منتخب "التانغو" الأرجنتيني بين سحر الفن والأدب والساحرة المستديرة
كأس العالم FIFA قطر 2022..
الدوحة في 26 نوفمبر /قنا/ يمثل منتخب الأرجنتين لكرة القدم الذي يشارك في كأس العالم FIFA قطر 2022، علامة ورمزاً من رموز مجد دولة الأرجنتين في مجال الرياضة، بنجومه الذين يتقدمهم هذا العام النجم الكبير ليونيل ميسي، وبترشيحات الخبراء وآمال الأرجنتينيين وأحلامهم بالظفر باللقب في مونديال قطر.
ويعتبر المنتخب الملقب بنجوم التانجو، مفخرة من مفاخر الأرجنتين وركيزة من ركائز شخصيتها العامة وصورتها في الثقافة الشعبية إلى جانب الأدب والفنون ومعالمها التاريخية البارزة.
وقد وهبت الأرجنتين عشاق كرة القدم أحد أبرز أساطيرها دييغو أرماندو مارادونا (1960 - 2020) الذي تجاوز إلهامه المستطيل الأخضر إلى الأدب، فكتب عنه الروائي والناقد الأرووغواياني إداورادو غاليانو في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل": "هذا المبدع لا يكرر ألعابه مطلقاً، إنه يخيط كرة القدم في رجليه وله عيون في أنحاء جسده وفنونه تلهب الحماس في الملاعب، إنه قادر على حسم المباراة بتوجيه رمية صاعقة وهو يدير ظهره للمرمى، أو بتقديم تمريرة مستحيلة وهو محاصر بآلاف الأقدام المعادية، وليس هناك من يستطيع إيقافه حين ينطلق لمراوغة الخصوم، في كرة القدم التي تطالب بالربح وتمنح المتعة كان هذا الرجل هو أحد القلة الذين أثبتوا أنه يمكن للخيال أن يكون فعالاً أيضاً".
وتكتسب جمهورية الأرجنتين التي تقع في قارة أمريكا اللاتينية ثراء ثقافتها من تعدد أعراقها ولغاتها ومناخها. حيث تعتبر الإسبانية، اللغة الرسمية للدولة، إضافة إلى الإيطالية، والإنجليزية، والألمانية، والفرنسية. وتقع عاصمتها بوينس آيرس، على الشاطئ الجنوبي من نهر ريو دي لا بالتا في شرق ووسط الأرجنتين.
وللقارئ العربي ألفة مع الأدب الأرجنتيني، خاصة الرواية والقصة القصيرة والشعر لكبار كتابها وروائييها، الذين تُرجمت معظم أعمالهم إلى اللغة العربية، مثل الروائي والقاص والشاعر البارز خورخي لويس بورخيس، والمؤرخ والناقد والصحفي ألبرتو مانغويل، والشاعر خوان خيلمان، والروائي خوليو كارتاثار، والروائي أرنستو ساباتو، وآخرين.
ونال الشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899 ـ 1986) شهرته الواسعة في اللغة العربية واللغات الأخرى من عبقرية قصصه القصيرة، بالإضافة إلى إبداعه في الشعر والنقد والمسرح والمختارات الأدبية، كما كان مترجماً بارعاً للأدب من الإنجليزية والفرنسية والألمانية إلى الإسبانية والاسكندنافية، وقد تأثرت كتاباته بفقده للبصر الذي عبر عنه بقوله: "قد اتخذت قراراً، قلت لنفسي: بما أنني خسرت عالم المرئيات الحبيب، لا بد أن ابتكر شيئاً آخر".. كما قال: "كنت قد استعضت عن العالم البصري بالعالم السمعي للغة الأنجلوـ ساكسونية، ثم اتجهت إلى العالم الأغنى للأدب الاسكندنافي: البطولات والملاحم، وهو معروف ببنائه لكل مجازاته عن الوجود في كنوزه الأدبية من خلال المكتبة والكتب".
أما الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل فقد كرّس عبقريته في مديح الكتب والمكتبات والقراءة في أهم مؤلفاته ومنها: "تاريخ القراءة"، والمياه السوداء: كتاب الأدب الخيالي"، و"مع بورخيس"، و"مدينة الكلمات"، و"يوميات القراءة" ويقول في كتابه المكتبة في الليل: "حب المكتبات، مثل أكثر المحبات، ينبغي أن يكتسب بالتعلُّم". ويرى مانغويل أن المكتبة تحفز في الإنسان "الشعور بالألفة" و"تصور واقع أفضل للبشرية".
