45 عاما على ذكرى يوم الأرض الفلسطيني
الدوحة في 30 مارس /قنا/ يعتبر يوم الأرض في الثلاثين من مارس من كل عام، يوما وطنيا وتاريخيا يحييه الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، ومحطة مفصلية في مسيرته النضالية الطويلة بمواجهة السياسات العنصرية التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تهدف بشكل أساسي إلى إفراغ الأرض الفلسطينية من أصحابها وتهجيرهم، وترجمة المقولة الصهيونية الشهيرة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) إلى واقع مفروض بالقوة والقمع والقتل، وشتى الممارسات اللاإنسانية والخارجة عن القانون الدولي وإرادة المجتمع الدولي.
ويصادف اليوم الذكرى الخامسة والأربعين ليوم الأرض، وتعود أحداث هذا اليوم، لعام 1976، عندما هب الفلسطينيون يوم 29 مارس 1976 للدفاع عن أراضيهم في منطقة الجليل والمثلث شمال فلسطين المحتلة عام 1948، واستطاعوا إفشال خطة استيطانية عنصرية عرفت حينذاك بـ "وثيقة كينغ"، التي وضعها "يسرائيل كينغ" متصرف لواء الشمال بوزارة داخلية الكيان الإسرائيلي.
وتضمنت "وثيقة كينغ" معطيات ديموغرافية جاء فيها "أن عدد السكان العرب في إسرائيل بلغ عام 1948 نحو 150,000 نسمة، بينما في سنة 1975 وصل إلى 430,000 نسمة، أما نسبة التكاثر في الوسط العربي فهي 5.9 بالمائة، بينما في الوسط اليهودي 1.5 بالمائة، وعليه يوجد خطر ديموغرافي حيث من المتوقع أن يكون العرب في عام 1978 أكثر من 51 بالمائة من سكان الشمال، وهناك خطورة من اتصالهم بالدول المجاورة، وطلبهم الانفصال عن الدولة. بناء على ذلك يجب التسريع في الاستيطان وتكثيف الوجود اليهودي في الجليل، ومنع العرب من شراء أراض في مناطق الناصرة العليا وعكا ومرج بني عامر".
وبناء على المعطيات السابقة أصدرت سلطات الاحتلال قرارا بمصادرة 21 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية في الجليل، ورافق القرار إعلان حظر التجول على قرى سخنين، عرابة ودير حنا وطرعان وطمرة وكابول، شمال فلسطين المحتلة، إلا أن أبناء تلك القرى كسروا الحظر ونظموا مظاهرات ومسيرات واجهتها سلطات الاحتلال بالرصاص الحي، فسقط أول الشهداء في بلدة عرابة فدعا الفلسطينيون إلى أن يكون اليوم التالي 30 مارس يوما للإضرابات العامة والاحتجاجات ضد مصادرة الأراضي.
وفي ذلك اليوم عم الإضراب العام وانطلقت المسيرات الجماهيرية من الجليل شمال فلسطين المحتلة إلى النقب جنوبا، احتجاجا على قرار مصادرة الأراضي، قامت سلطات الاحتلال بقمع المظاهرات بوحشية مفرطة مما أسفر عن استشهاد خمسة فلسطينيين آخرين وأصيب المئات بجروح، وبلغت حدة المواجهات بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي لدرجة استخدام دباباته في اقتحام القرى الفلسطينية.
وتذرعت سلطات الاحتلال في مصادرتها للأراضي الفلسطينية بـ قانون "يسمح لها بمصادرة وتوزيع الأراضي المملوكة لفلسطينيين على مهاجرين يهود بحجة عدم استثمارها من قبل أصحابها، وكانت تلك السلطات منعت الفلسطينيين بقرار الحكم العسكري من دخول أراضيهم الزراعية لمدة تزيد عن عام كامل، ثم ما لبثت أن صادرتها بعد أن سنت قانون "أملاك الغائبين" الذي سمح للاحتلال بمصادرة الأراضي المملوكة للفلسطينيين الذين هجرتهم العصابات الصهيونية من بيوتهم في الداخل الفلسطيني 1948 إلى الدول العربية المجاورة، واستخدم أيضا لمصادرة أراضي المواطنين الفلسطينيين الذين لجأوا إلى مناطق أخرى داخل فلسطين، بعد تصنيفها في القانون على أنها من"أملاك الغائبين".
