مع تفاقم أزمة الغذاء بالعالم.. مصر تسرع خطواتها لتحقيق الأمن الغذائي
القاهرة في 12 يونيو /قنا/ مع تفاقم أزمة الغذاء حول العالم بعد الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، تبنت مصر عدة إجراءات سريعة لتفادي الآثار السلبية لتلك الحرب وتحقيق الأمن الغذائي لأكثر من مائة مليون نسمة من مواطنيها، كونها أكبر مستورد للقمح في العالم، وذلك بسبب اعتمادها على استيراد هذا المحصول الاستراتيجي من هاتين الدولتين بنسبة بلغت 80 بالمائة خلال عام 2021، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري الصادرة في 25 فبراير الماضي.
فمع اندلاع الحرب في أوكرانيا في 24 فبراير الماضي، شرعت مصر في تنفيذ خطة استراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية قائمة على ركيزتين أساسيتين هما: تسريع إطلاق مشروعات قومية للإنتاج الزراعي والحيواني، والبحث عن بدائل لاستيراد السلع الغذائية الاستراتيجية، لاسيما القمح، سواء من خلال زيادة الإنتاج المحلي أو الاستيراد من بلدان بديلة لروسيا وأوكرانيا.
وفي هذا الإطار، توسعت مصر في الاعتماد على مشروعاتها المحلية للإنتاج الزراعي والحيواني، والتي كان آخرها مشروع "مستقبل مصر" للإنتاج الزراعي الذي افتتح في 21 مايو الماضي، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض، من خلال المساحة المستهدف استصلاحها والتي تبلغ مليون وخمسين ألف فدان من إجمالي مساحة الدلتا الجديدة 2.2 مليون فدان.
ويمنح هذا المشروع أولوية خاصة لمحصول القمح الذي يستحوذ على حوالي 40 ألف فدان منه، حيث من المستهدف ، زراعة حوالي 350 ألف فدان من القمح خلال السنة القادمة، لتغطية الأزمة العالمية بما يقارب حوالي مليون طن من القمح، وفقا لما أعلن في 25 مايو الماضي.
ولتحقيق استراتيجية الأمن الغذائي في مصر، كشف السيد محمد القصير وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، في كلمته خلال افتتاح مشروع "مستقبل مصر"، عن تبني مصر ستة محاور رئيسية في هذا الشأن، تتمثل في التوسع الأفقي من خلال إضافة أراض جديدة في ضوء الموارد المتاحة، والتوسع الرأسي من خلال استنباط أصناف عالية الإنتاجية وتطبيق ممارسات زراعية حديثة والتوسع في الزراعات المحمية، وزيادة تنافسية الصادرات الزراعية، ،إلى جانب تدعيم الصحة النباتية والحيوانية، ودعم القطاع الزراعي بزيادة الاستثمارات الموجهة له، فضلا عن تدعيم أنشطة الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، وتغيير الأنماط الاستهلاكية كإحدى الآليات لتخفيف الضغوط على الموارد.
وأشار إلى أن أهم مشروعات التوسع الأفقي تتمثل في مشروع الدلتا الجديدة العملاق بمساحة 2.2 مليون فدان، ومشروع تنمية جنوب الوادي "توشكى الخير" بمساحة 1.1 مليون فدان، ومشروع تنمية شمال ووسط سيناء بمساحة 456 ألف فدان، ومشروع تنمية الريف المصري الجديد بمساحة 1.5 مليون فدان، بالإضافة إلى مشروعات أخرى ببعض محافظات الصعيد والوادي الجديد بمساحة 650 ألف فدان.
وفي هذا السياق، كثفت مصر تحركاتها لضمان توفير القمح والسلع الاستراتيجية، حيث أعلن عن إجراءات للتوسع في زراعة القمح، لتصل إلى مليوني فدان خلال العامين المقبلين، مع التوسع في تجهيز صوامع لتخزين القمح لزيادة مخزونها لفترة مستقبلية لا تقل عن 6 أشهر، مع تحديد حافز التوريد الإضافي لسعر أردب القمح المحلي للموسم الزراعي الحالي، لتشجيع المزارعين على توريد أكبر كمية ممكنة من القمح، إلى جانب العمل على تنويع مصادر توفير القمح والسلع الاستراتيجية.
