الأمم المتحدة.. قرارات أممية غيرت تاريخ المنطقة والعالم
الدوحة في 14 سبتمبر /قنا/ 77 عاما مرت على تأسيس منظمة الأمم المتحدة كبديل عن عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية، أصدرت خلالها العديد من القرارات التي غيرت تاريخ منطقة الشرق الأوسط والعالم، وتحولت أرقام تلك القرارات إلى جزء من ذاكرة العالم، بعضها اتخذ طريقه للتنفيذ، ومنها ما بقي حبرا على ورق، لكن رغم ذلك تبقى قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي شاهدا على متغيرات وتحولات كبرى في تاريخ الأمم والشعوب.
وفي منطقتنا العربية يأتي من بين أهم القرارات المصيرية للمنظمة الدولية، القرار رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947، وأطلق عليه (خطة تقسيم فلسطين)، والذي قضى بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وتقسيم أراضيها إلى 3 كيانات جديدة تضم دولة عربية وأخرى يهودية على التراب الفلسطيني، واعتبار مدينة القدس تحت الوصاية الدولية.
وحدد القرار الأممي بتقسيم فلسطين ما يمثل 42.88 بالمئة من أراضي فلسطين كدولة عربية تقع على الجليل الغربي ومدينة عكا والضفة الغربية والساحل الجنوبي الممتد من شمال مدينة أسدود، وجنوبا حتى رفح مع جزء من الصحراء على طول الشريط الحدودي مع مصر، بينما خصص ما يمثل 56.47 بالمئة من مساحة أراضي فلسطين التاريخية للدولة اليهودية التي تقع على السهل الساحلي من حيفا وحتى جنوب تل أبيب، والجليل الشرقي، أما نسبة الـ 0.65 بالمئة المتبقية فتم تخصيصها لمدينة القدس، وما يجاورها من أراض تم اعتبارها تحت الوصاية الدولية.
وفي ظل انتهاكات الاحتلال وممارساته للسيطرة على أراضي فلسطين التاريخية، يأتي قرار أممي آخر ليغير مجرى التاريخ في المنطقة والعالم، وهو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 273 الصادر في شهر مايو عام 1949 بقبول طلب الكيان الإسرائيلي الانضمام لعضوية الأمم المتحدة، وهو القرار الذي تم تمريره بعد تبني توصية مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 69 الصادر في مارس 1949.
كما أصدرت المنظمة الدولية منذ تأسيسها الكثير من القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية، من أشهرها القرار 242 لسنة 1967، والقاضي بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967، وإنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب، والاحترام والاعتراف بسيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة، واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، والقرار 446 لسنة 1979 الذي نص على أن سياسة إسرائيل وممارساتها في إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967 ليس لها شرعية قانونية، ذلك بخلاف عشرات القرارات التي تتعلق بتقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين والسماح لهم بالعودة إلى ديارهم، ودفع تعويضات لمن يختارون عدم العودة عن ممتلكاتهم، وحماية حرية الوصول للقدس والأماكن المقدسة الأخرى، بالإضافة إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين في السيادة على أراضيهم، ومنح منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب بالجمعية العامة، ومنح فلسطين صفة دولة غير عضو مراقب بالأمم المتحدة، فضلا عن إدانة بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، وتهجير المدنيين الفلسطينيين وغيرها من الإجراءات المخالفة للقوانين الدولية الإنسانية، وهي قرارات لم يلتزم الاحتلال بتنفيذها.
وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، تقع على عاتق مجلس الأمن الدولي المسؤولية الرئيسية عن صون السلم والأمن الدوليين، ومنذ العام 1948، تناول المجلس القضية الفلسطينية والحالة في الشرق الأوسط في العديد من الجلسات والاجتماعات، حيث دعا مرارا إلى وقف إطلاق النار، كما أوفد مراقبين عسكريين، وقام بنشر قوات لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة في المنطقة، بالإضافة إلى وضعه المبادئ الأساسية للتوصل إلى تسوية سلمية قائمة على التفاوض، وكذلك أعرب في العديد من المناسبات عن قلقه من التطورات الميدانية، وأعلن عن بطلان التدابير التي اتخذتها حكومة الاحتلال لتغيير طابع مدينة القدس المحتلة، وأيضا دعا إلى وقف النشاط الاستيطاني الذي أكد أنه ليس له أي شرعية قانونية، وأعاد تأكيد انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة، ودعا إلى عودة الفلسطينيين المهجرين.
