أزمة الطاقة في بريطانيا تأخذ منحى جديدا مع القفزات الكبيرة التي شهدتها أسعار الطاقة
لندن في 12 ديسمبر /قنا/ أخذت أزمة الطاقة في بريطانيا منحى جديدا خلال الأيام القليلة الماضية مع القفزات الكبيرة التي شهدتها أسعار الطاقة، في وقت تواصل فيه درجات الحرارة الانخفاض إلى ما دون الصفر، ما يدفع المستهلكين لزيادة استهلاكهم لأغراض التدفئة.
وبلغت أسعار الطاقة مستوى قياسيا لامس حدود الـ675 جنيه إسترليني لكل ميجاوات في الساعة في بورصة الكهرباء الأوروبية للبيع الفوري "إبيكس سبوت إس إي"، وذلك في ظل بلوغ استهلاك الكهرباء ذروته اليوم عند 46695 ميجاوات، مرتفعا من ذروة بلغت 42930 ميجاوات التي بلغها أمس الأحد، وفقا لبيانات شركة الشبكة الوطنية البريطانية.
وتفاقمت أزمة أسعار الطاقة في الأيام القليلة الماضية بفعل انخفاض درجات الحرارة وتسببها في تراجع سرعة الرياح، ما أدى إلى نقص في توليد طاقة الرياح التي تشكل أحد مصادر الطاقة الرئيسية في البلاد، ما انعكس بدوره سلبا على حدوث أزمة في الإمدادات. فبيانات الشبكة الوطنية للكهرباء أظهرت انخفاض نسبة الطاقة المولدة من الرياح إلى 3 بالمئة فقط من إجمالي الطاقة المولدة في البلاد، وذلك بعد أن كانت هذه النسبة قد بلغت نحو 50 بالمئة في بعض الأيام الشهر الماضي، فيما ارتفعت نسبة الطاقة المولدة من محطات الطاقة التي تعمل بالغاز إلى 59 بالمئة، ومثلت نسبة الطاقة المولدة من المحطات النووية والكهرباء المستوردة من الخارج نحو 15 بالمئة.
ومع زيادة أسعار الطاقة عالميا جراء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا والحظر الغربي على النفط والغاز الروسيين، شكلت الطاقة المولدة من الرياح طوق نجاة لبريطانيا، ذلك أنها باتت أرخص بنحو تسع مرات من سعر واردات الغاز الطبيعي. إلا أن موجة الطقس البارد التي تضرب بريطانيا حاليا حرمت البلاد من طوق النجاة هذه لتضاعف الأعباء على الحكومة والمواطنين في آن واحد، وهو الأمر الذي أظهر هشاشة حل اللجوء لمصادر الطاقة البديلة في بريطانيا مع كل موجة برد شديد تجتاح البلاد.
وقال خافيير بلاز خبير الطاقة، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن "أسعار الطاقة لليوم التالي ارتفعت لمستويات قياسية في ظل الطقس البارد وتراجع إنتاج طاقة الرياح، وهو الأمر الذي رفع الطلب على الكهرباء بشكل كبير".
وأضاف بلاز في تصريحه لـ"قنا" أن "الوضع سيتحسن تدريجيا مع نهاية يوم الإثنين في ظل توقعات الأرصاد الجوية بزيادة سرعة الرياح مرة أخرى، إلا أن الطلب على الطاقة سيبقى مرتفعا في ظل استمرار انخفاض درجات الحرارة لمستوى أقل من المعتاد خلال هذا التوقيت من السنة".
وكانت درجات الحرارة تراجعت أمس الأحد في جنوب شرقي وشرقي بريطانيا إلى خمس درجات تحت الصفر، فيما تراجعت إلى نحو 13 درجة تحت الصفر شمالي اسكتلندا، وهي مستويات غير مسبوقة خلال هذا التوقيت من العام.
وأصدر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني تحذيرات صفراء اللون بشأن الثلوج والجليد في جميع أنحاء البلاد حتى الخميس المقبل. لكن السيناريو الأسوأ ربما لم يأت بعد، فشهر فبراير عادة ما يمثل ذروة الطقس البارد في بريطانيا، ويشهد عادة انخفاض درجات الحرارة إلى مستوى ما دون الصفر لفترات أطول، ما ينذر بتجدد أزمة نقص الإمدادات.
