المجلس الرئاسي الثلاثي للبوسنة يسعى للخروج من دوامة الانقسامات العرقية
الدوحة في 05 أكتوبر /قنا/ أظهرت نتائج لجنة الانتخابات في البوسنة والهرسك التي صدرت أمس الأول الإثنين، رفض الكروات والبوسنيين للمرشحين القوميين في الانتخابات الرئاسية، على عكس السكان الصرب في البلاد الذين فضلوا دعم مرشحي الحزب القومي ذي الدعاوى الانفصالية.
وبعد فرز 85 بالمائة من الأصوات، تصدر دنيس بيسيروفيتش من الحزب الديمقراطي الاجتماعي تصويت البوسنيين المسلمين (البوشناق) بالحصول على 57 بالمائة، متقدما على ممثل البوسنيين المسلمين الحالي بكر عزت بيجوفيتش 38 بالمائة من حزب العمل الديمقراطي المسلم القومي، وهذا يعني خروج حزب العمل الديمقراطي من الرئاسة للمرة الأولى منذ 12 عاما.
أما على الجانب الكرواتي فقد احتفظ زيليكو كومسيك بمقعده ممثلا للكروات بعد هزيمة منافسته القومية بوريانا كريشتو من حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي، لكن الحال اختلف على مقعد الصربيين الذي احتفظت به الأحزاب القومية ممثلا في زيليكا سفيانوفيتش من تحالف الديمقراطيين الاشتراكيين المستقلين، ولا يبدو أن النتائج النهائية قد تختلف في ظل الفوارق الكبيرة.
وبالتوازي مع انتخابات الرئاسة الثلاثية، فقد تم انتخاب ممثلي البرلمان الاتحادي، وبرلماني المنطقتين المتمتعتين بحكم ذاتي إلى حد كبير، فضلا عن رئاسة جمهورية صربسكا والإدارات الإقليمية في اتحاد الكروات البوسني.
ورغم المكاسب التي حققها الإصلاحيون على المستوى الرئاسي، إلا أن الأحزاب القومية من كل الفئات الثلاث ستواصل الهيمنة على البرلمان الاتحادي، ففي اتحاد الكروات البوسني، أصبح حزب العمل الديمقراطي القومي أقوى قوة بالحصول على 25 بالمائة من الأصوات التي تم فرزها هناك، يليه حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي الذي حاز 19 بالمائة من الأصوات، ثم الحزب الديمقراطي الاجتماعي 12بالمائة، لكن نتائج انتخابات جمهورية صربسكا، أكدت تقدم التحالف القومي للديمقراطيين الاشتراكيين المستقلين كأقوى حزب بالحصول على 42 بالمائة من الأصوات، فيما تراجعت الكثير من الأحزاب التي توصف بالاعتدال.
وتنقسم الدولة الصغيرة والفقيرة الواقعة في البلقان بين كيان صربي هو "جمهورية صرب البوسنة" و"اتحاد فدرالي كرواتي مسلم"، يرتبطان ببعضهما عبر سلطة مركزية غالبا ما تكون مشلولة، واستمد هذا النظام من اتفاقيات دايتون التي جرى التوصل إليها في 1995 برعاية الولايات المتحدة، وأنهت حربا قتل فيها مئة ألف شخص.
وأعلن الممثل الأعلى الدولي كريستيان شميدت عن إصلاحات في الكيان الكرواتي المسلم، بسبب الفشل بتعيين أي حكومة بعد الانتخابات الأخيرة عام 2018 جراء خلافات بين الطرفين، وأكد شميدت، أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى تحسين أداء اتحاد البوسنة والهرسك وضمان تنفيذ نتائج انتخابات أكتوبر 2022 ضمن الإطار الزمني المناسب، ولا يزال منصب الممثل الأعلى الدولي الذي تم تعيينه بعد الحرب للإشراف على تنفيذ اتفاقية دايتون، يتمتع بصلاحيات واسعة في البوسنة بما في ذلك تمرير القوانين وإقالة بعض المسؤولين.
وتواجه البوسنة أزمة سياسية هي الأخطر على مستقبلها السياسي والديمغرافي ووحدة أراضيها منذ نهاية حرب التسعينيات عقب اتفاقية دايتون عام 1995، بسبب النهج الانفصالي الذي تتبعه قيادة جمهورية الصرب التي تتمتع بالحكم الذاتي، وتهديدات الكروات البوسنيين بعرقلة تشكيل أي حكومة جديدة لا يمثلهم فيها من يحمل توجهاتهم الراديكالية ضمن الاتحاد الذي يتشاركونه مع البوشناق المسلمين، وجرى التوافق على هذا النظام كجزء من اتفاقيات دايتون عام 1995 برعاية الولايات المتحدة، وساهمت بإنهاء الحرب العرقية الطاحنة.
وتشير تقديرات منظمة "الاتحاد من أجل عودة دائمة"، المحلية غير الحكومية، إلى هجرة نحو نصف مليون شخص البلاد منذ آخر إحصاء سكاني عام 2013، عندما كان عدد السكان 3.5 مليون نسمة، وهي نسبة كبيرة قياسا بحجم التركيبة السكانية.
ويتوزع سكان دولة البوسنة والهرسك، وفقا لإحصاء 2013 على النحو التالي: البوشناق (مسلمون): 51 بالمائة، الصرب (أرثوذكس) 31 بالمائة، الكروات (مسيحيون رومانيون) 15 بالمائة، بينما يشكل معتنقو ديانات أخرى (بمن فيهم اليهود) 2 بالمائة، و(غير المتدينين) 1 بالمائة.
