قنا داخل متحف الفن الإسلامي بالقاهرة .. مقتنيات نادرة تعكس صورة الحضارة الإسلامية
القاهرة في 13 سبتمبر /قنا/ يعكس متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، من خلال مقتنياته الثمينة صورة ناصعة للحضارة الإسلامية العظيمة على امتداد عصورها، حيث يضم أكثر من 100 ألف تحفة أثرية تشمل مختلف العصور بالعالم الإسلامي وكثير من البلدان، كالهند، والصين، وإيران، والجزيرة العربية، والشام، ومصر، وشمال إفريقيا، والأندلس.
ولا تتوقف مكانة متحف الفن الإسلامي الذي يتوسط قلب العاصمة المصرية القاهرة، على كونه من أكبر متاحف الفنون الإسلامية في العالم، أو احتضانه لهذا الكم الهائل من الآثار، بل تكمن أيضا أهميته التاريخية في تنوع هذه الآثار وشمولها، ما يعطي زخما لهذا الصرح العريق ودوره التاريخي المهم في الحفاظ على التراث الإسلامي، الذي امتد ليشمل الاهتمام بمجالات التعليم، والبحث والتعاون العلمي، والحوار والتقارب بين الحضارات.
وبالتزامن مع احتفالات القاهرة عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي لعام 2022 من جانب منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، زارت وكالة الأنباء القطرية "قنا"، متحف الفن الإسلامي بالقاهرة للتعرف عن قرب على هذا الزخم الهائل من المقتنيات والتحف النادرة التي جعلت منه علامة مضيئة في تاريخ هذه المدينة العريقة والعالم الإسلامي عبر مختلف عصوره المزدهرة، لما يحويه من تحف أثرية، وصل عددها إلى ما يقرب من 100 ألف تحفة أثرية، ما يجعله من أكبر متاحف الفنون الإسلامية في العالم.
وتضم قاعات العرض بالمتحف مجموعات نادرة من الزجاج والخزف العثماني والسجاد الإيراني والتركي، بجانب مجموعة من أدوات الفلك والهندسة التي كانت تستخدم في العصور الوسطى، إضافة إلى المنسوجات والأختام، فضلا عن مجموعة متميزة من آلات الجراحة والحجامة التي كانت تستخدم في العصور الإسلامية، ما يعكس حجم الازدهار الذي كانت تشهده في مجالات الطب والهندسة والكيمياء، إلى جانب نسخ نادرة من المصحف الشريف و"مفتاح الكعبة" وغيرها من كنوز نادرة.
وشهد هذا المتحف محطات تاريخية مهمة منذ أن تحولت فكرة إنشاء متحف للفنون والآثار الإسلامية في عصر الخديوي "إسماعيل" سنة 1869 إلى واقع ملموس في عصر الخديوي "توفيق" سنة 1880، حيث تم تنفيذ هذه الفكرة على أيدي فرانتز باشا مدير القسم الفني في وزارة الأوقاف في مصر آنذاك، والذي قام بجمع التحف الأثرية التي ترجع إلى العصر الإسلامي في الإيوان الشرقي لجامع "الحاكم بأمر الله" بالقاهرة، إلى أن وصل عددها إلى 111 تحفة في عام 1882، ثم أعقب ذلك بناء مبنى صغير في صحن الجامع أطلق عليه اسم "المتحف العربي"، قبل أن يتم افتتاح متحف الفن الإسلامي في المبنى الحالي بميدان باب الخلق، أحد أشهر ميادين القاهرة التاريخية، في عهد الخديوي "عباس حلمي الثاني" في 28 ديسمبر سنة 1903.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور ممدوح عثمان مدير المتحف الإسلامي، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن المتحف مر بمراحل تطور عديدة وإن الأمر لم يكن اعتياديا وإنما جرى تسجيل هذه المراحل وتوثيقها في أرشيف المتحف، مشيرا إلى أنه مع افتتاح مبنى المتحف عام 1903، تم نقل كل المحتويات والمقتنيات من المتحف العربي أو الانتكخانة في مسجد "الحاكم بأمر الله" إلى المتحف الذي تم إنشاؤه حديثا، والذي بدأ لاحقا في استقبال عدد من الإهداءات من قبل أشخاص بارزين.
ولفت إلى أن شراء القطع الأثرية التي تنتمي إلى العصر الإسلامي وإرسالها للمتحف أو إهداءه إياها لم يتوقفا وظلا هكذا حتى زادت بشكل كبير أعداد القطع في المتحف، كما تم استخراج العديد من القطع التراثية نتيجة حفائر في تلال الفسطاط، الأمر الذي أضفى إثراء كبيرا في محتوياته، مشيرا في هذا الصدد إلى أن عدد القطع الموجودة في العرض المتحفي داخل متحف الفن الإسلامي تصل إلى أكثر من 4 آلاف قطعة، إلى جانب وجود ما يقارب 96 ألف قطعة أثرية في المخازن تستخدم في إثراء جميع متاحف مصر التي يوجد بها قاعات للفنون الإسلامية، بما حافظ على هذه الآثار المهمة من جهة، وجعل من هذا الصرح المتحف الأم للحضارة الإسلامية الذي يغذي بقية المتاحف من جهة ثانية.
