هل تتغير السياسة الألمانية بعد انتخابات البوندستاغ واختيار مستشار جديد غدا ؟
الدوحة في 25 سبتمبر /قنا/ تحبس ألمانيا أنفاسها غدا الأحد، مع بدء التصويت في انتخاباتها البرلمانية، التي يصعب التنبؤ بنتائجها، لكنها ستحدد الشخصية التي ستخلف المستشارة أنجيلا ميركل التي قررت ألا تخوض هذا السباق والانسحاب من الحياة السياسية، بعد ستة عشر عاماً أمضتها في السلطة.
ويتوجه نحو ستين مليون ناخب ألماني يحق لهم التصويت، إلى صناديق الاقتراع صباح الغد لاختيار مرشحيهم للبرلمان الجديد المعروف بالبوندستاغ، وتتميز ألمانيا وهي أقوى اقتصاد بالقارة الأوروبية، بنظام انتخابي معقد للغاية، يجعل من الصعب على أي من الأحزاب المتنافسة الفوز بالأغلبية المطلقة وتشكيل حكومة بمفرده، وهو ما جعل تشكيل حكومات ائتلافية أمرا شائعا بالنظام السياسي الألماني.
ولا يصوت الألمان مباشرة لانتخاب مستشار جديد، بل يختارون النواب الذين يقومون باختيار الشخصية التي ستقود بلادهم للسنوات الأربع المقبلة، ويخوض الانتخابات سبعة وأربعون حزباً ، لكن النظام الانتخابي يشترط لدخول البرلمان ، حصول الحزب على نسبة خمسة بالمئة من مجمل أصوات الناخبين على الأقل.
وسيبدأ صدور النتائج الأولى للانتخابات مساء غد الأحد، وعقب الإعلان عن الأحزاب الفائزة، تبدأ المفاوضات لمحاولة بناء تحالف يكون أساسا للحكومة الجديدة. وقد تطول هذه المفاوضات لأسابيع وربما تمتد لعدة أشهر، فبعد انتخابات عام 2017 ، احتاج حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة أنجيلا ميركل 117 يوما لتشكيل الحكومة، وإلى أن يتم تشكيل حكومة جديدة، ستواصل حكومة ميركل مهامها وتصريف أعمال الدولة.
وتتصدر المنافسة الانتخابية ستة أحزاب قدمت مرشحيها لخلافة المستشارة ميركل وهم: أولاف شولتس عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وأرمين لاشيت بدعم من الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد المسيحي الاجتماعي، وأنالينا بربوك عن حزب الخضر، وكريستيان ليندنر من الحزب الديمقراطي الحر، والثنائي تينو تشروبالا وأليس وايدل عن حزب البديل اليميني المتطرف. ووفق الأرقام والاستطلاعات فإنه أمام أول ثلاثة مرشحين فرصة حقيقية للفوز بمنصب المستشار ، أما بالنسبة للثلاثة الآخرين فإن الفرصة شبه معدومة.
وقد جرت العادة أن يفوز الحزب الديمقراطي المسيحي بالمرتبة الأولى والحزب الاشتراكي الديمقراطي بالمرتبة الثانية، غير أن صعود نجم مرشح الحزب الاشتراكي أولاف شولتس وتقدمه باستطلاعات الرأي قد يقلب المعادلة هذه المرة. ولكن مع وجود عدد كبير من "الناخبين المترددين"، فإن النتيجة تعتبر غير محسومة، وهو ما يعني أن المفاجآت أمر وارد ومحتمل.
ويتوقع معظم المراقبين أن تسفر الانتخابات عن ائتلاف حاكم من ثلاثة أحزاب، لكن ليس من الواضح بعد ممن سيتكون الائتلاف.
وكانت الأسابيع الأربعة الأخيرة في ألمانيا حافلة بالحملات الانتخابية للمرشحين، وقد تقدمت قضايا البيئة وحماية المناخ إلى مركز الصدارة بالنقاش العام بعد فيضانات يوليو المدمرة، وأكدت الأحزاب الثلاثة المتصدّرة للاستطلاعات أنها تهدف لتطبيق أجندة تعنى بحماية البيئة حال انتخابها، فيما قدّم /حزب الخضر/، حزمة إجراءات اعتبرت الأكثر طموحا.
وانخرطت ميركل شخصيا بالحملات الانتخابية وحضّت الناخبين على التصويت لصالح مرشّح تحالفها المحافظ "أرمين لاشيت" من أجل إبقاء ألمانيا مستقرة، ويصور لاشيت نفسه على أنه الوريث الطبيعي لميركل. ويعتبره المحللون نسخة مصغرة منها حيث يُعرف لاشيت بأنه وسطي يفضل التكامل على الاستقطاب. وقد حصل لاشيت البالغ من العمر 60 عاماً ،على إجازة بالقانون وعمل كصحفي قبل أن ينضم إلى البرلمان الألماني عام 1994. ثم أصبح حاكم ولاية شمال الراين وستفاليا، معقل يسار الوسط والأكثر تعداداً للسكان عام 2017. وهو متحمس للاتحاد الأوروبي ويرى أن على المستشار الجديد تكثيف الحوار مع الديمقراطيات بوسط وشرق أوروبا.