والحديث عن إصلاحات دستورية وسياسية واقتصادية واجتماعية باتت أمرا ملحا رغم افتقار الأحزاب للإرادة السياسية المطلوبة، في ظل النزعة القومية والتهديدات الانفصالية التي تعيق تطلعات الدولة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يتطلب بدء التفاوض الفعلي تنفيذ توصيات قدمتها المفوضية الأوروبية، وهي خطوات لا شك أنها تتطلب دعما دوليا سياسيا وماليا من أوروبا وأمريكا خصوصا، بالتنسيق مع روسيا والصين اللتين تبحثان عن دور في البوسنة، دون إغفال دور صربيا وكرواتيا الداعمتين للأقليتين الصربية والكرواتية الطامعتين في الانفصال.
وتشكلت دولة البوسنة والهرسك الحديثة بعد استفتاء شعبي في مارس 1992، وشارك فيه نحو 67 بالمائة من الناخبين البوسنيين على اختلاف أعراقهم من بوشناق وصرب وكروات وأقليات أخرى، صوتوا بالأغلبية لصالح استقلال البوسنة والهرسك عن الاتحاد اليوغوسلافي، رغم تهديدات الرئيس الصربي حينها، سلوبودان ميلوشيفيتش، بضم الأراضي البوسنية إلى صربيا إذا ما اتخذت حكومة سراييفو خطوات للانفصال عن الاتحاد اليوغوسلافي.
ورفض صرب البوسنة هذا الانفصال، حيث أعلن رادوفان كارادجيتش، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية الصربية عدم الاعتراف بنتيجة الاستفتاء المؤيدة لانفصال البوسنة، ونظم استفتاء في نوفمبر من العام نفسه في المناطق الصربية، لإعلان جمهورية الشعب الصربي في البوسنة والهرسك في إطار الاتحاد اليوغوسلافي، وأعد دستورا خاصا بالصرب، وهو ما شكل إعلان حرب من جانب واحد، حظي بدعم بلغراد والرئيس الصربي حينها، سلوبودان ميلوشيفيتش.
أما كروات البوسنة فقد سعوا بدعم لوجستي وسياسي ومادي من دولة كرواتيا إلى الانفصال عن دولة البوسنة والهرسك وإلحاق مناطقهم بالدولة الأم كرواتيا.
ودفعت هاتان الخطوتان الانفصاليتان إلى إعلان الحرب على البوشناق المسلمين بعد شهر من إعلان نتائج الاستفتاء البوسني على الاستقلال، إذ شنت مليشيات رادوفان كارادجيتش بقيادة راتكو ميلاديتش التي كانت تسيطر على معسكرات الجيش اليوغوسلافي الاتحادي السابق وتملك آلة حربية متطورة، هجوما كاسحا وحشيا على العاصمة سراييفو وحاصرتها، ثم واصلت تباعا احتلال المدن البوسنية وتطهيرها عرقيا وتنفيذ مجازر بحق سكانها الأصليين هي الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية بدعم صربيا وروسيا.
وكانت أوروبا تصف ذلك النزاع غير المتكافئ بالحرب الأهلية دون التدخل لوقفها، رغم أن البوسنة والهرسك كانت دولة مستقلة ومعترفا بها دوليا، أما المجتمع الدولي فقد تأخر تدخله العسكري الجدي إلى ما بعد ارتكاب صرب البوسنة مذبحة سريبرينيتسا عام 1995، التي ارتكبها الصرب على مرأى ومسمع من القوات الهولندية العاملة ضمن قوت حفظ السلام.
ولم تتغير موازيين الحرب إلا بعد رفع الحظر الأمريكي عن التسليح، عبر الدعم الذي قدمته واشنطن لقوات كروات البوسنة، مما مكنها من إجبار قوات صرب البوسنة على التراجع إلى المناطق الغربية من البوسنة والهرسك، وهي خطوة ألقت بظلالها على مجريات الحرب كليا، إذ انتهز البوشناق المسلمون الفرصة للتزود بالسلاح أيضا وشن هجمات عكسية على الصرب دفعتهم للتراجع من بعض المناطق، وهنا قررت واشنطن التدخل بدعم المجتمع الدولي وحمل الأطراف المتحاربة في البوسنة على الاتفاق حول إنهاء الصراع المسلح، والتوقيع على اتفاق السلام في البوسنة، المعروف باتفاقية دايتون.
بيد أن الدستور الذي تم الاتفاق عليه للبوسنة والهرسك عقب مفاوضات اتفاقية دايتون كتب -بحسب الخبراء- تحت ضغط مطالب القوى القومية الإثنية، بدلا من بيان دور الدولة الديمقراطية في حماية حقوق مواطنيها ومصالح الأمة البوسنية كوحدة ترابية غير قابلة للتقسيم، فقد كان التركيز منصبا على إعطاء الفصائل العرقية حق وضع قوانينها الخاصة والعمل بها بما في ذلك الأحكام القضائية والمناهج التعليمية الخاصة.
في المقابل، لا تتمتع دولة البوسنة والهرسك كسلطة مركزية بأي مزايا سيادية تذكر، بل إن مجلس الرئاسة الثلاثي لا يقرر في أهم المسائل وبات من الصعوبة بمكان بلوغ رؤسائه الثلاثة شرط الإجماع لتبني قراراته، ولذا لم يتم تشكيل حكومة منذ الانتخابات العامة التي جرت عام 2018، ولم يتم تمرير أي قانون جديد خلال الدورة البرلمانية لعام 2019، وهذا برأي المراقبين منع تحقيق الاستقرار الداخلي اللازم لبناء دولة حقيقية في ظل هذه المواد الدستورية المشوهة، وقاد هذا البلاد إلى فشل سياسي واضح عكسته التطلعات الانفصالية التي حفلت بها الدعايات الانتخابية الأخيرة.
English
Français
Deutsch
Español