بارقة أمل تلوح أمام السلام في إقليم تيغراي الإثيوبي
الدوحة في 23 أكتوبر /قنا/ تلوح في الأفق بارقة أمل بإمكانية إقرار السلام في إقليم تيغراي الإثيوبي، الذي يشهد صراعا دمويا منذ ما يزيد عن العامين، بعد أن توافق طرفا النزاع (الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي التي تسيطر على الإقليم تقريبا) على بدء محادثات سلام في جنوب إفريقيا بداية من غد الاثنين بوساطة من الاتحاد الإفريقي.
ولم تتوفر معلومات مفصلة عن المفاوضات المرتقبة، التي كان يفترض أن تعقد في الثامن من أكتوبر الجاري، لكنها تأجلت بسبب ما وصف بقضايا لوجستية وترتيبات فنية.
وجاء إعلان الاتحاد الإفريقي عن موعد المفاوضات الجديد تزامنا مع تصريحات لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يوم الخميس الماضي، خلال افتتاح مدرسة بعاصمة بلاده أديس أبابا، أكد فيها أن الحرب في شمال إثيوبيا "ستنتهي ويسود السلام"، وقال: "لن نواصل القتال إلى أجل غير مسمى.. وأعتقد أنه في فترة قصيرة من الزمن سنقف مع إخواننا في تيغراي من أجل السلام والتنمية"، حاثا الإثيوبيين على العمل معا من أجل ازدهار البلاد، وعدم الانقسام على أسس عرقية ودينية.
وفي السياق ذاته، أعادت الحكومة الإثيوبية تأكيد التزامها بحل سلمي للنزاع في الجزء الشمالي من البلاد، معربة عن استعدادها للدخول في مفاوضات السلام المقررة غدا، حيث قال متحدث رسمي بأديس أبابا في تصريحات: إن الحكومة الفيدرالية مستعدة للعمل مع جميع الأطراف لجعل المساعدات الإنسانية في متناول المحتاجين في الجزء الشمالي من البلاد، وإنها تقوم باستعدادات لتقديم الدعم الإنساني للأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي استعادتها في الإقليم.
وعلى نقيض هذه التصريحات المتفائلة، تأتي مفاوضات السلام بعد أيام من إعلان أديس أبابا أنها تهدف للسيطرة على جميع المطارات في الإقليم بعد أن أعلنت الاستيلاء على ثلاث مدن رئيسية هناك، بما في ذلك مدينة شاير التي تأوي أعدادا كبيرة من النازحين بسبب الصراع، حيث يقول المراقبون: إن خسارة هذه المدينة تشكل ضربة كبيرة لجبهة تيغراي نظرا لوجود مطار فيها، وكونها تعد نقطة اتصال مع العاصمة الإقليمية، لكن الجبهة تقول: إن فقدان السيطرة على شاير لصالح القوات الفيدرالية تطور مؤقت فقط، رغم أن المدينة تعد واحدة من أكبر البلدات في تيغراي، ويبلغ تعداد سكانها نحو 100 ألف نسمة.
وكانت الحكومة الإثيوبية قد أعلنت في مارس الماضي "هدنة مفتوحة" لتسهيل وتسريع وصول المساعدات العاجلة إلى تيغراي، حيث يواجه الآلاف خطر المجاعة بعد ثلاثة أشهر من توقف وصول قوافل المساعدات، لترد الجبهة بالموافقة على وقف العمليات العسكرية، لكن الهدنة التي امتدت نحو خمسة أشهر، فشلت بتحقيق أي تقدم بشأن المفاوضات على إنهاء النزاع، حين عادت المعارك منتصف شهر أغسطس الماضي، وتبادل طرفا النزاع الاتهامات بخرق الهدنة.
وستشكل مفاوضات جنوب إفريقيا المحطة الأولى من نوعها بين الطرفين منذ انهيار وقف إطلاق النار بينهما في أواخر أغسطس الماضي، ويقول محللون: إنه قد يكون من الصعب جلب الجانبين إلى طاولة المفاوضات مع استمرار المعارك على الأرض، مشددين على الحاجة لوقف إطلاق نار مؤقت وإنهاء الحصار المفروض على الإقليم لتعبيد الطريق أمام المفاوضين نحو التوصل إلى توافقات واتفاقات.
وقبل أيام، حذر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، من تصعيد القتال في تيغراي، مشددا على أن العنف والدمار هناك وصلا إلى مستويات تنذر بالخطر، لا سيما أن الهجمات العشوائية تقتل يوميا المزيد من الأبرياء، وتضر بالبنية التحتية الحيوية، وتحد من الوصول إلى الخدمات الحيوية.
ودعا غوتيريش إلى ضرورة حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني الذين يتعرضون للهجوم والقتل أثناء توزيعهم المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة، مناشدا جميع الأطراف السماح وتسهيل مرور الإغاثة الإنسانية بسرعة ودون عوائق حتى تصل إلى جميع المدنيين المحتاجين.
ويعتبر إقليم تيغراي سادس أكبر إقليم بإثيوبيا من حيث المساحة، والخامس من حيث عدد السكان، ويتميز بتربة خصبة وبموارد مائية مهمة كنهر "تيكيزي"، كما ينتج محاصيل غذائية واستراتيجية، من أهمها: السمسم والقطن والذرة الرفيعة والخضراوات والفواكه، كما أن أراضي المنطقة هي الأكثر ملاءمة للميكنة الزراعية، بما يؤدي إلى زيادة المحاصيل المزروعة كما نوعا.
كما يعد غرب الإقليم أحد أهم المعابر التجارية بين السودان وإثيوبيا نظرا لوقوعه في شمال البلاد على بعد نحو ستمائة كيلو متر من العاصمة أديس أبابا، وهو إقليم صغير لكنه يتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي كبير في تاريخ إثيوبيا، فضلا عن أنه يصنف كأحد الوجهات السياحية المهمة لوجود مراكز تاريخية ودينية مصنفة على قائمة التراث العالمي فيه، وفي مقدمتها مدينة أكسوم التاريخية.
وبدأ الصراع في إقليم تيغراي في نوفمبر من العام 2020، وذلك عندما أطلق رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عملية عسكرية ضد السلطات الإقليمية في الإقليم، المنبثقة عن جبهة تحرير شعب تيغراي التي وقع اتهامها باستهداف معسكرين للجيش الفيدرالي، وحصيلة هذه الحرب الدامية، التي تدور بعيدا عن التغطية الإعلامية لعدم السماح للصحافيين بالوصول إليها، غير معروفة، لكنها شردت أكثر من مليوني شخص، وأغرقت آلاف الإثيوبيين في ظروف قريبة من المجاعة وفقا للأمم المتحدة.
ويقول المراقبون: إن منطقة تيغراي كانت ذات يوم منطقة جذب سياحي بكنائسها المنحوتة في الصخر والأضرحة الإسلامية والنصوص القديمة، لكنها أصبحت موقعا لحرب شرسة تهدف للسيطرة على منطقة لطالما كان ينظر إليها على أنها مفتاح السلطة في إثيوبيا، وأنها تاريخيا كانت جزءا من الحبشة.
English
Français
Deutsch
Español