حوار الاستقرار الاستراتيجي الروسي الأمريكي..محاولة للعودة عن حافة الهاوية
الدوحة في 29 سبتمبر /قنا/ تستضيف مدينة جنيف،غدا، الخميس، جولة جديدة من مفاوضات الاستقرار الاستراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة لحل الخلافات العالقة بينهما، وتشمل الأسلحة النووية، والفضاء الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي.
وتأتي المفاوضات الجديدة بعد جولة أولى منها عقدت بالمدينة ذاتها يوم الثامن والعشرين من يوليو الماضي، ولم تسفر عن أي إنجاز سوى الاتفاق على عقد لقاء جديد.
وتترأس الوفد الأمريكي للمفاوضات السيدة ويندي شيرمان مساعدة وزير الخارجية وثاني أكبر دبلوماسية بإدارة الرئيس جو بايدن، بينما يرأس الوفد الروسي نائب وزير الخارجية السيد سيرجي ريابكوف.
ووفق المصادر الرسمية الأمريكية، يعتزم الوفدان إجراء حوار جاد ومتأن يسعى لوضع أساس عمل للسيطرة على الأسلحة وإجراءات تقليل المخاطر مستقبلا.
ويرى المراقبون أن هذه المحادثات ستقرر بدرجة كبيرة مستقبل الحد من التسلح، لكنها تعقد وسط ظروف صعبة، تضغط على المفاوضين بشكل كبير وتخفض مستوى التوقعات بشأنها، وفي هذا السياق تعمل روسيا على تطوير ونشر عدد كبير من الأسلحة النووية غير التقليدية، التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وهي أسلحة قد تكون غير مقيدة بأي معاهدة أو اتفاق، كما أن العلاقات الأمريكية الروسية متوترة للغاية، حتى أن البعض يعتبرها الآن في أدنى مستوياتها بعد الحرب الباردة، ولاتزال الدولتان على خلاف حول ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، ودعمها للانفصاليين بشرق أوكرانيا، وسيطرتها على أجزاء من الأراضي الجورجية، ومحاولة اغتيال زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني، وضابط الاستخبارات العسكرية الروسية السابق سيرجي سكريبال في بريطانيا بسلاح كيماوي.
وعلى الصعيد الدولي تعقد المحادثات في وقت مزعج بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية، إذ تأتي عقب الانسحاب الأمريكي المتسرع من أفغانستان، فيما تمارس كوريا الشمالية ضغوطا من خلال تقارير تفيد بأنها استأنفت العمل بمفاعل يونغبيون النووي، وكذلك الأمر بالنسبة لتجاربها الصاروخية بعيدة المدى، بينما يلف الجمود مستقبل الاتفاق النووي الإيراني.
كما تأتي محادثات الاستقرار الاستراتيجي وسط تحركات لزيادة التواجد العسكري لموسكو وواشنطن بمنطقة القطب الشمالي، وبعد أشهر معدودة من تقارير صحفية أمريكية نقلا عن معلومات مستقاة من تحليل صور للأقمار الصناعية، مفادها أن الصين تقوم ببناء أكثر من 100 صومعة للصواريخ بصحرائها الغربية، من المحتمل أنها تحتوي على صواريخ باليستية عابرة للقارات، وذلك في إشارة إلى توسع محتمل بقدراتها النووية.
ويقول محللون غربيون إن هذه الأجواء تفرض على الولايات المتحدة إبقاء توقعات التقدم بشأن الاستقرار الاستراتيجي وقضايا الحد من التسلح منخفضة حاليا على الأقل، ويرجح هؤلاء أن تحاول روسيا الاستفادة من الصعوبات المحيطة بالسياسة الخارجية لإدارة بايدن بجميع أنحاء العالم لتعزيز مصالحها في القضايا والموضوعات الاستراتيجية وغيرها.
