ما هي أبرز التحديات التي تواجه إيطاليا تحت قيادتها اليمينية الجديدة؟
الدوحة في 24 أكتوبر /قنا/ خلت تشكيلة الحكومة الإيطالية الجديدة برئاسة جيورجيا ميلوني زعيمة حزب إخوة إيطاليا من أي مفاجآت، لكنها مثلت رسالة واضحة إلى بروكسل بأن إيطاليا برئاسة ميلوني مستعدة لتهدئة مخاوف الاتحاد الأوروبي.
وأدت ميلوني قبل يومين، اليمين الدستورية رئيسة لوزراء إيطاليا لتكون أول امرأة وأول يمينية متطرفة تترأس حكومة روما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك في حدث غير مسبوق بعد الانتخابات التشريعية أواخر سبتمبر الماضي التي أسفرت عن فوز حزبها حزب إخوة إيطاليا وحلفائها في رابطة الشمال بزعامة ماتيو سالفيني، وقوة إيطاليا بزعامة سيلفيو برلسكوني.
ولفتت رئيسة الوزراء الإيطالية الجديدة - عندما كانت في صفوف المعارضة - الأنظار بقوة بسبب خطاباتها النارية المناهضة لبروكسل، واتهامها للاتحاد الأوروبي بالعمل ضد المصالح الإيطالية، ومن أجل الانطلاق في بلد تعود على تغيير الحكومات بشكل دوري، غيرت ميلوني شعاراتها وعباراتها النارية، بعد أن أدت اليمين الدستورية خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وشكلت ميلوني حكومة تطمئن لها بروكسل، لكن دون إنكار هويتها اليمينية، حيث سيعمل عدد معين من الوزراء على جذب الأسواق المالية الأوروبية ودوائر الأعمال الإيطالية بشكل خاص، فقد جرى اختيار الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي، أنطونيو تاجاني، عضو حزب إخوة إيطاليا، وزيرا للخارجية لضمان ترسيخ روما في المعسكر الأوروبي وحلف الأطلسي في خضم الصراع الروسي الأوكراني، وتم تعيين جيانكارلو جيورجيتي، عضو الجناح المعتدل في رابطة الشمال، والذي كان يشغل منصب وزير التنمية الاقتصادية بحكومة ماريو دراجي السابقة وزيرا للمالية، وسيصبح زعيم الرابطة ماتيو سالفيني وزيرا للبنية التحتية ونائبا لرئيسة الوزراء، بينما كان يطالب في البداية بتولي وزارة الداخلية، التي قادها في حكومة كونتي عام 2018 بسياسة صارمة مناهضة للهجرة.
ومع ذلك فقد برز التعبير عن الوجه الجديد لإيطاليا مع تعيين شخصيات يمينية متشددة في الدفاع والاقتصاد، وأدرجت رئيسة الوزراء الجديدة قناعاتها القومية والمحافظة مع إنشاء وزارة للزراعة والسيادة الغذائية.
ويرى محللون أن على ميلوني البالغة 45 عاما، موازنة علاقات إيطاليا مع الكتلة الأوروبية بينما تدير الميول والتوجهات القومية لحزبها، لأن علاقة حكومتها ببروكسل ستكون بمثابة اختبار لمصداقية اليمين الإيطالي وصلابة الاتحاد الأوروبي، في وقت تتصارع فيه أوروبا مع تداعيات الحرب الأوكرانية وتشعر بالخوف من مخاطر الركود، كما أن من بين شركائها في الائتلاف الحكومي مشككين في الاتحاد الأوروبي.
وكانت ميلوني قد رددت سابقا أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون اتحادا فيدراليا للدول، ويجب على كل منها استعادة السيادة، وليس التنازل عن المزيد منها. وفي عام 2020، امتنع حزب إخوة إيطاليا عن التصويت في البرلمان الأوروبي للموافقة على صندوق التعافي الأوروبي البالغ 750 مليار يورو والذي تعد إيطاليا المستفيد الرئيسي منه.
ويريد تحالف السيدة ميلوني إعادة التفاوض بشأن حصة إيطاليا في صندوق التعافي الأوروبي، ويرى أن أزمة الطاقة الحالية يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند إنفاقها، لكن الحصول على هذه الأموال مرتبط بسلسلة من الإصلاحات، وبالتالي فإن فرصة ميلوني محدودة للمناورة في هذا الخصوص.
