تفاقم أزمة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات بين واشنطن وبكين.. الخيارات والمآلات
الدوحة في 12 أكتوبر /قنا/ صعدت واشنطن وتيرة قيودها الرامية إلى حرمان الصين من الاستفادة من الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات بعد أن أعلنت عن قائمة جديدة بضوابط على الصادرات، تهدف بشكل رئيسي لفرملة التقدم التكنولوجي والعسكري لبكين، وهو ما يشكل نقطة تحول جذرية في السياسات الاقتصادية والتقنية لواشنطن تجاه بكين.
والرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات هي قطع إلكترونية صغيرة تستخدم بشكل واسع في جميع الصناعات تقريبا، حيث تدخل في صناعات المعدات والسيارات والهواتف وحتى عمليات التصنيع العسكري، وقد زادت وتيرة الطلب عليها مؤخرا بعد تراجع مخزونها لدى المصنعين مع تفشي وباء جائحة كورونا "كوفيد-19" ونقص الإمداد وسلاسل التوريد.
وقد أعلنت وزارة التجارة الأمريكية في السابع من أكتوبر الجاري عن فرض إجراءات وقيود جديدة على مبيعات تكنولوجيا الرقائق الإلكترونية إلى الصين، وبموجب القواعد الجديدة، ستمنع الشركات الأمريكية من بيع رقائق معينة تستخدم في تطوير الحوسبة الفائقة والذكاء الاصطناعي للشركات الصينية.
وقال آلان إستيفيز وكيل وزارة التجارة الأمريكية الذي أعلن عن القواعد الجديدة: إن الولايات المتحدة تعمل بكل ما في وسعها لضمان منع الصين من الحصول على التقنيات الحساسة ذات التطبيقات العسكرية، لافتا إلى أن التغير المستمر في بيئة التهديد هو ما دفعهم لتحديث سياساتهم للتصدي للتحديات، مشيرا إلى أن الصين بإمكانها استخدام الرقائق والحاسبات الفائقة وأشباه الموصلات لخلق أنظمة عسكرية متطورة تتضمن أسلحة دمار شامل.
ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتزمت فعليا توسيع القيود للحيلولة دون استفادة الصين من بعض رقائق أشباه الموصلات أمريكية الصنع، وتماشيا مع سباق الهيمنة التكنولوجية أعلنت واشنطن عن دخول القواعد الجديدة إلى حيز التنفيذ فورا، وإخطار المصنعين بوقف شحنات المعدات إلى المصانع الصينية.
وعلى وقع الإجراءات الجديدة تراجعت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية في كل من كوريا الجنوبية وتايوان واليابان لتتكبد خسائر بأكثر من 240 مليار دولار من القيمة السوقية العالمية لهذا القطاع، وتصدر سهم "تايوان سميكوندكتور مانيوفكتشرنج TSMC" الانخفاض بنسبة 8 بالمئة في تعاملات أمس الثلاثاء، كما تراجع سهم "سامسونج إلكترونكس" حوالي 4 بالمئة، وهبط سهم "طوكيو إلكترون" بواقع 3.5 بالمئة.
وفي أول رد فعل لها عارضت بكين بشدة الإجراءات الأمريكية الجديدة الرامية إلى حرمانها من رقائق أشباه الموصلات، وقال متحدث باسم وزارة التجارة الصينية، في بيان: إن هذه الخطوة "ستضر على نحو خطير بالتبادلات التجارية العادية بين شركات البلدين، فضلا عن أنها ستهدد استقرار سلاسل الصناعة والإمداد العالمية".
ووصف المتحدث القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على تصدير الرقائق إلى الصين بـ "مثال نموذجي للتنمر التكنولوجي"، مضيفا أن ذلك ينتهك روح التعاون بين البلدين، ويتجاهل أيضا التعاون الفعلي بين الجانبين، مؤكدا أن التحركات الأمريكية ستضر بالحقوق المشروعة للشركات الصينية ومصالحها، وأيضا بالمصالح التجارية للمصدرين الأمريكيين.
