تمديد ستارت 3... هل يحمي العالم من التهديدات النووية؟
بايدن و بوتين يتوصلان لاتفاق على تمديد معاهدة ستارت 3 لخمس سنوات مقبلة
الدوحة في 04 مارس / قنا / بعد أربع سنوات من المشاورات والأخذ والرد، منحت روسيا والولايات المتحدة معاهدة ستارت 3، الخاصة بالحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية فرصة للبقاء على قيد الحياة، ومددتا العمل بها لخمس سنوات مقبلة تنتهي يوم الخامس من فبراير 2026.
ومن الواضح أن أول اتصال هاتفي بين الرئيسين الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين يوم السادس والعشرين من يناير الماضي، كان له بالغ الأثر بالتوصل للاتفاق على تمديد المعاهدة، التي كان من المقرر أن تنتهي يوم الخامس من فبراير الماضي، لكن الرئيس بايدن اقترح تمديدها خمس سنوات أخرى، وهو ما رحبت به روسيا بسرعة، وشجع عليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
ويرى الجانب الروسي أن تمديد المعاهدة يتوافق مع المصالح القومية الروسية ويتيح الحفاظ على شفافية العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وواشنطن، ويدعم الاستقرار الاستراتيجي بالعالم، وبالمقابل يرى الجانب الأمريكي أن تمديد "ستارت 3" يجعل العالم أكثر أمنا، ويمثل بداية لجهود الإدارة الأمريكية الجديدة الرامية لضمان الرقابة الفعالة على التسلح مما يخفض مخاطر الحرب ويتيح منع سباق التسلح.
ولم يكن أمام الدولتين الكثير من الخيارات بشأن آخر معاهدة متبقية لمراقبة الأسلحة النووية بينهما، بعد انسحابهما عام 2019 من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى الموقعة عام 1987، فإما تمديد المعاهدة أو تعديلها أو انتهاء العمل بها وفتح الباب على مصراعيه أمام سباق تسلح خلال القرن الحادي والعشرين بين القوتين اللتين تمتلكان بالفعل 90 بالمائة من الترسانة النووية الدولية.
ويقول المراقبون إن عدم تمديد المعاهدة كان يعني انتهاء نظام الحد من التسلح الذي اعتمد عليه العالم لنحو نصف قرن، والذي منع العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا من تجاوز حافة الهاوية، وقد حصرت المعاهدة ترسانة الدولتين النووية من الصواريخ عابرة القارات بما لا يزيد عن 700 رأس نووي بقواعد أرضية، و1550 صاروخا نوويا محملة على الغواصات والقاذفات الجوية الإستراتيجية، مع امتلاك 800 منصة ثابتة وغير ثابتة لإطلاق صواريخ نووية، وهي أعداد رغم تخفيضها كفيلة بالقضاء على الحضارة الإنسانية، وتدمير الكوكب عدة مرات.
وقد رفضت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، البحث في تجديد أمد المعاهدة الزمني، واعتبرت أن واشنطن أخطأت عندما قبلت التقيد بها، لأنها لم تشمل 60 بالمائة من الترسانة النووية الروسية من صواريخ نووية متوسطة وقصيرة المدى، وأصرت إدارة ترامب على ضرورة دمج الصين بمنظومة اتفاقيات نزع الأسلحة النووية، حتى لا تترك حرة فتطور ترسانتها النووية بعيدا عن أي شفافية أو قيود وضوابط ضمن اتفاقيات دولية أو معاهدات ثنائية ملزمة، غير أن الصين رفضت ذلك بشكل قاطع، مبررة موقفها بأن ترسانتها النووية محدودة للغاية إذا ما قورنت بالترسانتين الروسية والأمريكية.
ولم توافق إدارة ترامب سوى على تمديد مشروط مدته عام واحد للمعاهدة، يتم خلاله التفاوض حول اتفاق أوسع، لكن المحادثات مع موسكو لم تفض إلى نتيجة.
وعلى عكس ما كانت تطالب الولايات المتحدة فقد تم تمديد المعاهدة بنصها دون إضافة أو تعديل، وعلى الرغم من الإيجابيات التي يتيحها تمديد معاهدة ستارت 3، إلا أن الترسانات النووية والعسكرية للطرفين مازالت تستقبل المزيد من الصواريخ والأسلحة ذات القدرات التدميرية المرعبة، الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى تمديد المعاهدة والأمن الاستراتيجي الدولي ومستقبل سباق التسلح.
