الماكينات الألمانية إرث ممتد لبلاد الفكر والشعر والفن
كأس العالم FIFA قطر 2022..
الدوحة في 22 نوفمبر /قنا/ تاريخ عريق لكرة القدم الألمانية يمتد إلى نحو قرن وربع القرن، إذ تأسس الاتحاد الألماني للعبة في العام 1900، وانضم إلى الاتحاد الدولي (فيفا) منذ تأسيسه في 1904، وهذا التاريخ الكروي العريق يتكئ هو الآخر على إرث حضاري وثقافي مُمتد، فالثقافة الألمانية فريدة من نوعها وكان لها دور رئيسي في تاريخ أوروبا كلها.
ويرتبط المنتخب الألماني الفائز بكأس العالم أربع مرات في أعوام (1954 و1974 و1990 و2014) دائماً بـ "الماكينات"، حيث يُرجع البعض هذا اللقب إلى الانضباط والالتزام، المعروفين عن هذا المنتخب، الذي يمتلك رصيداً مهماً في كأس العالم، ويحاول البعض الربط بين كفاءة الصناعة الألمانية، وعلى رأسها السيارات بمختلف أنواعها، وقوة الأداء التي تلازم المنتخب الألماني دائماً، كما يطيب لمُشجّعيه تسميته أحياناً.
وليست الصناعة وحدها ما تميز الأمة الألمانية، فلديها مشهد فكري وثقافي ممتد عبر التاريخ يتمتع بالحيوية والنشاط والتنوع والانفتاح العالمي، ولهذا عرفت بأنها بلد المفكّرين والعلماء العظام، منهم مارتن لوثر رائد عصر الإصلاح في أوروبا، وجورج فيلهلم فريدريش هيغل، وفريدريش نيتشه، وآرثر شوبنهاور، وإيمانويل كانط الذين لعبوا أدواراً رئيسية في تاريخ الفلسفة العالمية، ويوهان جوتفريد فون هيردر، مؤسس المدرسة الألمانية في علم التاريخ والأدب وعلم الاستشراق، والشاعر يوهان فولفجانج جوته الذي اتسم بنظرة تتميز بالانفتاح على الثقافة العربية والإسلامية، وغيرهم الكثير من الأدباء والمفكّرين والفلاسفة الألمان الذي أسهموا في ركب الفكر الإنساني وكانت آراؤهم مثار اهتمام بل وجدل أحيانًا.
وحظيت سمعة ألمانيا كأمّة مُهمة في الحركة الثقافية في الماضي، مثل باخ وبيتهوفن وبرامز في الموسيقى، وغوتة وشيلر وتوماس مان في الأدب، ومع حركة باوهاوس أمكن في عشرينيات القرن الماضي تطوير لغة تشكيلية وتصميمية مُستدامة، مازال تأثيرها واضحاً على المستوى العالمي حتى اليوم.
كما تضم المواقع المتقدمة في مختلف الفنون المعاصرة العديد من الأسماء الألمانية المعروفة في فن الرسم، مثل غيرهارد ريشتر وغيورغ بازيليتس وأنسلم كيفر وروزماري تروكل، وفي فن التصوير من أمثال أندرياس غورسكي وفولفغانغ تيلمانس وكانديدا هوفر وغيرهم.
كما يميل الشعب الألماني إلى حب الفنون على أنواعها، حيث تزخر ألمانيا بمسارحها المتنوعة بأحجامها المختلفة وفنونها الغنية، سواء المسرح الكوميدي أم المسرح السياسي أم الاجتماعي ويعود فن المسرح لقرون عدة ابتداءً من العهد الباروكي مروراً بالعصور الوسطى وصولاً إلى عصرنا الحديث.
وتوصف ألمانيا بأنّها (جنّة أوروبا للمسرح) ليس لتعدّد دُور المسارح وتنوّعها فيها فحسب؛ وإنّما أيضاً لتاريخها العريق في الفن الرّابع، كما تعدّ ألمانيا مهد كبار الفنّانين والكتّاب المسرحيين مثل (يوهان فولفجانج غوته) و(برتهولت بريخت)، ولا غرابة أن تضم البلاد حوالي 180 مسرحاً عاماً (حكوميًا) و190 مسرحًا خاصاً تجعل من ألمانيا تجمّعاً مهماً للمسارح، من أشهرها مسرح (تاليا) في هامبورج و(برلينر أنسامبل) و(كامر شبيلة) في ميونيخ.
كما يتردّد نحو 35 مليون شخص من مختلف الأعمار سنوياً على نحو 110 آلاف عرض مسرحي وسبعة آلاف حفل موسيقي، إضافة إلى 130 فرقة أوركسترا مُحترفة، بعضها مرتبط بدور إذاعة وتلفزيون رسمية حكومية، إضافة إلى ما يزيد على 7200 متحف ودار عرض تشكّل مجتمعة مشهداً فريداً متنوعاً من المتاحف.