وأشار عثمان إلى دور متحف الفن الإسلامي بالقاهرة الذي تحول إلى جامعة لدراسة فنون الآثار وقبلة للدارسين في مجالات العلوم والفنون والبحث العلمي بصفة عامة، حيث تضم مكتبة المتحف مجموعة نادرة وقيمة من المصادر والمراجع المتخصصة في مجال التاريخ والآثار والفنون والعمارة الإسلامية تصل إلى حوالي ثلاثة عشر ألف كتاب.
وحول المحطات المهمة التي شهدها المتحف على مدار القرنين السابق والحالي، استعرضت الدكتورة هبة عبداللاه محمود رئيس قسم الأرشفة ومدير الأحراز بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، مراحل تطويره منذ أن كان اسمه دار الآثار العربية أو المتحف العربي حتى عام 1952 الذي بدأت تتوالى فيه عمليات الإهداء والشراء للقطع الأثرية المهداة إلى المتحف، حتى كان من بينها قطع إسلامية لغير الناطقين بالعربية، من دول مثل تركيا، وإيران، والصين، والهند، لافتة إلى أن ذلك كان باعثا لفكرة تغيير اسم المتحف من دار الآثار العربية إلى متحف الفن الإسلامي، ليتم تطويره لأول مرة في عام 1983 بضم الأرض التي توجد بها الحديقة المجاورة له إلى مبنى المتحف، كما جرى تجديد أسلوب العرض وآلياته"، لتتواصل عملية التطوير حتى إعادة افتتاحه عام 2010، حيث شهد بناء مكتبة تحوي مئات من أمهات الكتب، ومعمل الترميم، ومكاتب للعاملين، حيث تم تقسيم المتحف إلى جناحين، الأول يعتمد ترتيبا تاريخيا من العصر الأموي وحتى عصر أسرة محمد علي، والثاني يعتمد ترتيبا بالموضوعات مثل المسبوكات، السلاح والحياة اليومية، والطب والحياة اليومية، والسجاد، والنسيج ، وليتم تجديده مرة أخرى بعد سبع سنوات ليعاد على شكله الأول بكامل مقتنياته.
وأشارت إلى أن المتحف يضم عددا كبيرا من المقتنيات الفنية الرائعة التي جعلته أحد أكبر المتاحف على مستوى العالم، لافتة في هذا الصدد إلى أن قاعة الأسلحة تضم أسلحة السلاطين والخلفاء الذين أدوا أدوارا مهمة في الحفاظ على الحضارة الإسلامية، ومنهم السلطان العثماني محمد الثاني "الفاتح"، حيث يحتوي المتحف على سيفه الذي تقلده عند فتحه القسطنطينية وعليه كتابات تدعو إلى العدل والعطف على الفقراء والمساكين.
وقالت إن من أهم ما يجذب الزائر للمتحف هو "مفتاح الكعبة" وهو مفتاح تشريفي، حيث كانت مصر ترسل المحمل وكسوة الكعبة، وبعد ذلك يعود المحمل ومعه المفتاح إلى السلطان مرة أخرى للتبرك به، وإلى جانب ذلك يوجد باب مسجد السيدة زينب الذي تم إنشاؤه في عهد محمد علي باشا، حيث يعد أكبر باب مصفح بالفضة، مشيرة إلى أن من أهم القطع أيضا قطعتا شمعدان للسلطان قايتباي، حيث كانتا موجودتين أثناء حريق شب في الحجرة النبوية، وأعاد قايتباي تأهيل الحجرة النبوية وترميمها وأوقف لها العديد من القطع من بينها قطعتا الشمعدان، وتمت إعادتهما إلى مصر مرة أخرى وإيداعهما في متحف الفن الإسلامي، كما لا يخلو المتحف من الفنون العريقة وأهمها فن الأرابيسك.
وأضافت رئيس قسم الأرشفة بمتحف "الفن الإسلامي" أن المتحف يهتم بمجال العلوم والطب والفلك، وتخصص قاعة لهذا القسم تضم الطب التقليدي، وأدوات التشريح والموازين والمكاييل وأدوات الطحن والطب الشعبي، كما يحتضن المتحف مجموعة من أدوات الفلك والهندسة والكيمياء والأدوات الجراحية والحجامة التي تعكس تقدم العالم الإسلامي في عصوره المزدهرة، كما تضم قاعات المتحف مجموعة من أندر أنواع السجاد الموجود في العالم، والتي تتميز بأسلوب العقدة، وهو صناعة تركية وإيرانية تعكس التقدم الكبير للحضارة والفنون الإسلامية.
English
Français
Deutsch
Español