اتفاقية دولية للتنوع البيولوجي .. معاهدة السلام مع الطبيعة
الدوحة في 21 ديسمبر /قنا/ يعد التنوع البيولوجي الأساس الذي يدعم جميع أشكال الحياة على الأرض وتحت سطح الماء، فهو يؤثر على كل جانب من جوانب صحة الإنسان، ويوفر الهواء النقي والمياه، والأغذية المفيدة، ومصادر الأدوية، ومقاومة الأمراض الطبيعية، والتخفيف من وطأة تغير المناخ، ولذا فإن تغيير عنصر واحد من هذه الشبكة أو إزالته يؤثر على نظام الحياة بأكمله، ويمكن أن يؤدي إلى عواقب سلبية، فبدون الطبيعة لن تكون الحياة على الأرض ممكنة.
إن التغيرات المناخية والظواهر الجوية الشديدة وأطماع المشاريع البشرية الصناعية، فضلا عن ظهور جائحة كورونا"كوفيد-19"، قد ألقت ظلالا قاتمة وأنشأت ظروفا مواتية لاختلال التوازن الدقيق للطبيعة والتعدي على الحياة البرية، وانتشار الفيروسات بين الحيوانات والبشر، بما مهد لعوامل جديدة ساهمت بتراجع التنوع البيولوجي، واحتمال التسبب بتدمير نسبة كبيرة من عوامل الوقاية للحياة البشرية.
وهذا ما دفع دول العالم للتكاتف والسعي إلى اتفاق تاريخي تم إقراره يوم الإثنين الـ19 من ديسمبر في مدينة مونتريال الكندية، لوقف تدهور التنوع البيولوجي وموارده التي لا غنى عنها للبشرية، مع التأكيد على أهمية الجهود المبذولة للحد من إزالة الغابات، ووقف ممارسات الصيد غير المستدامة، والانتقال إلى نظم الإنتاج الغذائي المستدامة.
اتفاق نضج على سخونة مفاوضات صعبة امتدت أكثر من أربع سنوات، بجانب عشرة أيام من انعقاد المؤتمر، تم وضع لبناته الأخيرة خلال ليلة دبلوماسية شاقة، انتهت بتوصل أكثر من 190 دولة إلى اتفاق برعاية الصين رئيسة مؤتمر الأطراف "كوب15"، بالرغم من معارضة جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي طالبت بتخصيص مبالغ إضافية للدول ذات البنية الاقتصادية الضعيفة.
وترمي "معاهدة السلام مع الطبيعة" المعروفة رسميا باسم "اتفاق كونمينغ-مونتريال" إلى حماية الأراضي والمحيطات وأصناف من الحيوانات والنباتات من التلوث والتدهور الطبيعي والأزمة المناخية، وشملت خارطة طريق تضم، في جملة أهدافها، حماية 30 بالمئة من الكوكب بحلول 2030 وتخصيص 30 مليار دولار من المساعدات السنوية للبلدان النامية في جهودها لصيانة الطبيعة.
وقد وضعت هذه الخارطة أمام عينيها حجم التغييرات التي تسببت بها الأنشطة البشرية بشكل كبير تجاه ثلاثة أرباع سطح الأرض وثلثي مساحة المحيط، فبين عامي 2010 و2015 وحده، اختفى 32 مليون هكتار من الغابات؛ وفي الـ 150 سنة الماضية، تم تخفيض غطاء الشعاب المرجانية الحية بمقدار النصف، ناهيك عن ذوبان الثلج الجليدي في السنوات الأخيرة بمعدلات عالية، بينما يزداد تحمض المحيطات، مما يهدد إنتاجيتها والحياة البحرية القابعة في أعماقها.
وتشير الأرقام إلى أن واحدا من كل أربعة أنواع معروفة من على كوكب الأرض، سيمحى خلال السنوات العشر القادمة، وأن 75 بالمئة من النظم الإيكولوجية العالمية قد تأثرت بفعل الأنشطة البشرية، مما يهدد أكثر من مليون صنف بالانقراض، فأكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي على الصعيد العالمي يعتمد على الطبيعة وخدماتها. بالإضافة إلى أن الخطة العشرية السابقة المبرمة في اليابان لم تحقق أيا من أهدافها تقريبا، بسبب غياب آليات تطبيق فعلية.
