تحديات اقتصادية متزايدة على طاولة الدورة الـ77 للجمعية العامة للأمم المتحدة
الدوحة في 15 سبتمبر /قنا/ بحلول التاسع عشر من سبتمبر الجاري، تبدأ فعاليات الدورة الـ77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط تحديات اقتصادية متزايدة، خاصة وأن العام الجاري يعتبر عاما استثنائيا مليئا بالتحديات الاقتصادية كارتفاع التضخم وأسعار الطاقة والغذاء وبوادر المجاعة التي تلوح في الأفق في عدد من البلدان وتزايد الفقر وتراكم الديون، إضافة إلى تعثر سلاسل الإمداد والتوريد بفعل استمرار انتشار فيروس كورونا "كوفيد-19" والتوترات الجيوسياسية وغيرها من القضايا التي تمسك بتلابيب الاقتصاد العالمي.
ومن المقرر أن يناقش قادة الدول الأعضاء في اجتماعات مباشرة بنيويورك، حزمة من القضايا الجامعة والمتداخلة التي تؤثر في تحقيق الأمن والرفاه الاجتماعيين، إضافة إلى التقدم المحرز فيما يتعلق بتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الأمم المتحدة في 2015، أبرزها القضاء على الفقر والجوع، والصحة والتعليم للجميع، والحصول على المياه النظيفة، وتوفير العمل اللائق داخل مدن ومجتمعات محلية مستدامة.
والأرقام الصادرة عن الجهات ذات الصلة بمؤشرات الاقتصاد العالمي تصب كلها في اتجاه تأييد هيمنة الملف الاقتصادي على مناقشات الجلسات في أروقة الأمم المتحدة في شهر سبتمبر.
فقبل انطلاق أعمال دورة هذا العام خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي عن العامين الجاري والمقبل؛ بسبب حالة عدم اليقين، مرجحا أن يبلغ النمو العالمي 3.2 بالمئة في العام الجاري وهو مستوى أقل بنحو 0.4 بالمئة من التقديرات السابقة، كما توقع نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.9 بالمئة في 2023 وهو أيضا مستوى أقل من التقديرات السابقة بنحو 0.7 بالمئة.
وتوقع الصندوق أن يسجل التضخم لدى الدول المتقدمة 6.6 بالمئة في العام الجاري و9.5 بالمئة في الدول الناشئة والنامية، وهو ما يمثل زيادة في التقديرات بنحو 0.9 بالمئة و0.8 بالمئة على الترتيب.
أما أسعار الغذاء التي شهدت تقلبات هائلة خلال هذا العام فقد عادت لشيء من الاستقرار بعد استئناف عمليات تصدير الحبوب عبر البحر الأسود قادمة من أوكرانيا إلى الموانئ العالمية بموجب اتفاق بين تركيا وروسيا وأوكرانيا والأمم المتحدة في 22 يوليو الماضي.
وكانت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" قد أعلنت مطلع أغسطس الماضي عن تراجع مؤشر أسعار الغذاء إلى 140.9 نقطة في شهر يوليو من العام الجاري، بانخفاض قدره 8.6 في المئة عن مستوياته في يونيو السابق له، ويعتبر هذا الانخفاض الشهري الرابع على التوالي منذ أن بلغ أعلى مستوياته على الإطلاق في وقت سابق من العام الجاري في أعقاب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، مشيرة إلى أنه رغم ذلك، يبقى هذا المؤشر أعلى مما كان عليه في يوليو 2021 بنسبة 13.1 في المئة.
وعلى صعيد الوضع النقدي العالمي، ينوى الاحتياطي الفيدرالي رفعا كبيرا لأسعار الفائدة بشكل استثنائي خلال الاجتماع القادم للجنة النقدية في 21 سبتمبر الجاري بعد قرارين متتاليين برفع من 75 نقطة، في محاولة منه للجم التضخم وتهدئة الأسعار.
وفي السياق ذاته لم تغب قضايا الاقتصاد عن الاتحاد الأوروبي، حيث حدد في بيان له في 18 يوليو الماضي ما أسماها الأولويات الأوروبية للدورة 77 للأمم المتحدة، أبرزها الآثار المترتبة على حرب روسيا وأوكرانيا، وتعزيز التنمية المستدامة وحقوق الإنسان، ودعم الوصول إلى التعليم الجيد، وتعزيز الأمن العالمي، والصحة، ومكافحة تغير المناخ، وتشكيل البرامج الرقمية العالمية".
وقد قفزت أسعار النفط العالمية إلى أعلى مستوياتها في مارس وأبريل الماضيين لتلامس 138 دولارا للبرميل، بعد المستويات القياسية التي سجلتها في 2008، ولازال سعر خام برنت القياسي يدور حول 100 دولار للبرميل، كما استمرت أسعار الغاز الطبيعي في الارتفاع لتسجل مستويات قياسية.
