هل تمتلك مدينة ماريوبول مفاتيح الحرب والسلام في أوكرانيا ؟
الدوحة في 26 أبريل /قنا/ مع دخول الحرب في أوكرانيا شهرها الثالث، تتجه أنظار المراقبين والمحللين إلى مدينة ماريوبول الساحلية الاستراتيجية على بحر آزوف بعدما أعلنت روسيا أن قواتها هناك قد انتصرت في أكبر معاركها وسيطرت على المدينة التي شهدت بعض أكثر المعارك ضراوة منذ بدء الحرب بعد أن حاصرتها وعزلتها بالكامل تقريباً عن العالم الخارجي.
ومازال اسم ماريوبول يتصدر تقارير المعارك بأوكرانيا خاصة وأن القوات الأوكرانية التي كانت تقاتل بالمدينة تراجعت وتحصنت بمجمع "آزوفستال" للصلب أحد أكبر مصانع التعدين بأوروبا والعالم، والذي تم تدشينه خلال الحقبة السوفيتية، وهو بمثابة قلعة خرسانية عملاقة تمتد على مساحة نحو 12 كلم بين نهر كالميوس وبحر آزوف.
ويصف خبراء عسكريون المصنع بأنه مدينة تحت الأرض ويقولون إن قصفه من أعلى لن تكون له جدوى، حيث يضم أكثر من 20 كيلومترا من الممرات تحت الأرض، والتي يصل عمقها أحيانا إلى 30 مترا، وهي مؤمّنة بأبواب فولاذية وجدران خرسانية ما يجعل منه حصنا يمكن للقوات المحاصرة بداخله أن تقاوم لفترة طويلة.
وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن قوات بلاده لن تقتحم مجمع "آزوفستال" حفاظا على حياة العسكريين الروس، بينما عرضت موسكو أكثر من مرة على آلاف الجنود الأوكرانيين الذين يتحصنون بداخله الاستسلام وإلقاء السلاح، مع ضمان الحفاظ على أرواحهم ومعاملتهم بطريقة لائقة، لكن أولئك المقاتلين يرفضون الاستسلام ويطالبون بالسماح لهم بالانسحاب مع أسلحتهم وجرحاهم وجثث قتلاهم بوساطة جهة ثالثة.
وتقول مصادر رسمية روسية إن المجموعة الأوكرانية المحاصرة داخل "آزوفستال" تضم عناصر للقوات النظامية الأوكرانية وكتيبة "آزوف" القومية ومرتزقة أجانب، وتقدر عددهم بما يتراوح بين 1500 و2000 شخص، وقد فشلت أمس الإثنين محاولة روسية لوقف إطلاق النار وإخراج المدنيين المحاصرين داخل المجمع والسماح لهم بالرحيل للجهة التي يختارونها، وحملت موسكو كييف مسؤولية فشل هذه المحاولة.
وفي المقابل ترفض كييف إعلان روسيا النصر في ماريوبول، وتقول إن المدينة ما زالت تقاوم، كما رفضت واشنطن إعلان النصر الروسي وقالت إنها تعتقد أن القوات الأوكرانية لا تزال تسيطر على الوضع بالمدينة.
وبعد سبعة أسابيع فقط من اندلاع الحرب الأوكرانية يوم الرابع والعشرين من فبراير الماضي، غيرت روسيا تحركاتها العسكرية بشكل جذري، فبعد جهودها الأولية للاستيلاء على العاصمة الأوكرانية كييف، انسحبت تلك القوات من هناك، وحولت تركيزها إلى شرقي أوكرانيا وجنوبها وخاصة بإقليم الدونباس الذي تبلغ مساحته اثنين وخمسين ألف كيلو متر مربع والذي كان حتى عام 2014، يوصف بـ"سلة الصناعة والغذاء" في أوكرانيا.
كما خسرت روسيا يوم الرابع عشر من أبريل الجاري أحد أقوى قطعها الحربية البحرية وهو الطراد موسكفا "هو السفينة الرئيسية في الأسطول الروسي بالبحر الأسود" والذي غرق جراء انفجار لذخيرته وفق الرواية الروسية الرسمية، في حين قالت أوكرانيا إن "موسكفا"، غرق بعد إصابته بصاروخين أوكرانيين من طراز "نبتون"، واعترفت روسيا بمقتل أحد أفراد طاقم الطراد وفقدان 27 آخرين وإجلاء 396 من أفراد الطاقم المتبقين.