وعلى ضوء ذلك، قد تزايد مؤخرا الحديث عن أسلحة متطورة وتكررت الاتهامات عن عسكرة الفضاء وجيل جديد من الأسلحة التي لا تقهر، وطوربيدات أسماها الخبراء سلاح يوم القيامة، وقنابل نووية ذكية ونشر صواريخ استراتيجية عابرة للقارات لا يمكن اعتراضها، وصواريخ يصل مداها إلى 18 ألف كيلومتر، وصواريخ تطير بسرعة تفوق سرعة الصوت بسبع وعشرين مرة، وصواريخ وقنابل قادرة على سحق وإزالة دول أو مدن كبرى بأكملها من الوجود.
كما شرعت الولايات المتحدة ببناء قوة فضائية قدرت تكلفتها بثلاثة عشر مليار دولار، ويتمثل أبرز مهامها حماية أكثر من 100 قمر صناعي تخدم وكالات الاستخبارات والأمن القومي الأمريكية، وتطوير قدرات عسكرية هجومية، والدعم الفضائي للقيادة والسيطرة النووية، والتحذير من الصواريخ.
ويرى كبار القادة العسكريين الأمريكيين أن تحديث الأسلحة النووية أمر حتمي، لأن الاستراتيجيات العسكرية تطورت بشكل كبير منذ القرن الماضي، مع ظهور أنواع متعددة ومختلفة من التهديدات الكبرى، وأضافوا خلال ندوة افتراضية حول حرب الفضاء عقدت مؤخرا أن الردع خلال القرن الحادي والعشرين مختلف تماما عما كان عليه خلال القرن العشرين، لأن الهجوم الاستراتيجي لم يعد من الممكن تعريفه فقط على أنه هجوم نووي، بل يمكن أن يكون إلكترونيا أو كيميائيا أو بيولوجيا أو فضائيا أو تقليديا، وقد ينفذ بطريقة أسرع من الصوت ضد هدف معين وقد يسبب مشاكل استراتيجية للولايات المتحدة.
وقالوا إن روسيا أكملت للتو عشرين عاما من التحديث لمنشآتها النووية، بصواريخ باليستية جديدة عابرة للقارات وغواصات مزودة بصواريخ باليستية، وصواريخ كروز جديدة محملة على قاذفات محدثة، وأسلحة نووية جديدة كليا لا تغطيها أي معاهدة، وعبر هؤلاء القادة عن دعمهم لمعاهدة ستارت الجديدة، التي وافقت إدارة الرئيس بايدن على تمديدها لخمس سنوات، وقالوا إنها تضع قيودا ونظام تحقق يمنح الولايات المتحدة رؤية جيدة للقدرات والتفكير النووي الروسي.
وبالرغم من وقوع خفض كبير يقدر بخمسة وسبعين بالمائة للأسلحة النووية التي نشرت في ذروة الحرب الباردة، فإنه لم يدمر فعليا منذ سنوات، ولا رأس نووي واحد وفقا لاتفاقية سواء أكانت ثنائية أو متعددة الأطراف، ويمتلك العالم حاليا حوالي 14000 سلاح نووي تخضع لسيطرة تسع دول، لكن الغالبية العظمى من هذه الأسلحة تنتمي إلى الولايات المتحدة وروسيا.
ومما يزيد من المخاطر والقلق على مستوى العالم أن العديد من هذه الأسلحة تقف بحالة تأهب قصوى، وجاهزة للإطلاق خلال دقائق قليلة فقط، بناء على قرارات مجموعة من البشر المعرضين للخطأ وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، كما أن التدخل السيبراني بالقيادة والتحكم وأنظمة الإنذار لأي دولة مسلحة نوويا يزيد بشكل كبير من مخاطر التحذيرات الكاذبة والحرب النووية عن طريق الخطأ، الأمر الذي يؤكد أهمية معاهدات الحد من الأسلحة النووية، وضرورة توسيعها من حيث الدول المشاركة أو لجهة الأسلحة التي تشملها، وذلك وصولا للهدف الإنساني المتمثل بنزع كامل للسلاح النووي لصالح الكوكب ومن يعيشون على ظهره.
تقرير الأبحاث والدراسات
English
Français
Deutsch
Español