شبه الجزيرة الكورية.. تصعيد للمناوشات أم بداية حرب؟
الدوحة في 06 نوفمبر /قنا/ بؤرة جديدة من الاضطرابات تتشكل حاليا في شرق آسيا، حيث تشتد المناوشات الحدودية بين الكوريتين، وسط تصعيد قوي في البحر والجو، وفي الوقت الذي تواصل فيه كوريا الشمالية سلسلة إطلاق الصواريخ، والتي كان آخرها إطلاق أربعة صواريخ باليستية قصيرة المدى على البحر الغربي، بما في ذلك تجربة فاشلة على الأرجح لصاروخ باليستي عابر للقارات، بدأت واشنطن وسول وطوكيو تدريبات مشتركة كرد على ما وصفوه بالاستفزازات المستمرة من قبل كوريا الشمالية، وعلى تلك العمليات التي أثارت أيضا تكهنات بأن بيونغ يانغ ربما تستعد لاستئناف التجارب النووية لأول مرة منذ عام 2017.
ووسط هذه الاضطرابات، أعلنت بحرية كوريا الجنوبية عن مشاركة سفينة حربية في استعراض دولي للأسطول الياباني للمرة الأولى منذ سبع سنوات، وسط تصاعد التهديدات النووية والصاروخية من كوريا الشمالية. وكوريا الجنوبية هي إحدى 14 دولة، بما في ذلك اليابان المضيفة والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، تشارك في استعراض خليج ساجامي، قبالة محافظة كاناجاوا، على بعد حوالي 40 كيلومترا جنوب شرق طوكيو.
وشاركت البحرية الكورية الجنوبية في استعراض الأسطول الياباني عامي 2002 و2015، بينما انضمت قوة الدفاع الذاتي البحرية اليابانية إلى استعراض الأسطول الكوري الجنوبي عامي 1998 و2008.. ومنذ عام 2018، عندما تصاعدت التوترات بين سول وطوكيو، بسبب الخلافات التاريخية وغيرها من القضايا، لم يشارك كلا الجانبين في حدث استعراض الأسطول للجانب الآخر.
يأتي ذلك في الوقت الذي أعلنت فيه أيضا القوات الجوية الأمريكية عزمها نشر قاذفات "بي-1 بي" الاستراتيجية أمس السبت في المناورات العسكرية الجارية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وتجري سول وواشنطن تدريبات جوية منذ يوم الاثنين الماضي، ردا على ما وصفتاه بالاستفزازات المستمرة من قبل كوريا الشمالية.
وعلى وقع عمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية، تتمسك الولايات المتحدة بسياسة تمزج بين الضغط وعروض الحوار، لكن أصحاب القرار الأمريكيين يرون أنه ليس بإمكانهم فعل الكثير لجعل بيونغ يانغ تغير مسارها، وحرصا منها على تجنب أزمة عالمية، ركزت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن على هدف أضيق يتمثل في طمأنة الحلفاء بأن الولايات المتحدة ستدافع عنهم.
واليوم.. حذرت كوريا الشمالية من أقوى إجراء مضاد ضد أي محاولة لانتهاك سيادتها، منتقدة كوريا الجنوبية والولايات المتحدة بسبب تدريباتهما الجوية المشتركة. وقالت وزارة الخارجية الكورية الشمالية، في بيان لها: إن بيونغ يانغ حذرت بشكل واضح من أنه إذا لم ترغب الولايات المتحدة في رؤية وضع خطير، يضر بمصالحها الوطنية، يتعين أن تتوقف على الفور عن التدريب الجوي المشترك المستفز "فيجيلانت ستورم" أي العاصفة اليقظة.
وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة تجاهلت مطالب كوريا الشمالية بعدم إجراء تدريبات جوية مشتركة لأهداف عدائية، داعية إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي.
ووصفت الوزارة التحركات الأمريكية بأنها "غير مسؤولة ومتهورة"، ونددت بالعملية الجوية بوصفها انتهاكا خطيرا لأمن دولة ذات سيادة، وتحديا سافرا لرغبة المجتمع الدولي لتحقيق السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية والمنطقة، وذكرت بيونغ يانغ أنها لن تتسامح على الإطلاق مع أي محاولة من قبل قوات معادية لانتهاك سيادتها ومصالحها الأمنية، وسترد بأقوى إجراء مضاد.
ودافعت كوريا الشمالية عن تدريباتها العسكرية ووصفتها بأنها رد فعل مناسب وتحذير إزاء الاستفزازات المعادية، زاعمة أن وضع المواجهة العسكرية الخطير ناجم عن قيام الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بتنفيذ أكبر تدريب جوي مشترك على الإطلاق.
ويعد 2022 من أكثر الأعوام التي شهدت تبادلا للاستفزازات العسكرية بين كوريا الشمالية والتحالف الأمريكي - الكوري الجنوبي، وزادت التوترات باطراد، ومؤخرا أدى إطلاق كوريا الشمالية للصواريخ، والتدريبات العسكرية الأمريكية - الكورية الجنوبية إلى أن تصل التوترات في شبه الجزيرة الكورية إلى مستوى جديد وخطير تماما.
فقد أجرت واشنطن وسول أكبر تدريباتهما العسكرية على الإطلاق، وسقط صاروخ باليستي كوري شمالي قبالة ساحل كوريا الجنوبية لأول مرة، وعلى الفور ردت سول بإطلاق عدد لم يسبق له مثيل من الصواريخ قبالة ساحل كوريا الشمالية.