إن الذي صنع من يوم الأرض حدثا مفصليا واستثنائيا في الصراع على الأرض هو أنه وقع للمرة الأولى في الأراضي التي احتلت في عام النكبة الفلسطينية عام 1948، التي أصبحت جزءا من الكيان الاسرائيلي وكان الاحتجاج بصفة جماعية عملا غير مسبوق في تاريخ الصراع. ولم تكن سلطات الاحتلال تتوقع أن يكون قرارها سببا في ولادة رمز وطني فلسطيني جديد، ضمن الرموز التي يتوارثها الفلسطينيون ويحتفون فيه بشهدائهم.
وفي مطلع سنة 1975 اتضحت معالم مخطط جديد للسلطات الإسرائيلية عرف باسم مشروع تهويد الجليل "وثيقة كينغ" لسلب مساحات كبيرة من الأرض، حتى المعد منها للبناء في القرى العربية، وفي 29/7/1975 عقد اجتماع تمهيدي في مدينة حيفا حضره عدد من المبادرين للقيام بحملة احتجاج على مصادرة الأراضي، وضم رؤساء سلطات محلية وأعضاء مجالس ومحامين وأطباء ومثقفين وأصحاب أرض وصحفيين وقرروا تشكيل لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي ثم عقدوا اجتماعا موسعا في مدينة الناصرة بتاريخ 15/8/1975، ومن أهم القرارات التي تم اتخاذها عقد مؤتمر شعبي للمطالبة بوقف المصادرة وإصدار نداء إلى الرأي العام وقعه آلاف الفلسطينيين وجميع الهيئات الشعبية والمجالس المحلية العربية في الداخل الفلسطيني. وواصلت لجنة المبادرة عقد عشرات الاجتماعات في الجليل والمثلث – شمال فلسطين، وتوجهت إلى لجنة سكان النقب – جنوب فلسطين - العرب للدفاع عن الأرض لتوحيد الجهود في هذه المعركة المصيرية .
وتفيد أرقام "لجنة الدفاع عن الأراضي" بأن السلطات الإسرائيلية صادرت نحو مليون ونصف المليون دونم (عدا منطقة النقب) من أراضي العرب الذين بقوا على ارض الوطن منذ عام 1948 حتى العام 1976، فلم يبق بحوزتهم سوى نحو نصف مليون دونم فقط، وهذا لا يشمل طبعا ملايين الدونمات من أملاك الغائبين وأراضي قرية "الجفتلك" في الأغوار الشمالية وهي المساحات المسجلة على اسم "المندوب السامي" منذ عهد الانتداب الإنجليزي، ولم يكن "التطوير" إلا هدفا معلنا للتستر على أهداف صهيونية لمواصلة تطبيق فكرة الدولة اليهودية وتهويد الجليل وتضييق الخناق على فلسطينيي 48 حفاظا على الميزان الديموغرافي الذي سعت الحركة الصهيونية والسلطات الإسرائيلية لتكريسه لصالح أغلبية يهودية ثابتة ومطلقة.
ويعتبر المؤرخون والمهتمون بالشأن الفلسطيني أن هذا الحدث شكّل مفصلاً مركزيا ومحورا أساسيا في تطور الوعي الجماعي لدى المجتمع الفلسطيني، وفي علاقة هذا المجتمع بإسرائيل .. وقد بقي يوم الأرض يوما وطنيا يغذّي ويحيي الذاكرة الجماعية الفلسطينية. ويؤكد العنصر الأكثر أهمية في الوجود الفلسطيني تاريخيا وإنسانيا وحضاريا، ألا وهو العلاقة العضوية بين الشعب والأرض.
واليوم تزداد معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي وتتزايد مخاطره التي تهدد أسباب معيشته ووجوده وما تبقى من أرضه في ظل تغول سياسات حكومته اليمينية المتطرفة ونهمها الاستيطاني ونواياها، لضم معظم أراضي الضفة الغربية المحتلة والقدس والأغوار وفي ظل واقع سياسي فلسطيني وإقليمي ودولي لا تبدو رياحه معاكسة لتلك السياسات الإسرائيلية.
English
Français
Deutsch
Español