وحول نتائج هذه الإجراءات، يقول السيد عبد الغفار السلاموني، نائب رئيس غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات المصرية، لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن مصر، نجحت في احتواء أزمة نقص الحبوب الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، من خلال تعدد مصادر استيراد القمح من 14 إلى 16 مصدرا دوليا وفقا للشروط وسلامة صحة الغذاء ومطابقة المواصفات المصرية، لافتا إلى أن إنتاج القمح المحلي للعام الحالي وصل حتى الآن إلى نحو 3.6 مليون طن، ومن المستهدف الوصول إلى 6 ملايين طن.
وأشار إلى أن مصر تستهلك نحو 15 مليون طن سنويا من القمح، وأنه تفاديا لأي أزمة فإن الحكومة وضعت خططا لزراعة 4 ملايين فدان قمح العام المقبل، للاقتراب من تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح المستهلك، موضحا أن هناك خططا بزيادة سعة التخزين وتوسعة إنشاء الصوامع بمواصفات قياسية عالية المستوى في غالبية المحافظات.
وقال إن مصر تستورد القمح حاليا من دول عديدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وبلغاريا، وبولندا، وأستراليا، وكازاخستان، مما يعني أن هناك تنوعا في مصادر الاستيراد، مشيرا إلى أن هناك تفاهما وتعاونا كبيرا بين كافة الوزارات المعنية فيما يخص مجال الغذاء وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مصر.
وحول جدوى تنويع مصادر استيراد القمح، وتعزيز الإنتاج المحلي من هذا المحصول الاستراتيجي، يقول الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة، والخبير الاستراتيجي بالجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، لـ"قنا"، إن القرارات التي اتخذتها الحكومة المصرية كانت لها تأثيرات إيجابية للحد من أزمة نقص الحبوب بعد الحرب في أوكرانيا، ومن بينها قرار الحكومة في مارس الماضي بإلزام المزارعين بتوريد القمح مع منحهم حوافز لذلك، وهو ما أثمر عن استلام نحو 3.6 مليون طن مؤخرا من القمح من المزارعين.
ولفت إلى أن المستهدف هو الوصول إلى ستة ملايين طن من القمح المحلي هذا العام، لتكفي هذه الكمية لمدة خمسة أشهر، بما يمكن مصر من الوصول لمسافة قريبة من الاكتفاء الذاتي، مشيرا إلى أن مصر لديها دائما احتياطات تكفيها لمدة ستة أشهر سواء من القمح أو الحبوب، كما لديها اكتفاء ذاتي من الأرز والذرة الصفراء، وزيوت الطعام، فضلا عن الاكتفاء الذاتي من الأسمدة.
وإلى جانب الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية، يرى الدكتور نادر نور الدين أن المشهد العالمي قد يتجه إلى مزيد من التوترات التي قد تؤدي إلى أزمات في أسعار البترول العالمية، وبالتبعية في أسعار القمح، الأمر الذي يتطلب الاهتمام بالزراعة في أراضي "الوفرة" كالسودان والعراق، على ضوء استيراد الدول العربية نحو 65 بالمائة من غذائها بقيمة 100 مليار دولار، إلى جانب ضرورة التوسع في استثمار أراض للزراعة عبر الاستئجار في بلدان كالبرازيل والأرجنتين، دون انتظار التغير في البورصات العالمية، مع الأخذ في الاعتبار ما حدث من أزمات في عامي 2008، 2010.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد فتحي سالم، أستاذ الزراعة الحيوية بجامعة السادات المصرية، لـ"قنا" إن مصر نجحت في التعامل مع الأزمة الحالية عبر حلول واقعية، ساهمت في توفير مخزون استراتيجي من القمح يكفيها حتى نهاية العام الجاري.
ولفت في هذا الصدد إلى أن الحرب في أوكرانيا تزامنت مع موعد حصاد القمح المحلي في مصر بدءا من منتصف شهر أبريل وحتى شهر يونيو الجاري، فضلا عن امتلاك مخزون استراتيجي قبل هذا الحصاد يكفي من ثلاثة إلى أربعة أشهر.
وأضاف أن الكمية المتوفرة من الحصاد ستوفر عامل أمان مهما على الأقل لنهاية سنة 2022، مشيرا إلى أنه مع بداية العام المقبل ستكون هناك حزمة من الحوافز لتشجيع الفلاحين لزراعة القمح، من أجل توفير هذا المحصول الاستراتيجي بهدف الوصول للاكتفاء الذاتي المنشود، بالتزامن مع توفير السلع الاستراتيجية عبر خطط طويلة الأمد تراعي المتغيرات والتوترات على الساحة العالمية.
English
Français
Deutsch
Español