تسخير العلوم لخدمة التنمية والسلام في المجتمعات الإنسانية
الدوحة في 10 نوفمبر /قنا/ تحتفل الأوساط العلمية في الـ10 من نوفمبر من كل عام، باليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "باليونسكو"، التي أعلنت عن المناسبة أول مرة في مؤتمر لها عام 2001.
وتهدف هذه المناسبة الدولية لفتح عالم البحث والاكتشاف العلمي كوسيلة لإشراك الجميع في القضايا والتطورات العلمية، ابتداء بالمسؤولين الحكوميين ومرورا بوسائل الإعلام وانتهاء بتلاميذ المدارس، إذ تشجع "اليونسكو" جميع الدول على الانضمام للاحتفال من خلال تنظيم الحدث أو إقامة أي نشاط خاص بها عبر توسيع المناقشات المتعلقة بالتطبيقات العلمية الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي أو الطاقة المتجددة وكيفية توظيفها في خدمة الشعوب، وضمان إطلاع الجمهور العام على المستجدات العلمية، وإبراز دور العلماء في جعل مجتمعاتنا أكثر استدامة.
إعلان عام 2022
وأيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مؤتمرها المنعقد في 2 ديسمبر 2021 اقتراح إعلان عام 2022 بوصفه السنة الدولية لتسخير العلوم الأساسية لأغراض التنمية المستدامة، وخصوصا في مجالات الطب والصناعة والزراعة والموارد المائية وتخطيط الطاقة والبيئة والاتصالات، ضمن خطة عام 2030 وأهدافها للتنمية المستدامة.
ويحلل تقرير لمنظمة "اليونسكو"، الذي يصدر كل خمس سنوات، الاتجاهات الناشئة في سياسات التكنولوجيا والعلوم والابتكار وحوكمتها، وصدر أحدث تقرير في يونيو 2021، حيث وثق التحول المجتمعي السريع الجاري، في إتاحة فرص جديدة للتجارب الاجتماعية والاقتصادية.
ويرصد التقرير اختلاف ميزانية الإنفاق البحثي المحلي المخصص للعلوم الأساسية من بلد إلى آخر، فوفقا لبيانات شملت 86 دولة، تخصص بعض الدول أقل من 10 بالمائة من نفقاتها البحثية للعلوم الأساسية، في حين يخصص بعضها الآخر أكثر من 30 بالمائة من تلك الميزانية.
وتتجه قضية التنمية والتطوير بمنحى إيجابي في العقدين الأخيرين، فالغالبية العظمى من البلدان اليوم، تقر بأهمية العلوم الأساسية والتكنولوجيا والابتكار لتحقيق النمو المستدام لمدى أطول، وتتسابق الدول النامية وواسعة الثراء للحصول على موطئ قدم أو على الأقل لتعزيز المكانة السابقة في سوق عالمية تتسم بالتنافسية المتزايدة، إلا أن ثمة مخاطر تكمن في أن التسابق من أجل تحسين القدرات التنافسية الوطنية، قد يدفع بعض الدول لفقدان رؤية الحكمة القديمة التي تقول: إنه بدون العلوم الأساسية لن تكون هناك علوم للتطبيق، فالبحوث الأساسية "في الطب والكيمياء والهندسة والرياضيات على سبيل المثال" لا تولد معرفة جديدة فقط، ولكنها تساهم أيضا في تشكيل نوعية وكفاءة التعليم الجامعي، إذ إن البحوث الأساسية تولد المعرفة الجديدة التي من شأنها النهوض بالتطبيقات التي ينعكس تأثيرها على المجتمع والاقتصاد.
مخاطر ومعوقات
كما يدخل في المخاطر نقص الموارد البشرية والمادية الذي يعوق التقدم نحو أهداف سياسة العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهناك معوقات أخرى لتطور نظم الابتكار الوطني، مثل الحوافز القليلة للاستثمار بالقطاع الخاص في مجال البحث والتطوير، فضلا عن النقص الحاد في المهارات العلمية والتكنولوجية على جميع المستويات، ناهيك عن الهجرة المستمرة للعقول المفكرة، والفقر في تعليم العلوم في المدارس بسبب الافتقار إلى مدرسين مؤهلين ومناهج مناسبة، وأخيرا وليس آخر، عدم وجود حماية قانونية لحقوق الملكية الفكرية وعدم التعاون في العلم والتكنولوجيا بين بعض الدول.