ودفعت أزمة ارتفاع أسعار الطاقة الحالية إلى إعلان الشبكة الوطنية إلى وضع محطتي طاقة تعملان بالفحم في وضع الاستعداد في حال الحاجة لتشغيلهما مع استمرار موجة الطقس البارد، وهو الأمر الذي يعد تراجعا عن التزام الحكومة البريطانية بإنهاء اعتمادها على الفحم من أجل بلوغ أهدافها بخفض الانبعاثات الكربونية.
ويبدو أن موجة الطقس البارد التي تضرب أجزاء أخرى من أوروبا ستلقي بظلالها على أزمة الطاقة في بريطانيا. فقد أعلنت شركة الكهرباء الفرنسية "آر تي إي" اليوم عن طلب مساعدة عاجلة من شبكة الكهرباء الوطنية البريطانية عن طريق خفض حجم ما تستورده منها الشركة البريطانية من كهرباء إلى النصف صباح اليوم، لمواجهة الزيادة الكبيرة في الطلب على الكهرباء في فرنسا جراء موجة البرد الشديد وإضراب عمال محطات الطاقة النووية في فرنسا.
وتكمن أهمية الغاز المسال الوارد إلى بريطانيا في أنه بات يلبي ما نسبته 17 بالمئة من احتياجات بريطانيا من الغاز الطبيعي، في ظل توقعات بزيادة هذه النسبة مع تضاؤل إنتاج الغاز من بحر الشمال.
وأعلنت الحكومة البريطانية الأسبوع الماضي عن اتفاقية مع الولايات المتحدة لمضاعفة واردات الغاز الأمريكي المسال على مدار العام المقبل في مسعى منها "لخفض أسعار الطاقة للمستهلكين البريطانيين وإنهاء اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية"، وفقا لما قاله ريشي سوناك رئيس الوزراء البريطاني.
وتسعى الاتفاقية للوصول بواردات الغاز المسال الأمريكي إلى ما يقرب من 10 ملايين متر مكعب، وهو ما يمثل نحو ثمن حجم احتياجات بريطانيا من الغاز.
وتأتي زيادة أسعار الطاقة لتمثل مزيدا من الضغط على الحكومة البريطانية التي تكفلت بوضع حد أقصى لأسعار الغاز والكهرباء لجميع المستهلكين، سواء أصحاب المنازل أو الشركات، حتى شهر أبريل المقبل. فقد قامت الحكومة بتجميد أسعار فواتير الغاز والكهرباء للمستهلكين بحد أقصى 2500 جنيه سنويا لحماية المواطنين من الزيادة غير المسبوقة في أسعار الطاقة، فيما ستقوم الحكومة بتعويض خسائر شركات الطاقة وفقا لخطة ستكلف الخزانة العامة نحو 150 مليار جنيه استرليني.
وجاء ارتفاع أسعار الطاقة خلال الأيام القليلة الماضية كجرس إنذار قوي للحكومة قبل الدخول في أشهر الشتاء. فالبلاد تمر فعليا بأزمة ارتفاع كبير في أسعار الكهرباء والغاز منذ عدة أشهر جراء ارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، ما دعا الشبكة الوطنية لتحذير المستهلكين في شهر نوفمبر الماضي من أن البلاد قد تواجه انقطاعات مخططة للتيار الكهربائي لمدة ثلاث ساعات عن المنازل والشركات خلال فصل الشتاء، وذلك في حال عدم استيراد الكهرباء من الدول الأوروبية المجاورة.
في المقابل يواصل المسؤولون الحكوميون في بريطانيا التأكيد على أن الحكومة قادرة على تأمين إمدادات الكهرباء في البلاد خلال فصل الشتاء، حيث إن البلاد تمتلك نظام طاقة آمنا ومتنوعا وخططا لحماية المنازل والشركات في جميع السيناريوهات المحتملة، فضلا عن أن البلاد لديها احتياطيات غاز في بحر الشمال يمكن إضافتها إلى الواردات من شركاء مثل النرويج ومصادر الطاقة النظيفة.
وتشكل واردات بريطانيا من الغاز الروسي أقل من 4 بالمئة من واردات البلاد من الغاز الطبيعي، إلا أن ثمة مخاوف من عدم قدرة بريطانيا على تأمين واردات الكهرباء التي تتلقاها عادة من فرنسا وبلجيكا وهولندا، في ظل التحديات التي تواجهها هذه الدول أيضا لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
English
Français
Deutsch
Español