وقد أصبح منذ عام 2007 لعالم المسرح في ألمانيا جائزة خاصّة تضاهي جائزة الأوسكار في هوليوود، وهي جائزة (فاوست)، وتمنح هذه الجائزة في تسع فئات، من بينها فئة أفضل ممثّل وأفضل إخراج، كما يُعدّ لقب (مسرح العام) من أهمّ مقاييس النشاط المسرحي في ألمانيا، ويتمّ منح هذا اللّقب سنويًا من قبل مجلّة (المسرح اليوم).
كما تعد ألمانيا واحدة من الدول الرائدة في مجال النشر والقراءة، حيث ينشر الألمان حوالي 94 ألف كتاب جديد كل عام، ويُقام فيها أحد أكبر المعارض الدولية للكتب هو معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، وليس هذا بغريب على بلد كان له الفضل في اختراع المطبعة حيث يُعد الألماني يوهان جوتنبرج مخترع الطباعة الحديثة التي ساهمت في الثورة المعلوماتية.
ولعل عامل التنوع الذي يميز الشعب الألماني ساهم في بروز هذا البلد في مختلف المجالات ومنها الثقافة والفن والفكر، فألمانيا هي موطن لأكثر من 82 مليون شخص بما في ذلك الألمان والأقليات من الجنسيات الأخرى التي تحترم بعضها بعضًا، وتجعل من ألمانيا بلدًا للقيم والعادات الفريدة، ويتحدث أكثر من 95 بالمئة من سكان ألمانيا اللغة الألمانية، سواء كانت اللغة الألمانية القياسية أو أي من لهجاتها، ومع ذلك، فقد اعترفت الدولة الألمانية بأربع لغات للأقليات، وهي الصوربية العليا والسفلى والرومانية والدنماركية وكذلك الشمالية وساترلاند الفريزية، فضلًا عن تواجد لغات أخرى في المجتمع نتيجة ارتفاع عدد المهاجرين، مثل التركية والكردية والروسية واليونانية والألبانية والبولندية وغيرها.
كما أن من أهم السمات المميزة للمشهد الثقافي الألماني، هي الفيدرالية، التي تقود إلى تنوع نادر في النتاج الثقافي والقائمين عليه، فقد تأسست الجمهورية الاتحادية في 1949، وكذلك ألمانيا بعد عودة الوحدة في العام 1990 حيث استمرت في متابعة هذا التقليد الفيدرالي، ووضعت مقاليد سلطة الحياة الثقافية بين أيدي الولايات الاتحادية مما عزز المشهد الثقافي وحافظ على التنوع وقاد إلى بروز مشهد ثقافي مؤثر محليا وعالميا.
وتزخر ألمانيا سنويًا بفعاليات ثقافية يمتد صداها إلى خارج القارة الأوروبية، ومنها مهرجان برلين السينمائي (برلينالة)، واحد من أكبر المهرجانات السينمائية، ومعرض فرانكفورت الدولي للكتاب، ومهرجان بايرويت، أشهر مهرجان أوبرالي في العالم، ومُلتقى المسرح في برلين ومهرجان موسيقى الروك في الحلبة، وغيرها من المهرجانات ذات المستوى والحضور العالمي.
ويوجد في ألمانيا 46 موقعًا ونصبًا تذكاريًا تحت حماية منظمة اليونيسكو، ووحدها إيطاليا في القارة الأوروبية تتفوق على ألمانيا من حيث عدد مواقع الإرث الثقافي العالمي، كما أن منتدى هومبولت الذي نشأ ضمن إطار إعادة بناء قصر المدينة في برلين سوف يكون قريبًا مركزًا ثقافيًا جديدًا ومهمًا، وموقعًا للتبادل العلمي على المستوى الدولي ومركزًا للحوار بين الثقافات.
وفي سياق نشر الثقافة الألمانية، يتيح معهد غوتة من خلال 159 موقعًا مُنتشرة في 98 بلدًا فرصة الانطلاق مع اللغة والثقافة الألمانيتين، وذلك في إطار دوره لتعزيز التعاون الثقافي الدولي.. كما أنه إلى جانب ذلك يدعم الحوار بين الثقافات ويعزز الحراك الثقافي العالمي.
أما ثقافة الملبس في ألمانيا فمتوسط اللباس الألماني هو الغربي عادة، حيث يرتدي كل من الرجال والنساء بدلات وقمصان بسيطة داكنة في سياق العمل، ومع ذلك، فإن كل منطقة في البلاد لها أزياء تقليدية خاصة بها، والتي تختلف قليلاً عن بعضها بعضًا، وتظهر هذه الأزياء خاصة خلال الكرنفالات أو المهرجانات، وهذا التنوع ينسحب كذلك على المطبخ الألماني الغني والمتنوع.
جدير بالذكر أن متاحف قطر احتفلت بالعام الثقافي قطر - ألمانيا عام 2017 تتويجًا للعلاقات الثقافية بين البليدين، حيث تمّت إقامة العديد من الفعاليات الثقافية المشتركة في الدوحة وبرلين لتتوج هذه الفعاليات بتدشين مركز الديوان أو البيت الثقافي العربي في العاصمة الألمانية برلين.
English
Français
Deutsch
Español