا على خلفية الحرب في أوكرانيا.
وبصرف النظر عن الأحزاب المرشحة للفوز فإن الشارع الإيطالي يهتم بشكل أكبر بقضايا إصلاح المعاشات التقاعدية وارتفاع الضرائب ونسب البطالة وتراجع نسبة المواليد ومعدل النمو ومشكلة التناقص السكاني الواضح في السنوات الأخيرة، فضلاً عن الخوف من تداعيات الشتاء البارد الذي يطرق الأبواب، في ظل مخاوف انقطاع الغاز الروسي وارتفاع أصوات الانتقاد لسياسة حكومة تصريف الأعمال بقيادة دراغي والتزاماتها الأوروبية القاسية، وخصوصا في الجانب العسكري، وما يوصف بالتحفظات البيئية التي أثرت على مصانع الانتاج بسبب اعتمادها اتفاقاً أوروبياً بتحقيق اقتصادٍ خالٍ من الكربون بحلول عام 2050.
كما تتطرق الحملات الانتخابية إلى قضية ترحيل المهاجرين غير الشرعيين والموقف من اتفاقية استقبال اللاجئين التي أقرها الاتحاد الأوروبي قبل سنوات وهي ملفات لم تعد تقتصر على اهتمام أحزاب اليمين المتطرف فحسب، مثلما هو الحال في إيطاليا والمجر وبولندا، بل إن القضية تجاوزتها، لتطغى على هواجس دول كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
ولا يتوقف تنامي الأفكار اليمينية أوروبياً عند إيطاليا، فقد نال الحزب الديمقراطي السويدي اليميني المتطرف المرتبة الثانية في الانتخابات التي عقدت هناك الأسبوع الماضي بنسبة تجاوزت 20 بالمئة، وبات أكبر الأحزاب اليمينية بعد ان كان مجرد حزب بسيط، وبالكاد دخل البرلمان قبل بضع سنوات.
كما يكتسب صعود تيار اليمين المتطرف في أوروبا في الأعوام القليلة الماضية، زخماً متزايداً في دول عديدة تأثرت بالأفكار القومية والأفكار الشعبوية التي تركز دعاياتها الانتخابية على سيادة الدولة ووقف موجات الهجرة الخارجية، وقد أظهرت انتخابات البرلمان الأوروبي قبل عامين صعوداً كبيراً للأحزاب اليمينية، التي حصلت على 105 مقاعد في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة.
ويمني ائتلاف"يمين الوسط" في إيطاليا نفسه بالفوز بأغلبية مقاعد مجلسي النوّاب والشيوخ، وذلك في ظل حالة الشتتت التي تعاني منها أحزاب اليسار ويسار الوسط.
ويضمّ ائتلاف "يمين الوسط" المحافظ حزب "فورتسا إيطاليا" اليميني بزعامة سيلفيو برلوسكوني، واليمين المتطرف ممثلا بحزب "الرابطة" القومي بزعامة ماتيو سالفيني، وحزب "إخوة إيطاليا" برئاسة جورجيا ميلوني.
ووفقاً لاستطلاعات الرأي، فإن مرشحي الكتلة اليمينية سيشغلون مساحة واسعة في قائمة الفائزين بالانتخابات التشريعية، وسط تقديرات تشير إلى أن حزب "إخوة إيطاليا" اليميني المتطرف، سيكون هو الفائز الأكبر.
وتأسيساً على وعوده الانتخابية بإحداث تخفيضات على الضرائب ورفع المعاشات التقاعدية، فقد يشكّل فوز الائتلاف المحافظ عبئاً ثقيلاً على المالية العامة في البلاد المثقلة بالديون والتي تشهد تضخماً اقتصادياً كبيراً، وتجتاحها المخاوف بشأن إمدادات الطاقة بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، كما من المتوقع، في حال فوز المحافظين أن تُتخذ إجراءات صارمة ضد الهجرة غير الشرعية.
وتشير دراسة أجراها مركز أبحاث "كاتانيو إنستيتوت" إلى أنه وحسب استطلاعات الرأي، فالائتلاف اليميني سيشغلُ في مجلس النوّاب 245 مقعداً من أصل 400 مقعد، فيما أن نصيبه من مقاعد مجلس الشيوخ الـ200 سيكون 127 مقعداً.
وقدرت الدراسة أن كتلة "يسار الوسط"، بقيادة الحزب الديمقراطي بزعامة إنريكو ليتا، ستفوز بـ107 مقاعد في مجلس النواب وبـ 51 مقعداً في مجلس الشيوخ ، بينما سيتم توزيع المقاعد المتبقية بين الأحزاب خارج الكتلتين.
وتلقّت كتلة يسار الوسط ضربة قوية مؤخرا حين أعلن زعيم حزب "أزيوني" الوسطي أنه سيغادر الكتلة التي شكّلها مع الحزب الديمقراطي وأحزاب صغيرة من الوسط واليسار من بينها حزب "أوروبا الخضراء" وحزب "اليسار الإيطالي"، مشيرا إلى أن أحد الأسباب التي أدت إلى اتخاذه هذا الموقف هو وجود أحزاب داخل الكتلة صوتت ضد رئيس الوزراء السابق ماريو دراغي.
ويرى محللون سياسيون ومراقبون للمشهد الانتخابي في إيطاليا أنه من غير المرجح أن يحصل اليمينيون على أغلبية الثلثين التي يحتاجون إليها لفرض تغييرات دستورية دون الحاجة إلى إجراء استفتاء، ومن بين تلك التغييرات؛ الانتخاب المباشر للرئيس، وهو الأمر الذي يمثل أولوية قصوى لـ"إخوة إيطاليا" التي تحتل زعيمته ميلوني موقع الصدارة في أن تصبح رئيسة للوزراء في حالة فوز اليمنيينين.
وكان رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي قدم أواخر شهر يوليو الماضي استقالته، في أعقاب انهيار حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها، وعلى إثر ذلك أعلن الرئيس سيرجيو ماتاريلا حل مجلسي الشيوخ والنواب، ودعا الى إجراء انتخابات مبكرة.
English
Français
Deutsch
Español