وعليه كان الاتفاق خطوة تاريخية، بالنظر إلى أن كثيرا من أنواع الحياة قد انقرضت فعلا أو هي على وشك الانقراض، إذا ما واصلت الدول الكبرى سلوك نفس المسار الحالي، إذ أن فقدان التنوع البيولوجي ستكون له آثار خطيرة على البشرية، بما في ذلك انهيار أنظمة الغذاء والصحة.
وإذا علم أن المناطق المحمية في البر تعد راهنا 17 بالمئة من الأراضي، و8 بالمئة من البحار، فقد اعتبر القائمون على المؤتمر الدولي اعتماد القرار بزيادة المواقع المحمية على 30 بالمئة من مساحة الكوكب، ضمن إجراءاته العشرين، على أنه يضاهي بأهميته في مجال التنوع البيولوجي، ما اعتمده اتفاق باريس عام 2015 من حصر الاحتباس الحراري المناخي بـ 1,5 درجة مئوية.
وأوصت الوثيقة الدولية الموقعة بترميم 30 بالمئة من الأراضي التي تأثرت، والحد من المخاطر المرتبطة بمبيدات الآفات إلى النصف، إضافة إلى إرساء ضمانات للسكان الأصليين الذين هم أوصياء على 80 بالمئة من التنوع البيولوجي المتبقي على الأرض، تتضمن وصول المساعدة الدولية السنوية المخصصة للتنوع البيولوجي إلى 20 مليار دولار على الأقل بحلول 2025 و30 مليار دولار على الأقل بحلول 2030، في مسعى لحل الخلاف بشأن التخصيصات المالية التي تعترض عليها دول الجنوب.
وتشير منظمة "كامباين فور نايتشر" غير الحكومية إلى أن حيوانات كانت مهددة بالانقراض مثل الأيائل وسلاحف البحر والببغاوات وحيوانات وحيد القرن والعائلات النباتية مثل السرخسيات، هي من بين ملايين الأصناف التي ستتحسن آفاقها المستقبلية تحسنا كبيرا بفضل هذا الاتفاق.
ورغم الإشادة من قبل هوانغ رونتشيو الرئيس الصيني للمؤتمر، وستيفن غيلبو وزير البيئة في كندا التي استضافت المؤتمر، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، الذين بما سموه "النتيجة التاريخية" لهذا الاتفاق الذي يكمل اتفاق باريس المناخي، بجانب ترحيب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالاتفاق، غير أن المحادثات كادت تتعثر بسبب مسألة التمويل التي بقيت في قلب النقاشات حتى الجلسة العامة الأخيرة التي أجريت ليلة الاتفاق بعد ساعات من المداولات التي لم تكن كافية لرد اعتراضات جمهورية الكونغو الديمقراطية.
إذ طلبت الأخيرة من البلدان الغنية 100 مليار دولار في السنة، وهو مبلغ أكبر بكثير من مخصصات المساعدة الدولية الموجهة حاليا إلى التنوع البيولوجي، كما ناشدت بلدان الجنوب بشدة أيضا بإنشاء صندوق عالمي للتنوع البيولوجي، على غرار الاتفاق السابق في نوفمبر الماضي لمساعدتها على مواجهة الأضرار المناخية، لكن الصين بحكم رئاستها للمؤتمر ومساهماتها الدولية توصلت إلى مساومة في هذا الشأن، تقوم على إنشاء فرع مخصص للتنوع البيولوجي في كنف الصندوق العالمي للبيئة، وذلك اعتبارا من 2023.
لقد كانت أزمة كورونا /كوفيد-19/ بمثابة جرس الإنذار لإصلاح العلاقة المتدهورة مع الطبيعة وأعادت التأكيد على أن التنوع البيولوجي أمر أساسي لصحة الإنسان وحيوي للتنمية المستدامة، وجاءت "قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي وتعهد القادة لأجل الطبيعة" في سبتمبر من عام 2021 ، وكذلك "قمة كوكب واحد" في يناير 2022 ، تحديا لإظهار الإرادة والالتزامات السياسية المتجددة بشأن التنوع البيولوجي من أجل التنمية المستدامة، وتم على إثرها إطلاق مبادرة PREZODE، المبادرة العالمية الأولى، للمساعدة في منع الجائحة التالية من خلال البحث التعاوني وتقليل الضغوط على التنوع البيولوجي، للحد من الصدمات المستقبلية وبناء المرونة المجتمعية، وترمي إلى تركيز التعافي بعد الجائحة على الرفاه والشمولية، وإحداث تغييرات في الاستثمار والسلوك الاقتصادي.