وكان مفاوضو الطرفين قد عقدوا اجتماعهم الأول بجنيف يوم الثامن والعشرين من يوليو الماضي، وقال الوفد الأمريكي آنذاك إنه طرح خلال اللقاء أولويات واشنطن السياسية وتصوراتها للتهديدات التي يتعرض لها الاستقرار الاستراتيجي، وآفاق الحد من الأسلحة النووية الجديدة، وشكل جلسات الحوار مستقبلا.
أما الخارجية الروسية فأعلنت أن الوفدين ناقشا بصورة شاملة مناهج الجانبين للحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي، وآفاق الحد من التسلح والمخاطر، وأشارت إلى وجود خلافات كبيرة بين الطرفين حول قضايا رئيسية، غير أنها أكدت وجود نقاط تقارب يمكن الاستفادة منها.
وفي الأسابيع التي سبقت الجولة الأولى، دعا العديد من المسؤولين الروس لتركيز الحوار أولا على إجراء مراجعة مشتركة للمخاوف الأمنية للطرفين نظرا للأولويات المختلفة لهما بشأن الاستقرار الاستراتيجي، فقد طرح الوفد الروسي، موضوع الدفاعات الصاروخية الأمريكية خلال الحوار، ورد الوفد الأمريكي بالقول: إن تلك الأنظمة الدفاعية تهدف إلى مواجهة التهديدات من إيران وكوريا الشمالية وليس روسيا، كما عبر عن رغبته في التعامل مع الأسلحة النووية الروسية غير الاستراتيجية وأنظمة إيصال الأسلحة النووية الجديدة، وكذلك إشراك الصين في عملية الحد من التسلح.
ويتمثل الهدف الرئيسي للحوار في إرساء الأساس لإجراءات مستقبلية للحد من التسلح والحد من المخاطر، وذلك بعد أكثر من عقد من الجمود، وقبل انتهاء آخر اتفاقية متبقية للحد من الأسلحة خلال خمس سنوات بين أكبر قوتين نوويتين بالعالم.
وعلى الرغم من أهمية الاتفاقية المعروفة باسم ستارت الجديدة إلا أنها ليست كافية لضمان تجنب حرب نووية شاملة، وهو ما يعني أن على واشنطن وموسكو التحرك بسرعة لإيجاد حلول جديدة فعالة قبل انتهاء صلاحية المعاهدة عام 2026.
وكان الرئيسان الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين قد اتفقا على إعادة إطلاق حوار الاستقرار الاستراتيجي الثنائي خلال قمتهما في يونيو الماضي، وفي بيان مشترك صدر عقب القمة، قال الرئيسان بايدن وبوتين: "إن هذا الحوار سيكون متكاملا ومدروسا وقويا"، وأوضح بايدن في مؤتمر صحفي عقب القمة أن الحوار سيعمل على آلية يمكن أن تؤدي إلى السيطرة على أسلحة جديدة وخطيرة ومتطورة قادمة، تقلل من أوقات الاستجابة، الأمر الذي يثير احتمالات وقوع حوادث عرضية، كما أعاد البيان المشترك التأكيد على بيان عام 1985، الذي أدلى به الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف بأن "الحرب النووية لا يمكن كسبها ويجب عدم خوضها مطلقا".
ويرى المراقبون أن حوار الاستقرار الاستراتيجي محاولة لإبعاد العالم عن حافة الهاوية، خاصة وأن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معا أكثر من 8000 رأس نووي، وهو ما يمثل أكثر من تسعين بالمئة من المخزون النووي العالمي، وفي ظل المناخ الحالي، تزداد مخاطر اندلاع صراع نووي قد لا يريده أي من الطرفين، ولا يمكن لأي طرف الفوز فيه، وهو ما يؤكد أن نزع السلاح النووي ليس خيارا وإنما ضرورة لبقاء الإنسان أينما وجد، وأن لدى موسكو وواشنطن مصلحة ومسؤولية مشتركة في منع نشوب صراع نووي، لأن من شأنه أن يكون كارثيا لشعوب البلدين والأرض قاطبة.
English
Français
Deutsch
Español