وفي خضم التصعيد المتواصل، تستعد كوريا الشمالية لعاشر اختبار نووي لها منذ مطلع العام الجاري، ويعتقد البعض أنها على استعداد للقيام بذلك في أي وقت من الأوقات، وردا على ذلك، كثفت واشنطن وسول تدريباتهما العسكرية وانتشارهما حول شبه الجزيرة الكورية كاستعراض للتصميم القوي والتحذير، ويقوم كل طرف باستعراض قدراته العسكرية.
واختتمت أمس السبت التدريبات الجوية المشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن انضمت اثنتان من قذائف القنابل الاستراتيجية الأمريكية إليها في اليوم الأخير، في استعراض واضح للقوة ضد الاستفزازات المستمرة لكوريا الشمالية.
وكان من المقرر أن تنتهي التدريبات الجوية المشتركة أمس الأول الجمعة، لكن البلدين قررا تمديدها ليوم واحد ردا على استفزازات كوريا الشمالية خلال فترة التدريبات، بما في ذلك إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات أمس الأول.
وقال الجيش الكوري الجنوبي: إن التدريبات الجوية المشتركة التي انطلقت يوم الإثنين الماضي شملت أكثر من 240 طائرة، بما في ذلك طائرات الشبح المتقدمة في سماء شبه الجزيرة الكورية، في محاولة لتعزيز الردع ضد تهديدات كوريا الشمالية، ولطالما نددت بيونغ يانغ بالتدريبات العسكرية المشتركة.
وذكرت هيئة الأركان المشتركة لكوريا الجنوبية، أن نشر قذائف القنابل الاستراتيجية الأمريكية من طراز"بي-1بي"، وتحليقها في شبه الجزيرة الكورية يأتي للمرة الأولى منذ ديسمبر عام 2017، وأضافت أن ذلك يظهر القدرات الدفاعية المشتركة للدولتين الحليفتين، للرد الحاسم على أي استفزازات لكوريا الشمالية، وإرادة الولايات المتحدة في التزامها بالردع الموسع.
وتتهم الولايات المتحدة، الصين وروسيا بحماية كوريا الشمالية وتمكينها من إطلاق سلسلة الصواريخ الأخيرة.. فقد اتهمت الإدارة الأمريكية على لسان ليندا توماس جرينفيلد مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في كلمة أمام مجلس الأمن الدولي مؤخرا، روسيا والصين بتوفير "حماية شاملة" لكوريا الشمالية من أي إجراءات إضافية لمجلس الأمن الدولي، معتبرة أن البلدين "بذلا قصارى جهدهما لمنع محاسبة بيونغ يانغ على إطلاق صواريخ باليستية مؤخرا".
وطلبت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألبانيا وأيرلندا والنرويج عقد اجتماع لمجلس الأمن بعد أن أجرت بيونغ يانغ عدة تجارب صاروخية.
في المقابل، قال تشانغ جون سفير الصين لدى الأمم المتحدة إنه "يتعين على مجلس الأمن الدولي أن يلعب دورا بناء بدلا من التركيز دائما على ممارسة الضغوط"، مضيفا أنه "في ظل الظروف الحالية، يجب على المجلس أن يسعى بشكل خاص لتخفيف حدة المواجهة والحد من التوترات ودعم التسوية السياسية".
ويحظر مجلس الأمن الدولي، منذ فترة طويلة، على كوريا الشمالية إجراء تجارب نووية وإطلاق صواريخ باليستية، وقد قام بتشديد عقوباته على بيونغ يانغ على مر السنين في محاولة لقطع التمويل عن تلك البرامج.
وفي بروكسل، دان الاتحاد الأوروبي، عمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية، داعيا العالم إلى "رد موحد وحازم" يشمل تطبيق العقوبات الأممية.
وجاء في بيان صدر عن جوزيب بوريل مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أن التكتل يعتبر العدد "غير المسبوق" للصواريخ التي تم إطلاقها، والذي يشمل صاروخا بالستيا عابرا للقارات، وأخرى قصير المدى، "تصعيدا خطيرا" من قبل كوريا. وطالب جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وخصوصا أعضاء مجلس الأمن الدولي، بضمان التطبيق الكامل للعقوبات لمنع كوريا من الحصول على المواد والخبرة والتمويل لدعم برامجها التسليحية غير القانونية.
وأضاف البيان أن "العدد غير المسبوق لصواريخ كوريا التي أطلقت عام 2022 يمثل تعبيرا مقلقا عن نيتها مواصلة تقويض نظام عدم انتشار الأسلحة النووية العالمي"، ويشكل ذلك تهديدا خطيرا لجميع البلدان، ويقوض السلم والأمن الدولي والإقليمي.
وشدد الاتحاد الأوروبي في بيانه على أن خطوات كوريا الشمالية "لا يمكنها ولن تمنحها إطلاقا وضع دولة نووية" بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية "ولا أي وضع خاص آخر في هذا الصدد". كما طالب كوريا الشمالية بـ "وقف أعمالها المزعزعة للاستقرار، واحترام القانون الدولي، واستئناف الحوار مع جميع الأطراف المعنية".
ومع تصاعد مسلسل إطلاق الصواريخ من جهة كوريا الشمالية، والرد الفوري بتصعيد التدريبات المشتركة لكوريا الجنوبية من الحلفاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة واليابان، تبقى شبه الجزيرة الكورية تنفث بوادر حرب جديدة، ستكون الأشد قساوة هذه المرة على العالم أجمع، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن السلاح الذي قد يستخدم هذه المرة هو السلاح النووي.
English
Français
Deutsch
Español