وحث المتحدث الجانب الأمريكي على وقف ما أسماه بـ "الممارسات الخاطئة" ومعاملة الشركات من جميع الدول، بما في ذلك الصين، معاملة عادلة، موضحا أن الصين تدعو جميع الأطراف إلى تعزيز التعاون والبناء المشترك لنظام "سلاسل الصناعة والإمداد العالمية" آمن ومستقر وفعال ومنفتح وشامل ومفيد للجميع.
وليس بعيدا عن الصراع التقني المتنامي ذي الأبعاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين واشنطن وبكين، تسعي تايوان في المقابل إلى المحافظة على موقعها الريادي في صناعة أشباه الموصلات، حيث نقلت وسائل إعلامية عن رئيسة تايوان تساي إينج وين قولها: "أريد أن أؤكد على وجه التحديد نقطة واحدة للمواطنين وللمجتمع الدولي، وهي أن قطاع أشباه الموصلات في تايوان ليس في خطر"، مضيفة: "سنواصل الحفاظ على مزايا تايوان وقدرتها في عمليات تصنيع أشباه الموصلات الرائدة، وسنساعد في إعادة الهيكلة لسلسلة توريد أشباه الموصلات على مستوى العالم، بما يمنح شركات أشباه الموصلات (التايوانية) دورا عالميا أكثر أهمية".
وتعتبر تايوان أحد أهم مراكز إنتاج صناعة الرقائق الإلكترونية، وتعتمد الكثير من الشركات العالمية عليها، وتستحوذ شركة "TSMC" على أكثر من 90 بالمئة من صادرات العالم من الرقائق الإلكترونية، وتحظى منتجاتها باستخدام كبير من قبل شركات "أنتل وأبل وهواوي" وغيرها من شركات تصنيع الهواتف النقالة وأجهزة الكمبيوتر والمنتجات الإلكترونية الأخرى، فيما تستحوذ شركة سامسونج الكورية على حوالي 8 بالمئة من صادرات الرقائق الإلكترونية عالميا.
وفي خضم هذا التنافس التقني الشرس بين البلدين يتضح أن واشنطن تسعي لمحاصرة بكين بمدفعية الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات؛ للحد من توسيع قدراتها التكنولوجية، حيث جاءت النيران الأمريكية الأخيرة لزيادة الضغط على الصين في سباق الحرب الاقتصادية بين الطرفين، لا سيما أن تايوان وكوريا الجنوبية أكبر منتجين للرقائق، يعدان حلفاء للولايات المتحدة، بينما لا تزال الصين تعتمد على استيراد هذه المنتجات، وهو ما يفرض على بكين البحث عن خيارات أكثر أمانا وموثوقية لضمان سد احتياجاتها من هذه السلعة المهمة.
لكن بتتبع الخطوة الأمريكية يتضح أنها ليست وليدة اللحظة، فواشنطن ظلت تعمل بخطوات متسارعة لضمان التفوق التكنولوجي على منافسها التنين الصيني، ففي 27 يوليو الماضي صوت مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية للموافقة على حزمة بقيمة 280 مليار دولار، تهدف إلى تحفيز صناعة الرقائق الإلكترونية الأمريكية، وهو ما يمثل انتصارا لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وصناع الرقائق الأمريكيين وفقا لموقع "أكسيوس الأمريكي".
وتسعي كل من الدولتين إلى تعزيز موقعها في إنتاج الرقائق الإلكترونية التي تشكل أهمية كبيرة للصناعات العسكرية والذكاء الاصطناعي والهواتف وغيرها، بالاعتماد على المصادر الأخرى، وضمان مرونة سلاسل الإمداد والتوريد، وفي هذا السياق، تخطط الصين لبناء أكثر من 30 مصنعا جديدا للرقائق بحلول العام 2024 بحسب صحيفة "وول أستريت جورنال".
ومن الواضح أن الصين اتجهت لتعزيز إنتاجها المحلي وزيادة وتيرة العمل لتلبية الطلب المتنامي على الرقائق محليا، وربما ستبحث عن مصادر بديلة للواردات الأمريكية من الرقائق وأشباه الموصلات، لكن يبدو أن المآلات لم تتكشف معالمها بعد بشأن هذا التنافس المحتدم بين الدولتين.
/قنا/
English
Français
Deutsch
Español