ومن القرارات الدولية المهمة التي كانت لها تداعيات كبيرة على الأوضاع في الشرق الأوسط، يأتي القرار رقم 1441 الصادر عن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة عام 2002 بشأن التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، وهو القرار الذي استندت إليه قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لغزو العراق.
وفي مايو 2003، أي بعد أكثر من شهر على سقوط بغداد، كان قرار مجلس الأمن رقم 1483 الذي يجيز للقوات الأمريكية والبريطانية السيطرة على اقتصاد العراق ومستقبله السياسي، ويحدد دور الأمم المتحدة بتقييده في القطاع الإنساني والاستشارات السياسية، ليأتي بعد ذلك القرار رقم 1500 الصادر في أغسطس 2003، والذي يوافق على قيام مجلس الحكم الانتقالي في العراق، وإنشاء بعثة مساعدة للأمم المتحدة لفترة 12 شهرا بشكل مبدئي.
أصدر مجلس الأمن كذلك العديد من القرارات بشأن العراق، كان منها القرار رقم 660 الصادر في 2 أغسطس 1990، يوم الغزو العراقي للكويت، حيث أدان القرار احتلال العراق للكويت، وطلب من الجيش العراقي الانسحاب الفوري غير المشروط إلى مواقعه قبل الأول من أغسطس 1990، كما طالب الطرفين ببدء حوار مباشر، بدعم من جامعة الدول العربية.
وبعد أيام أصدر المجلس القرار 661 في 6 أغسطس، وفرض بموجبه حظرا اقتصاديا على العراق، وطالب جميع الدول بالامتناع عن أية تبادلات تجارية مع العراق، باستثناء الإمدادات الطبية والغذائية، كما اتخذ المجلس 17 قرارا تتعلق ببرنامج "النفط مقابل الغذاء"، منها القرار رقم 986 الصادر في 14 أبريل 1995، والذي يمكن العراق من بيع النفط الخام بمبلغ لا يتجاوز مجموعه مليار دولار أمريكي كل تسعين يوما، واستخدام العائدات النفطية لشراء الإمدادات الإنسانية.
ومن القرارات التي اتخذها مجلس الأمن الدولي كذلك بشأن الصراع في الشرق الأوسط، القرار رقم 1701، الذي اتخذه المجلس بالإجماع في أغسطس عام 2006؛ من أجل وقف إطلاق النار وحل النزاع اللبناني الإسرائيلي، وهو القرار الذي وافق عليه الجانبان اللبناني والإسرائيلي، وتم بموجبه وقف إطلاق النار بعد أيام من إصداره.
وفي 27 أكتوبر 2011 وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع في قراره رقم 2016 على إنهاء العمليات العسكرية في ليبيا، منهيا بذلك فصلا في الحرب ضد نظام العقيد معمر القذافي الذي قتل على يد الثوار في مدينة سرت، وأمر أعضاء المجلس الخمسة عشر بإنهاء فرض حظر الطيران فوق ليبيا، كما تضمن القرار تخفيف الحظر الدولي على الأسلحة؛ حتى يتمكن المجلس الوطني الانتقالي من الحصول على الأسلحة والمعدات اللازمة لضمان الأمن القومي.
كما أنهى القرار تجميد أموال المؤسسة الوطنية للنفط، وجميع القيود على البنك المركزي وغيره من المؤسسات الرئيسية في البلاد، وأنهي بشكل تام الحظر على الرحلات الجوية للطائرات الليبية المسجلة.
هذا إلى جانب قرارات أممية بشأن مناطق ساخنة في الشرق الأوسط، وبالأخص في سوريا والسودان والصومال وأفغانستان تتعلق إما بتكليف بعثات حفظ سلام أو إرسال فرق خبراء لأغراض عدة، أو لإرساء أسس سلام دائم وتنمية شاملة في تلك الدول.
