تفاؤل حذر ببداية انفراج أزمة الغذاء العالمية مع مغادرة سفن الحبوب الموانئ الأوكرانية
أنقرة في 10 أغسطس /قنا/ بينما لا تزال الحرب الروسية - الأوكرانية تطغى بكل ثقلها ومصالحها المتشابكة على الأجندة العالمية، تواصل السفن المحملة بالحبوب رحلتها إلى سواحل مدينة إسطنبول في البحر الأسود، قادمة من موانئ أوكرانية.
ويأتي وصول سفن الحبوب إلى إسطنبول، بعد أن توسطت تركيا والأمم المتحدة في اتفاق لتصدير الحبوب والأسمدة بين موسكو وكييف الشهر الماضي، في اختراق دبلوماسي نادر في خضم حرب استنزاف طويلة الأمد بين أوكرانيا وروسيا.
ويرى الخبراء أن هذه الاتفاقية سيكون لها تأثير سريع في تخفيف أزمة الغذاء العالمية وخفض أسعار العديد من المواد الغذائية أبرزها الزيوت، والتي شهدت ارتفاعا كبيرا في الأشهر الأخيرة، ما سيجنب العالم أزمة غذاء كبرى ومشكلة إنسانية، إذ ساهمت الحرب بنصيب وافر في ارتفاع أسعار الغذاء، وفي شح المواد الغذائية في البلدان الأكثر فقرا.
ومن هذه الزاوية العريضة، يمكن القول إن التنفيذ الناجح له قد يؤدي إلى إنشاء بورصة دولية للحبوب في إسطنبول لتحديد أسعار الحبوب عالميا، وهو المكسب الأكبر الذي تعول عليه تركيا من هذا الاتفاق.
وشهدت أسعار الغذاء في العالم ارتفاعا كبيرا منذ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أحد أكبر مصدري الحبوب، وطالت هذه الأزمة خصوصا الدول الأشد فقرا حيث تعد أوكرانيا من بين أكبر مصدري القمح وغيره من الحبوب في العالم.
وكان أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قد عبر عن أمله في أن يفتح تطبيق اتفاق إسطنبول بخصوص الحبوب، الطريق أمام مزيد من شحنات الحبوب في الأيام والشهور المقبلة، وأن تشكل انفراجة حقيقية في أزمة غذاء تلقي بظلالها على بلدان مستوردة للمحاصيل الأوكرانية ومنها بلدان عربية عديدة.
وشعرت بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالفعل بآثار أزمة الحبوب بشكل بارز بسبب قربها من البحر الأسود.
يذكر أن صادرات الحبوب الأوكرانية التي استؤنفت تعتبر أساسية للأمن الغذائي العالمي، والدول العربية المستوردة للقمح هي من بين الأكثر تضررا من تداعيات الحرب على أسعار المواد الغذائية التي تأخذ منحى تصاعديا.
وفي الوقت الذي تستورد الدول العربية أكثر من 60 بالمئة من احتياجاتها للحبوب من روسيا وأوكرانيا، يعتبر اليمن أول بلد عربي مهدد بتأزم وضعه الغذائي بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.
وتأتي مصر في مقدمة المستوردين، إذ تستورد 70 بالمئة مما تحتاجه من القمح من كل من روسيا وأوكرانيا، وكذا الجزائر التي تعد ثاني أكبر مستورد للقمح في أفريقيا بعد مصر وسادس أكبر مستورد للحبوب في العالم.
وتبلغ واردات الجزائر السنوية من الحبوب بما فيها القمح بنوعيه نحو 7 ملايين طن بفاتورة تفوق ملياري دولار سنويا، كما تعتمد تونس بشكل كبير على القمح الأوكراني الذي يشكل نحو نصف 48 بالمئة من وارداتها الإجمالية من القمح.
أما المغرب فيستورد ثلث حاجياته من القمح من روسيا وأوكرانيا، وإجمالا، تستأثر الدول العربية بأكثر من 38 بالمئة من القمح الأوكراني الموجه للتصدير.
ويقول السيد سعيد إكان الخبير الاقتصادي التركي في تصريح لوكالة الأنباء القطرية قنا، إن الحرب الروسية الأوكرانية أدت دورا بارزا في الضغط على اقتصاديات الدول النامية خصوصا في شمال إفريقيا، نظرا للدور المحوري لروسيا وأوكرانيا في إمدادات الطاقة والمساهمة الكبيرة لكلا البلدين في الصادرات الزراعية العالمية، خصوصا أن 60 بالمئة من زيت عباد الشمس يأتي من أوكرانيا وروسيا، و25 بالمئة من القمح و15 بالمئة من الذرة والأسمدة سلع أساسية.
وأضاف: "الحرب الروسية الأوكرانية ضغطت على أسواق السلع ما أدى إلى زيادات حادة في أسعار السلع، لأنهما مصدران رئيسيان للعديد من السلع الأساسية، كما تضررت أسواق الطاقة بشدة، نظرا للدور المحوري لروسيا في إمدادات الطاقة العالم".
وتعتبر البلدان ذات الدخل المنخفض الأكثر تضررا من ارتفاع أسعار الحبوب، وذلك لعدة أسباب أبرزها يتعلق بالأنظمة الغذائية لهذه البلدان التي تعتمد بشكل أكبر على الكربوهيدرات، والآخر لكون الغذاء يشكل نسبة كبيرة من الميزانيات الإجمالية، إذ يستحوذ الغذاء على نحو نصف ميزانيات الأسر في كثير من البلدان منخفضة الدخل، بينما تراوح نسبته في الولايات المتحدة، بين 7 و10 في المئة.
وتطمح أوكرانيا بتصدير 3.5 مليون طن من الحبوب بصدارة الذرة والقمح إلى السوق العالمية خلال الفترة المقبلة، مع بدء موسم الحصاد الصيفي في البلاد.
ولكن تشهد زراعة الحبوب عالميا وخاصة القمح، مجموعة من المخاطر طويلة الأمد، والتي قد تؤثر سلبا على سوق الحبوب العالمية، وستدفع بها صعودا، حتى مع فرضية انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية.
يشار إلى أن روسيا، أكبر مصدر للقمح عالميا بمتوسط سنوي 44 مليون طن، بينما تأتي أوكرانيا في المرتبة الخامسة في تصدير القمح بمتوسط سنوي يتجاوز 18 مليون طن.
وتراجعت أسعار القمح عالميا من متوسط 550 دولارا للطن في مايو الماضي، إلى متوسط 300 دولار حاليا، وهي الأسعار تقريبا عشية الحرب في شرق أوروبا.
وأخيرا.. في حال نجاح الاتفاق الموقع في إسطنبول وتطبيقه دون أي مشاكل، من المقرر أن تتدفق تلك الكميات وربما أكثر على أسواق العالم المتعطشة للحبوب، ومنها أسواق عربية وإفريقية وآسيوية مثل مصر وتونس والجزائر والمغرب والأردن واليمن والسودان وليبيا وتركيا وسريلانكا وإندونيسيا وغيرها من الدول المستوردة للقمح.
English
Français
Deutsch
Español