وتتعانق في أشعار خوان خيلمان أطياف الهم الشخصي والهم العام، الاجتماعي والجمالي، الخاص والإنساني، ما يحررها من أسر الزمان والمكان ويجعل منها أناشيد للإنسان والإنسانية في كل مكان، فهو يعيد الحياة إلى قاموس اللغة اليومية في شرايين اللغة الشعرية، فتضج بآلام الناس وأوجاعهم.
وعلى الرغم من محدودية مؤلفات الكاتب والروائي خوليو كورتاثار المترجمة إلى العربية مثل قصص "كل النيران النار" و "الأسلحة السرية" وروايتي "لعبة الحجلة" و"الرابحون". لكنه له حضور طاغٍ ومؤثر لدى قرّاء العربيّة. ومثله أرنستو ساباتو صاحب روايات "النفق"و"أبطال وقبور"، الذي وصف عالمه الروائي بأنه: غريب ومعقد، خفي ومتشابك، عجيب وغامض. وجاءت روايته "أبطال وقبور" ملحمة رائعة ووثيقة اجتماعية، أخلاقية، نفسية، سياسية، تاريخية، لحقبة زاخرة من حياة بلاده.
ويتجلى التاريخ والإبداع وأثر الفن في أهم معالم الأرجنتين التاريخية ومنها: مسلة بوينس آيرس، وهي نصب تاريخي بني للاحتفال بالذكرى المئوية الرابعة لتأسيس المدينة. والبيت الوردي /كاسا روسادا/ وهو قصر فخم يضم متحفاً يحتوي على مقتنيات الرؤساء السابقين، وقد تم إعلانه كواحد من المعالم الوطنيّة والتاريخيّة للبلاد. وحديقة بوينس آيرس النباتية وتحوي حوالي 5500 نوع من النباتات والأشجار. وقصر العدل وهو مقر المحكمة العُليا ومحاكم محليّة أخرى. وقصر الكونغرس الوطني وهو مقر لاجتماعات ممثلي الشعب. ومسرح سرفا نتس وهو المسرح الوطني تم تسجيله كمعلم تاريخي وطني.
وتمثل المتاحف بعمارتها المتميزة ومحتوياتها الثمينة معالم حضارية بارزة ومنها المتحف الوطني للفنون الجميلة وهو من أهم المتاحف في الأرجنتين، إذ يحتوي على أعمال مشاهير الفن المحلي والعالمي متحف فنون أمريكا اللاتينية في بوينس آيرس، ويضم مجموعة كبيرة من فنون أمريكا اللاتينية وروائع مبدعيها في القرن العشرين. ومتحف تاريخ سارمينتو وهو متحف مخصص للتاريخ الأرجنتيني.
وفي مجال الموسيقى والرقص اشتهرت الأرجنتين بالتانجو وهي رقصة تحمل نمطاً موسيقياً وغنائياً مميزاً، تأثرت بالثقافة الشعبيّة وأساليب الموسيقى والأدوات والتقنيات التي جلبها المهاجرون إلى الأرجنتين. فشاعت واتخذت طابعها الحالي الذي يميز الأرجنتين.
وفي عام 2009 أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو"، رقصة التانجو جزءاً من التراث الثقافي الإنساني غير الملموس في العالم. وهي من أكثر الرقصات شهرة وانتشاراً في جميع أرجاء العالم. وترجح المصادر أن رقصة التانغو ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر بعد أن نشأت وانتشرت في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية ومدينة مونتفيديو في الأوروغواي، وكانت هي الرقصة التي يفضلها المهاجرون الأوروبيون والعاملون من الطبقة الكادحة، وذلك ليتخلصوا من مشاعر الكآبة والحنين التي كانوا يشعرون بها وهم بعيدون عن أوطانهم. ويوجد عدة أنواع لرقصة التانغو حول العالم، ومن أكثرها شهرة وانتشاراً التانغو الأرجنتيني.
تطورت موسيقى التانغو مع تطور هذه الرقصة، واعتمدت موسيقى التانغو بشكل أساسي على آلة الباندونيون، وهي نوع من أنواع الأكورديون المتعارف عليها في الأرجنتين، والمعروفة أيضاً باسم "أكورديون التانغو" بالإضافة إلى استخدام الجيتار.
English
Français
Deutsch
Español