وتتسق مع هذه الالتزامات حاجة البشرية للحلول القائمة على الطبيعة، التي حددها الاتحاد العالمي للحفاظ على البيئة "IUCN" باعتبارها إجراءات لازمة لحماية وإدارة واستعادة النظم البيئية الطبيعية أو المعدلة، وليس فقط تقليل انبعاثات غازات الدفيئة وعزل المزيد من الكربون، فالإجراءات المتكاملة الجماعية تساهم في بناء القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ. كما أنها توفر تنقية المياه، وتخفيف الفيضانات، والحد من مخاطر الكوارث مع تحسين صحة التربة والتنوع البيولوجي.
فالدراسات العلمية تقول إن هذه الحلول القائمة على الطبيعة، لديها القدرة على انتشال مليار شخص من الفقر، وخلق أكثر من 70 مليون وظيفة، وإضافة 2.3 تريليون دولار في النمو الإنتاجي للاقتصاد العالمي، والموازنة بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وأن تقدم فوائد فورية وفعالة من حيث التكلفة على المدى الطويل، للتخفيف من تغير المناخ والتكيف مع آثاره التي لا مفر منها، وبغير هذه الإجراءات، لا يمكن أن تكون هناك تنمية مستدامة.
علاوة على ذلك، سلطت الطبعة الخامسة التي صدرت مؤخرا من تقرير التوقعات العالمية للتنوع البيولوجي "GBO-5" الضوء على ثلاثة دروس رئيسية مستفادة، من شأنها أن تساعد في إثراء الإجراءات والتحولات التي يحتاج إلى اتخاذها الآن، فعلى سبيل المثال، شهد معدل إزالة الغابات انخفاضا بنسبة 30 في المئة، مع تحقيق مكاسب صافية في مناطق الغابات والنظم الإيكولوجية الطبيعية الأخرى، ووصل المستوى المتفق عليه لحماية البر والبحر من 10 إلى 15 في المئة للمناطق البرية، و3 إلى 7 في المئة للمناطق البحرية، فضلا عن إحراز تقدم جيد فيما يتعلق بالأنواع الغازية، إذ يعتقد أن عدد حالات الانقراض في الأصناف الحياتية قد انخفض بمقدار ضعفين إلى أربعة أضعاف.
ويحدد الإطار العالمي للتنوع البيولوجي لما بعد عام 2020، الذي كان في صلب مفاوضات مؤتمر مونتريال الذي تم إقراره، خمسة أهداف طويلة المدى تتعلق برؤية 2050 للعيش في وئام مع الطبيعة. إذ يقترح الإطار منع فقدان المناطق المحمية من أجل الطبيعة وزيادتها بشكل كبير على المدى الطويل لضمان مرونة النظام البيئي وتحسين التغذية العالمية والحصول على مياه الشرب، فضلا عن تطوير القدرة على الصمود في مواجهة الكوارث الطبيعية ودعم الجهود المبذولة لتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ، آخذين بالاعتبار أن كثيرا من المصاعب ما زالت على المحك، ففي عام 2010، استمد حوالي 2.6 مليار شخص سبل عيشهم إما جزئيا أو كليا من الزراعة، و1.6 مليار من الغابات و250 مليونا من مصايد الأسماك.
هذه الأهداف كلها جزء لا يتجزأ من تحقيق أهداف التنمية المستدامة "SDGs" التي يمكن أن تلعب دورا مهما في بناء القدرة على الصمود واتباع سبل متكاملة وشاملة للتخطيط والتنفيذ، وزيادة التفاعل بين الوزارات الحكومية والقطاعات الاقتصادية والمجتمع، ووضع أهداف وغايات تخضع لمؤشرات قابلة للقياس، وزيادة دور الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، والقطاع المالي وجميع أصحاب المصلحة الآخرين، واتباع نهج "الصحة الواحدة" الذي يدعو إلى إدارة النظم الإيكولوجية، بما في ذلك النظم الزراعية والحضرية والحياة البرية.
English
Français
Deutsch
Español