إن عملية تغيير المجتمع لجعله أكثر تركيزا على ريادة الأعمال والابتكار ستستلزم تغيير الهيكل الاقتصادي وصياغة سياسة قومية ناجحة للعلوم والابتكار والتحرك في الاتجاه السليم في عدد من مجالات السياسات بالتوازي مع إدماج التقنيات المستدامة الخضراء والبحوث بعملية التطوير للمشاريع الاقتصادية، ويتحقق ذلك بمصاحبة الحوكمة أو الإدارة الرشيدة لكل خطوة نحو الأمام، في كل مرحلة من مراحل النمو المدفوع بالابتكار.
وتشير دراسة لليونسكو عن تحولات الاهتمام بالعلوم والبحوث عالميا، الى أنه منذ الأزمة المالية العالمية التي حدثت في الفترة من 2008 - 2009، اتجهت أسعار السلع في إفريقيا إلى الارتفاع، ما اضطر الحكومات إلى زيادة اهتمامها بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار لدعم الصناعة المحلية للتعويض، كما أحدثت الأزمة العالمية أيضا تراجعا في مجال هجرة العقول إلى الدول الغربية التي كانت تستقطب العقول والخبرات والكفاءات من إفريقيا منذ عقود، وبدأت بعض الدول الغنية تميل إلى تشجيع بعض الكفاءات منهم على العودة إلى بلدانهم، ليلعبوا دورا محوريا في صياغة سياسات جديدة للعلوم والتكنولوجيا وتحقيق التنمية الاقتصادية في بلدانهم الأصلية الضعيفة، حتى الخبراء والكفاءات التي بقيت في الغرب، ساهموا عبر تحويلاتهم المالية بدعم الاقتصاد ببلدانهم الأم، بنسب تتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أفريقيا في بعض تلك الدول بحسب ما تذكره الدراسة، وانعكس هذا التحول بوضوح بتشريع قوانين اقتصادية استثمارية، وإعداد خطط تنموية عشرية بالأعوام 2020 أو 2030، والتي تبنتها بعض البلدان الإفريقية في العقد الماضي.
وقد أجرى مؤخرا معهد الإحصاء التابع لليونسكو دراسة كشفت أن الطلاب من الدول العربية ووسط آسيا وجنوب الصحراء الكبرى الأفريقية وغرب أوروبا يعتبرون أكثر الطلاب الذين يدرسون في الخارج، بالمقارنة بأقرانهم من المناطق الأخرى. وتفوقت منطقة آسيا الوسطى على أفريقيا بالنصيب الأكبر من طلبة الدكتوراة الذين يدرسون بالخارج، وفي السنوات الأخيرة ارتفع منسوب الاهتمام بالخطط الوطنية والإقليمية لتشجيع طلبة الدكتوراه على الدراسة.
العلم المفتوح
بجانب ذلك كله، جلبت ثورة الإنترنت معها خاصية "العلم المفتوح" وهو ما مهد الطريق إلى تعاون دولي في البحوث إلى جانب إتاحة الوصول إلى الإصدارات العلمية وسهولة الحصول على البيانات المرتبطة بها، وصاحب ذلك حركة عالمية باتجاه التعليم المفتوح مع زيادة أعداد البرامج التعليمية التي تقدمها الجامعات إلى الطلاب بصورة مباشرة على الإنترنت، وهذا يعني أن عولمة أنظمة البحوث الأكاديمية والتعليم العالي تتم بصورة سريعة، وقد أصبح لزاما بصورة متزايدة أن تتشكل الفرق البحثية والابتكارية من خليط دولي من الباحثين.
ومن حيث التخصصات النسبية في الدول ذات التخصصات العلمية رصدت دراسة "اليونسكو" تميز المملكة المتحدة في العلوم الاجتماعية، بينما تكمن قوة فرنسا العلمية في الرياضيات، أما الولايات المتحدة فتركز أكثر على علوم الحياة والطب، في حين تضع اليابان تركيزها على الكيمياء.
أما دول كتلة البريكس "التي تضم الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وماليزيا" صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم، فإن روسيا تميل باتجاه التخصص في الفيزياء والفلك والجيولوجيا والرياضيات والكيمياء، مقارنة مع الصين التي تظهر نموذجا متوازنا إلى حد ما مع كل العلوم الطبية والهندسية، وإذ تكمن القوة النسبية للبرازيل في الزراعة وعلوم الحياة، فإن ماليزيا، تحاول إيلاء الهندسة وعلوم الكمبيوتر مكانة عالية.