ويأمل لاشيت بإحراز تقدم في مواجهة التحديات العالمية بمساعدة الرئيس الأمريكي جو بايدن، كما يعتقد أن ألمانيا، ووراءها التكتل الأوروبي بحاجة إلى روسيا بالعديد من القضايا الدولية، ويشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ شريطة ألا تخنق الاقتصاد.
أما المرشح الثاني فهو أولاف شولتس الشخصية القيادية بالحزب الاشتراكي الديمقراطي ، وتولى منصب وزير المالية في حكومة ميركل الرابعة وهو نائبها أيضا.
ويتمتع شولتس بشخصية براغماتية رصينة، وثقة بالنفس لا تتزعزع. ومع بداية جائحة كورونا سرعان ما وضع شولتس (63 عاماً) نفسه كرئيس لفريق مجابهة انتشار الفيروس، ولكونه وزير المالية، فهو مسؤول عن المليارات من المساعدات والقروض التي تهدف إلى النهوض بالاقتصاد والمواطنين خلال الأزمة.
تمكن الرجل من شق طريقه على السلم الوظيفي السياسي، بصمت وكفاءة، حيث شغل منصب السكرتير العام للحزب الاشتراكي الديمقراطي، ومنصب وزير داخلية وعمدة هامبورغ قبل أن يذهب إلى برلين عام 2018 وزيرا بحكومة ميركل.
وتشير استطلاعات الرأي إلى وجود فارق ضئيل بين المرشحين، حيث يتقدم شولتس بحزبه الاشتراكي الديمقراطي أمام لاشيت الذي ينتمي للتحالف
المسيحي بفارق 3 نقاط مئوية فقط.
أما مرشحة حزب الخضر أنالينا بيربوك، البالغة من العمر 40 عاما فتأتي بالمركز الثالث ، وتقول إنها تمثل بداية جديدة لألمانيا ، وتجسد التجديد في بلد حريص على التغيير بعد 16 عاماً من القيادة المحافظة لميركل ، وتصر على ضرورة أن تكون الحكومة الألمانية المقبلة حكومة مدافعة عن المناخ وتقول إن ذلك لن يتم ذلك إلا بوجود "حزب خضر قوي".
تخوض أنالينا بيربوك معركة المستشارية وفق برنامج يركز بجانب قضية المناخ على ضرورة زيادة الضرائب على الأغنياء وإغلاق آخر محطة للطاقة النووية بألمانيا والتعاون مع الولايات المتحدة بمواجهة الصين وروسيا. في حالة فوزها في الانتخابات، ستكون بيربوك أول مستشارة خضراء ، وأول أم تشغل هذا المنصب، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن فوزها سيكون "صراعاً شاقا"ً على أقل تقدير.
وبانتظار نتائج الانتخابات الألمانية ، تستعد ميركل لترك منصبها كواحدة من أطول قادة ألمانيا الحديثة خدمة وأثقلهم وزنا على صعيد السياسة والدبلوماسية العالمية ، مع نجاح لافت في إدارتها لسلسلة من الأزمات التي هزت أوروبا ، ووضعت ميركل ألمانيا على مسار المستقبل بدون الطاقة النووية والوقود الأحفوري ، ونجحت بإدخال حد أدنى وطني للأجور وخفضت عدد العاطلين عن العمل وقدمت مزايا تشجع الوالدين على رعاية الأطفال الصغار ، وقادت المعركة مع جائحة كورونا بنجاح جعل ألمانيا أفضل حالاً من بعض أقرانها. ووصفها المراقبون بأنها كانت مرساة للاستقرار أثناء الأوقات العصيبة، وكانت أزمة اللاجئين عام 2014 ، التحدي الإنساني الأكبر لفترة حكم ميركل ، وقد قررت فتح الحدود أمام آلاف اللاجئين العالقين بهنغاريا عام 2015، و دعت البلاد بأسرها للتضامن، من خلال عبارتها الشهيرة: "لقد نجحنا في تحقيق الكثير، سوف ننجح في هذا أيضا".
وخلال عام 2005 كانت أول سيدة يتم انتخابها لمنصب المستشار الاتحادي، كما كانت أول مواطنة من ألمانيا الشرقية تشغل هذا المنصب، وستصبح أول مستشارة ألمانية تترك السلطة بمحض إرادتها.
English
Français
Deutsch
Español