ووفقا لمنصة "تايتل ترانسفير فاسيليتي" لتجارة الغاز الطبيعي ومقرها أمستردام، فإن سعر الغاز ارتفع بأكثر من 6 بالمئة ليقترب من 316 يورو لكل ميجاوات، وذلك بعد أن ظل أعلى من 300 يورو ليومين، بحسب أحدث بيانات المنصة، ولم ترتفع أسعار الغاز عن هذا المستوى سوى في الفترة التي أعقبت مباشرة بداية الحرب في أوكرانيا في أواخر فبراير الماضي، حيث سجلت الأسعار ذروتها في ذلك الوقت عند 345 يورو.
وعلى الرغم من تزايد الاحتجاجات الشعبية؛ بسبب صعود أسعار الغذاء والتضخم ونذر المجاعة التي تلوح في الأفق، إلا إنه من المرجح أن تمضي الدول في تنفيذ السياسات الرامية إلى الإصلاحات الاقتصادية، كإعادة هيكلة الاقتصاد الكلي ورفع أسعار الفائدة للجم التضخم، وتخصيص موارد أكبر للطاقة النظيفة ومكافحة التغير المناخي، فضلا عن زيادة الاستثمارات في قطاع الطاقة لزيادة المعروض خلال السنوات المقبلة.
وقد شهد العديد من البلدان احتجاجات شعبية واسعة على وقع تزايد أسعار الغذاء وارتفاع التضخم، حيث هزت سريلانكا احتجاجات حاشدة اندلعت في مارس الماضي ردا على نقص الغذاء والوقود والأدوية والمواد الأساسية الأخرى، فقد تفاقم الوضع بسبب الإصلاحات الاقتصادية مثل التخفيضات الضريبية العميقة وخدمة مدفوعات الديون، والتي استهلكت احتياطيات النقد الأجنبي للبلاد، كما شهد لبنان اضطرابات شعبية بسبب الوضع الاقتصادي المترهل بعد أن قارب دين الدولة 80 مليار دولار، وبحسب تقرير عرضه الرئيس اللبناني العماد ميشال عون مؤخرا، فإن نسبة الدين العام بلغت 147 بالمائة بالنسبة للناتج المحلي المقدر بحوالي 54 مليار دولار العام الماضي.
وفي تعليقه على المشهد الاقتصادي الدولي قال الدكتور رجب الإسماعيل أستاذ الاقتصاد بجامعة قطر، إن العالم حاليا يمر بتحولات كبرى ذات أبعاد اقتصادية ألقت بظلالها على المعطيات السياسية، مشيرا إلى بوادر التعافي الاقتصادي من جائحة كورونا وما ترتب عليها من إغلاقات وتراجع للنشاط الاقتصادي.
وأضاف الإسماعيل، لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن المشاكل الاقتصادية أثرت على الاستقرار السياسي لبعض الدول النامية وهو ما دفع هذه الدول إلى طلب مزيد من المعونات والقروض من البنك وصندوق النقد الدوليين، منوها بأن هذه الدول تعاني من ناحيتين: الأولى انخفاض القوة الشرائية لعملاتها مقابل الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، خاصة بعد قوة الدولار الأمريكي التي اكتسبها من الرفع المتواصل لأسعار الفائدة، مما يحد من قدرتها في الحصول على الطاقة التي تتطلب نقدا أجنبيا ارتفعت تكلفة الحصول عليه خاصة بعد ارتفاع أسعار الفائدة على القروض الأمر الذي زاد من أعباء الدين وخدمته.
وفيما يتعلق بهيمنة القضايا الاقتصادية على طاولات النقاش بالدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة قال الدكتور هاشم السيد رئيس مجلس إدارة جمعية المحاسبين القانونيين القطرية، إن الأولويات الاقتصادية ستكون متنوعة وكثيرة وستفرض نفسها بقوة على طاولة الاجتماعات واللقاءات، لافتا إلى أن القضايا الاقتصادية متشابكة ومعقدة ورغم تقاطع مصالح الدول إلا أنها سوف تجد نفسها تشترك في هموم وقضايا ذات أبعاد مشتركة كأزمات التضخم وارتفاع أسعار المعيشة والطاقة والتغير المناخي، ولذا ستجبر تلك القضايا الرؤساء والمسؤولين على وضعها في أولويات أجندتهم وبحثها على أمل الوصول إلى حلول مشتركة تنعكس إيجابا على شعوبهم.
وأشار في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إلى أن اجتماعات الجمعية العامة يجب أن تنتقل من توصيف وتشخيص التحديات إلى تقديم مبادرات وحلول وتوصيات قابلة للتطبيق على أرض الواقع، لجهة أن قضايا ارتفاع أسعار الطاقة ومشتقاتها انعكست على كافة الأوضاع الاقتصادية للشعوب.
وتحتل الجمعية العامة، التي أنشئت في عام 1945 بموجب ميثاق الأمم المتحدة، موقعا مركزيا بوصفها الهيئة الرئيسية للتداول ورسم السياسات والتمثيل في الأمم المتحدة، وتضم الجمعية العامة في عضويتها الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة، وهي جهاز الأمم المتحدة التمثيلي الرئيسي للتداول وصنع السياسة العامة، ولكل دولة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة صوت واحد.
English
Français
Deutsch
Español