وفي إحصاء دقيق، تشكل الكتل الخمس الكبرى الأعلى إنفاقا عالميا على البحوث وهي "أوروبا والصين والولايات المتحدة واليابان وروسيا" نسبة تبلغ 72 بالمائة من إجمالي عدد الباحثين على مستوى العالم، ومعها ارتفعت نزعة المشاريع التجارية والأعمال نحو الاستثمار في البحث والتطوير بما يسهم في تحقيق النمو القومي والرفاهية في هذه الدول.
إنفاق ضعيف
وتشير دراسة لليونسكو حول العالم العربي إلى تأخر معظم الدول العربية في سوق الإنفاق على البحوث، إذ تكرس معظمها نحو 1 بالمائة فقط، من إجمالي الناتج المحلي للتعليم العالي، رغم ارتفاع معدلات الالتحاق بالتعليم العالي الإجمالية لكلا الجنسين في العديد منها، وهذه النسبة الضئيلة لا تمكن من خلق فرص اقتصادية على نطاق كاف لاستيعاب العدد المتزايد من الشباب.
ورغم أن المحاولات ما زالت ضئيلة، فثمة دول عربية تقوم بتعزيز تطوير اقتصاديات المعرفة، وهناك مجموعة واسعة من المبادرات الحديثة لتسخير العلم والتكنولوجيا والابتكار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وغالبا ما تكون في مجال الطاقة، مثل إحياء مشروع مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا في مصر، وافتتاح المملكة المغربية أكبر مزرعة رياح في أفريقيا عام 2014 لتوليد الطاقة الشمسية، وفي عام 2015 أعلنت المملكة العربية السعودية برنامجها لتطوير الطاقة الشمسية، إضافة إلى افتتاح المختبر الدولي لاستخدام أشعة السنكروترون في مجال العلوم التجريبية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط المعروف باسم "سيزامي" في الأردن عام 2017، كما بدأت عدد من الاقتصادات العربية في إنشاء مراصد للعلوم والتكنولوجيا ومن بين تلك الدول مصر والأردن ولبنان وفلسطين وتونس.
قطر وبناء إرث جديد
وقد شهدت دولة قطر نموا استثنائيا في حجم النشر العلمي على مدار العقد الماضي، عقب إنشاء "مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار"، فقد سعت القيادة القطرية لبناء إرث جديد، وذلك عقب النجاح الذي حققته في مجال تطوير تكنولوجيا الغاز الطبيعي المسال وما تلاه من إنجاز الحصول على شرف استضافة بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022.
وتقدم رؤية قطر للبحوث والتطوير والابتكار طموحات واعدة تستهدف إحداث نقلة في المنظومة العلمية، وتحدد إستراتيجية 2030 ثلاثة محاور تحول رئيسية وهي "البحث العلمي، والكفاءات والمواهب البشرية، والابتكار" بجانب أربعة محاور تمكينية لبناء منظمة متكاملة للبحوث والتطوير والابتكار وهي "التمويل والحوكمة والبيئة التنظيمية ونظم المعلومات".
وتبرز "واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا" كمركز رائد يجمع بين البحوث التطبيقية والابتكارات التكنولوجية واحتضان المبدعين وريادة الأعمال، فهي "منطقة حرة" تحتضن شركات تكنولوجية عالمية مثل "مايكروسوفت" و"سيمنز" و"سيسكو"، على مقربة من شركات محلية ومشروعات ناشئة تركز على التكنولوجيا.
وهناك أيضا "قطر بيوبنك" وهي مبادرة بحثية أساسها السكان، تقوم بتطوير مستودع للعينات البيولوجية والمعلومات المتعلقة بصحة المواطنين والمقيمين بدولة قطر لفترة طويلة، وأساليب حياتهم، وتتيح هذه المبادرة للعلماء المحليين إمكانية إجراء بحوث طبية حيوية حول المشكلات الصحية السائدة في دولة قطر، بما يعزز فرص تجنب السكان للأمراض الخطيرة في المستقبل.
ويأتي في هذا الإطار أيضا مشروع "برنامج قطر جينوم" الذي يستهدف سكان دولة قطر، ويهدف إلى دراسة التركيب الجيني للسكان، لاستحداث خدمات الطب الدقيق والرعاية الصحية الشخصية، ما مكن الدولة من تعزيز مكانتها كواحدة من الدول القليلة في العالم التي تعنى بإجراء هذا النوع من البحوث.
English
Français
Deutsch
Español