وبعيدا عن الأزمات والتوترات السياسية والعسكرية في العالم، كان لمنظمة الأمم المتحدة إنجازات مهمة خارج المجال المباشر للسلام والأمن، تمثلت في اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، تلاه العهدان الدوليان في عام 1966، وهما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى إنشاء صناديق وبرامج متخصصة في أنواع مختلفة من العمل الإنساني والإنمائي، منها منظمة الأمم المتحدة للطفولة، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وبرنامج الأغذية العالمي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وغيرها من الهيئات والبرامج في مجال العمل الإنساني.
ويعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وثيقة تاريخية مهمة في تاريخ حقوق الإنسان، صاغها ممثلون من مختلف الخلفيات القانونية والثقافية من جميع أنحاء العالم، واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باعتباره المعيار المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه الشعوب والأمم كافة، حيث يحدد، وللمرة الأولى، حقوق الإنسان الأساسية التي يتعين حمايتها عالميا، وتمت ترجمة تلك الحقوق إلى 500 لغة من لغات العالم.
وحرص الإعلان العالمي على ترسيخ احترام الكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية، والاعتراف بأن حقوقهم المتساوية الثابتة هي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، وتعزيز حقوق الأفراد في حرية القول والعقيدة والتحرر من الفزع والفاقة، وحمايتهم من الظلم والاستبداد وتنمية العلاقات الودية بين الدول والشعوب، والمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق الأساسية؛ من أجل الدفع بالرقي الاجتماعي قدما، ورفع مستوى الحياة في أجواء أرحب من الحرية.
وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه الشعوب والأمم كافة؛ حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها.
ومن بين القضايا التي حظيت باهتمام الأمم المتحدة وأصدرت بشأنها العديد من القرارات المهمة، مكافحة آفة المخدرات على المستوى العالمي، ففي عام 1961 بدأت المنظمة الدولية عقد العديد من المؤتمرات الدورية بشأن مكافحة المخدرات، نتج عنها اتفاقيات ومعاهدات دولية، كانت أولاها الاتفاقية الوحيدة للمخدرات التي تبنتها الأمم المتحدة عام 1961، وتم تعديلها من خلال البروتوكول المعدل للاتفاقية في عام 1972. وفي عام 1971 اعتمدت الأمم المتحدة اتفاقية المؤثرات العقلية في مؤتمر الأمم المتحدة، وفي عام 1988 اعتمدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية.
وأسست هذه الاتفاقيات معاهدات مكافحة المخدرات الرئيسية التي لا تزال قيد الاستخدام حتى الآن، وهدفت الاتفاقيات لمكافحة تعاطي المخدرات من خلال التنسيق الدولي لردع تجار المخدرات، والحد من حيازة الأدوية واستهلاكها والاتجار بها وتوزيعها واستيرادها وتصديرها وتصنيعها، وإنتاجها فقط للأغراض الطبية والعلمية، بالإضافة إلى وضع نظام رقابة دولي على المؤثرات العقلية، ووضع ضوابط على عدد من العقاقير الاصطناعية.
كما عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورات استثنائية لبحث مشكلة المخدرات العالمية، والوقوف على التحديات، واستعراض ما أحرزته الدول الأعضاء فيما يتعلق بالتعاون من أجل وضع استراتيجية متكاملة ومتوازنة لمكافحة المخدرات في إطار الاتفاقيات الدولية.
كذلك من بين الموضوعات التي حرصت المنظمة الدولية منذ تأسيسها على حلها، كان إنهاء الاستعمار؛ إذ إنه عند إنشاء المنظمة الدولية، كان هناك 750 مليون شخص، أي قرابة ثلث سكان العالم آنذاك، يعيشون في أقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي، وتعتمد على القوى الاستعمارية، ومنذ ذلك الحين، حصلت أكثر من 80 مستعمرة سابقة على استقلالها، حيث حققت جميع الأقاليم المشمولة بالوصاية البالغ عددها 11 إقليما تقرير المصير عن طريق الاستقلال أو بالارتباط بحرية مع دولة مستقلة.
English
Français
Deutsch
Español