ويقول محللون عسكريون إن روسيا بحاجة عاجلة إلى تحقيق نصر ما، وقد تكون ماريوبول ذلك النصر الرمزي الذي تتطلع إليه لتقديمه والتلويح به في يوم الاحتفال بعيد النصر على النازية في الحرب العالمية الثانية، والعرض العسكري الذي تنظمه بهذه المناسبة في موسكو يوم التاسع من مايو المقبل، فالسيطرة على المدينة تمنح موسكو أول انتصار كبير لها في
وتقع ماريوبول بين مناطق يسيطر عليها انفصاليون مدعومون من روسيا والقرم وهي عاشر المدن الأوكرانية من حيث المساحة، ويتجاوز تعداد سكانها 475 ألف نسمة ينقسمون بالتساوي تقريبا بين المتحدثين بالروسية والمتحدثين بالأوكرانية.
وتكتسب المدينة أهمية إستراتيجية بموقعها الجغرافي الذي يبعد نحو 55 كيلومترا فقط عن الحدود الروسية، كما أن لها أهمية إستراتيجية بالنسبة لموسكو التي تسعى منذ 2014، لخلق طريق بري يربط أراضيها بشبه جزيرة القرم، الأمر الذي تحقق فعلا بعد أن سيطرت قواتها على شريط ساحلي بمنطقتي زاباروجيا وخيرسون المجاورة في الغرب.
كما تمنح ماريوبول موسكو موطئ قدم استراتيجي على بحر آزوف يمكن من خلاله التقدم شمالاً في محاولة للربط مع القوات الروسية الآتية من خاركيف ومع القوات المتقدمة من شبه جزيرة القرم، فضلا عن التحرك غربا نحو أوديسا، منفذ أوكرانيا الوحيد المتبقي على البحر الأسود.
ويرى المحللون أن نجاح الروس في السيطرة على ماريوبول، سيعني سيطرتهم على أكثر من ثمانين بالمائة من الساحل الأوكراني على البحر الأسود، وهو ما يمكنهم من قطع نشاط أوكرانيا التجاري البحري، وبالتالي زيادة عزلها عن العالم الخارجي.
وتعد ماريوبول نافذة أوكرانيا الأبرز على بحر آزوف، وخسارتها تعني تحول ذلك البحر إلى بحيرة روسية، كما يعني خسارة أربعين بالمائة من صناعة التعدين في أوكرانيا لصالح روسيا، فهي مصدر رئيسي لاستخراج وتصدير الحديد والفولاذ.
وهناك عامل معنوي آخر يزيد من أهمية السيطرة على ماريوبول فالمدينة موطن لقوات قومية أوكرانية تطلق على نفسها اسم كتيبة آزوف وتضم متطرفين يمينيين بينهم نازيون جدد.
ووفق المحللين فإن نجاح القوات الروسية في اعتقال وأسر عدد كبير من أفراد هذه الكتيبة المحاصرين حاليا بمجمع آزوفستال للصلب وعرضهم أمام وسائل الإعلام سيخدم وجهة النظر الروسية بشأن الحرب والقائلة بأنها تسعى لما تصفه بتطهير الجار الأوكراني من النازيين الجدد.
في المقابل، ستمثل خسارة ماريوبول ضربة كبيرة بالنسبة للأوكرانيين- ليس عسكريا واقتصاديا فقط، وإنما لكونها أولى المدن الأوكرانية المهمة التي تسقط بأيدي الروس بعد خيرسون - الأقل أهمية من الناحية الاستراتيجية.
ومع استعداد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للتوجه إلى موسكو اليوم ومن ثم كييف، يرى المحللون أن سيطرة روسيا على ماريوبول وما حولها، من شأنها أن تمنح موسكو ورقة مساومة كبيرة في محادثات السلام مع الجانب الأوكراني، لكن من الواضح أن فرص محادثات السلام تتضاءل يوما بعد آخر، وترجح التوقعات استمرار الحرب لفترة طويلة، وتواصل أوكرانيا التي حصلت من الغرب على شحنات كبيرة من الأسلحة خلال الأيام الأخيرة، التأكيد على قدرتها على إخراج القوات الروسية من أراضيها، كما أعلن رئيسها فولوديمير زيلينسكي أن بلاده ستنسحب من المفاوضات مع موسكو في حال عمد الجيش الروسي لاقتحام مجمع "آزوفستال" وإذا أجريت استفتاءات بالمناطق التي سيطرت عليها القوات الروسية.
وفيما يتبادل الطرفان الاتهامات بإطالة أمد المفاوضات رغبة في كسب الوقت، يقول المحللون إن القوات الروسية تحاول رسم حدود جديدة لأوكرانيا ويتساءلون عن مصير مفاوضات السلام بين الدولتين وعما إذا كانت القوات الأوكرانية قادرة على قلب مسار الحرب وإعادة عقارب الساعة للوراء، وهي تساؤلات ستجيب عليها تطورات الحرب ومستجداتها في الفترة المقبلة.
English
Français
Deutsch
Español