ويستبعد محللون إمكانية تجنب التوترات بين روما وبروكسل، لأن الأمر لا يعود إلى ميلوني فقط، مشيرين إلى التصريحات التي أدلت بها الشهر الماضي أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية وإليزابيث بورن رئيسة الوزراء الفرنسية، والتي تشير إلى أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي ستراقب احترام إيطاليا لحقوق الإنسان، ما يعني أن العلاقة بين روما وحلفائها قد تصبح مشحونة وقابلة للتوتر.
كما حذرت فون دير لاين من أن إيطاليا يمكن أن تخضع لنفس الحجز العقابي لأموال الاتحاد الأوروبي مثل المجر وبولندا إذا سارت الأمور في اتجاه صعب، ومع ذلك، قالت لاين إنها أجرت مؤخرا مكالمة أولى جيدة مع ميلوني، مضيفة أن الاتحاد الأوروبي وإيطاليا سيعملان معا لمواجهة التحديات الحرجة الراهنة، من أوكرانيا إلى الطاقة.
وهنأ ينس ستولتنبرغ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الناتو، ميلوني على توليها رئاسة وزراء إيطاليا، قائلا إنه يتطلع إلى العمل معها، في حين أبدت ميلوني في تغريدة على موقع تويتر: استعدادها للعمل مع حلف شمال الأطلسي، مشيرة إلى أنه أكثر من مجرد تحالف عسكري، "هو حصن من القيم المشتركة لن نتوقف عن الدفاع عنه".
ويتناقض تعهدها بالعمل مع الناتو مع مواقف شركائها في حكومتها الائتلافية، الذين يعتبرون مقربين من روسيا.
وتواجه ميلوني مهمة صعبة، إذ تشهد إيطاليا، ثالث اقتصاد في منطقة اليورو، على غرار الدول الأوروبية الأخرى، وضعا اقتصاديا صعبا بسبب أزمة الطاقة والتضخم، والديون الكبيرة التي تشكل 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى نسبة في منطقة اليورو بعد اليونان، كما سيتعين على ميلوني حفظ وحدة ائتلافها الذي يعاني من الانقسامات.
وقد تقبل كل من سالفيني وبرلوسكوني تولي ميلوني السلطة على مضض بعد أن فاز حزبها بـ26 بالمئة من الأصوات في الانتخابات، واضطرت ميلوني المؤيدة للأطلسي ولدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، إلى مواجهة مواقف برلوسكوني المثيرة للجدل هذا الأسبوع بعد أن أكد إعادة التواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وألقى بالمسؤولية في حرب أوكرانيا على كييف، لكن ميلوني ردت بالتأكيد أن إيطاليا "جزء لا يتجزأ" و"برأس مرفوع" من أوروبا وحلف شمال الأطلسي، وهي رسالة لاقت صدى إيجابيا في واشنطن وكييف وحلف شمال الأطلسي.
وفور تسلمها مهامها عقدت ميلوني في روما أول لقاء لها مع زعيم أوروبي هو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تعهد بالعمل معها بشكل "طموح" ولكن أيضا بـ"يقظة".
وأبقى الإليزيه على الغموض بشأن هذا اللقاء الذي حصل بعيدا عن شاشات التلفاز وسط العاصمة الإيطالية واستمر أكثر من ساعة، وعلق ماكرون على تويتر: "بصفتنا أوروبيين، ودول جوار، وشعوبا صديقة، يجب أن نواصل مع إيطاليا كل العمل الذي بدأ".
ووفقا لروما، فقد ركز الاجتماع على "الحاجة إلى استجابات سريعة ومشتركة لارتفاع أسعار الطاقة" على المستوى الأوروبي، كما تطرق إلى "دعم أوكرانيا" و"إدارة تدفقات الهجرة"، حيث عبر الجانبان عن "رغبتهما في مواصلة التعاون بشأن التحديات المشتركة الرئيسية على المستوى الأوروبي مع احترام المصالح الوطنية لكل منهما"، بحسب روما.
وفي حين تدعم ميلوني حلف الناتو وأوكرانيا منذ بداية الحرب الروسية في 24 من فبراير الماضي، فإنها عارضت في 2014 العقوبات ضد روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم، كما حثت في الماضي إيطاليا على التخلي عن اليورو، وتتمسك بأفكار معادية لدخول المهاجرين للبلاد، ودعت إلى فرض حصار بحري على ساحل البحر المتوسط في إفريقيا لمنع المهاجرين من الوصول إلى إيطاليا.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español