ميانمار تغرق في المجهول بعد أسابيع من انقلاب فبراير
الدوحة في 16 مارس /قنا/ يوما بعد يوم تغرق ميانمار في الفوضى والمجهول جراء الانقلاب العسكري على السلطة الشرعية الذي جرى في الأول من فبراير الماضي، وبات قادة الجيش أمام خيارات صعبة ومحدودة وبين فكي كماشة، فالرفض الدولي للتعامل معهم والذي يكلفهم الكثير تصاحبه احتجاجات وإضرابات عمالية وشعبية داخلية لم تتوقف على الرغم من مقتل أكثر من مائة وثمانين شخصا بالرصاص الحي، واعتقال أكثر من ألفي شخص، بينهم برلمانيون وناشطون سياسيون وكتاب وحقوقيون ومدرسون وعاملون بالمجال الصحي وموظفون حكوميون وصحافيون.
وقد أعاد الانقلاب العسكري ميانمار للمربع الأول، بعد ثماني سنوات من الديمقراطية والحكم المدني، وحول الاحتجاجات الشعبية المتواصلة إلى إضرابات عمالية وحركة عصيان مدني آخذة بالاتساع، مما دفع السلطات العسكرية لإعلان الأحكام العرفية بعدة مناطق من العاصمة التجارية "يانغون"، بعد أن طلبت السفارة الصينية من السلطات حماية الشركات المملوكة لمواطنيها والتي تم إضرام النيران بالعديد منها خلال اشتباكات مطلع هذا الأسبوع، فضلا عن مواجهة أي شخص موقوف بتلك المنطقة لمحاكمة عسكرية تتراوح أحكامها بين السجن مع الأعمال الشاقة لثلاث سنوات، والإعدام.
وفي الأثناء، حذر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة من أزمة اقتصادية خطيرة للغاية قد تعصف بميانمار، لاسيما في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والوقود ووسط استمرار الاضطرابات، حيث أوضح أن تداعيات الوضع الراهن على الجانب الاقتصادي ستكون خطيرة جدا بحال استمرار الوضع على ما هو عليه، مضيفا أن جائحة "كوفيد-19" زادت نسبة الفقر بين المواطنين، حيث فقد الكثيرون وظائفهم ومصادر دخلهم.
كما أدى استيلاء الجيش على السلطة إلى اضطراب اقتصادي أكبر، خاصة وأن أعدادا ضخمة من العمال لم تعد تعمل، وباتت جزءا من حركة عصيان مدني تعارض الانقلاب.
وتأتي هذه التطورات الخطيرة بعد أن أعلن جيش ميانمار تسلمه السلطة واحتجازه لزعيمة البلاد المدنية المنتخبة أونج سان سو تشي ومعظم قيادات حزبها "حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية " مطلع فبراير الماضي، بدعوى تزوير الانتخابات التي شهدتها ميانمار خلال نوفمبر الماضي، وفاز بها حزب سو تشي بأغلبية ساحقة .
وأعلن الجيش في أعقاب ذلك حالة الطوارئ لمدة عام في بلاده، وعين مجلسا عسكريا حاكما، وسلم السلطة للقائد العام للقوات المسلحة مين أونغ هلاينغ، ووضعت سو تشي الحائزة على جائزة نوبل للسلام، قيد الإقامة الجبرية ووجهت لها العديد من التهم، منها امتلاك أجهزة اتصال لاسلكية غير مرخصة وانتهاك قيود فيروس كورونا من خلال تنظيم حدث انتخابي خلال انتخابات العام الماضي، وهي اتهامات يمكن أن تبقيها بالسجن لعدة سنوات، وكان من المقرر أن تمثل سو تشي البالغة من العمر خمسة وسبعين عاما، أمام محكمة في يانغون أمس الإثنين، لكن المحكمة لم تجتمع بسبب مشاكل بالإنترنت، وتم تأجيل الجلسة حتى الرابع والعشرين من مارس الجاري.
وقد عطل قادة جيش ميانمار خدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة، وأغلقوا وسائل الإعلام المعارضة لهم لكنهم لم يحصلوا على ما يتمنون، بل تلقوا إدانات من كل جهة لانقلابهم الذي مضى عليه ستة أسابيع .
وكان يوم الأحد الماضي، الأكثر دموية منذ الانقلاب، حيث تأكد مقتل ما لا يقل عن أربعة وأربعين شخصا في الاضطرابات التي تشهدها العديد من مدن ميانمار، وعلى الرغم من إراقة الدماء وحملة القمع الصارمة التي ينفذها الجيش، يواصل المتظاهرون والمحتجون النزول للشوارع مطالبين باستعادة الديمقراطية.
ووجه القائم بأعمال رئيس الحكومة المدنية الموازية في ميانمار، ماهن وين خاينج ثان، كلمة للشعب لأول مرة يوم السبت الماضي عبر شبكة التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" من مكان اختبائه، متعهدا خلالها بالمضي قدما بالثورة للإطاحة بالمجلس العسكري والقادة العسكريين الذين استولوا على السلطة، علما أن خاينج ثان وسياسيين من حزب الرابطة من أجل الديمقراطية، كانوا قد فروا هربا من القاء القبض عليهم، وشكلوا حكومة مدنية موازية يسعون من خلالها للحصول على اعتراف دولي كحكومة شرعية في ميانمار.
في غضون ذلك، حذر المجلس الاستشاري الخاص لميانمار، وهو مجموعة من الخبراء الدوليين يتألف من مسؤولين سابقين بالأمم المتحدة، من أن حملة عسكرية كبيرة قد تكون وشيكة مع عواقب وخيمة، داعيا إلى تدخل سياسي دولي عاجل، معتبرا أن الاستجابة الدولية لمواجهة الانقلاب "كانت ضعيفة حتى الآن".
وفيما يتزايد الضغط الدولي بشكل مطرد على قادة ميانمار العسكريين، أدان مجلس الأمن الدولي أعمال العنف هناك، بينما عارضت دول كالصين وروسيا استخدام لغة أقوى أو فرض عقوبات على قادة جيش تلك الدولة الآسيوية، فيما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عليهم سلسلة متنوعة من العقوبات، كما أعلن بنك التنمية الآسيوي تعليقه المؤقت لتمويل المشاريع الحكومية هناك، وأصبحت كوريا الجنوبية أول دولة آسيوية تتخذ إجراءات جادة ضد ميانمار، في وقت أعلنت شركات كندية ويابانية ودنماركية وقف تعاملها مع الشركات المملوكة للجيش في ميانمار.
ويقول المراقبون إن هذه الضغوط ستكون كفيلة بخنق المصادر الرئيسية للإيرادات التي تبقي كبار الضباط بميانمار على رأس السلطة، ويضيف المراقبون أن الضغط الخارجي الفعال ربما ينبغي أن يأتي من أعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا، وتحديدا سنغافورة، كونها أحد أكبر المستثمرين هناك.
وقد عرض جيران آسيويون المساعدة بحل الأزمة، لكن ميانمار ترفض التدخل الخارجي، فيما يراهن المراقبون على وساطة صينية لإيجاد مخرج وحل وسط للأزمة بحكم علاقاتها وروابطها الاستراتيجية معها. كما تشدد بعض الأطراف على أنه دون وساطة خارجية، فإن الصراع والمواجهات المؤلمة في ميانمار ستستمر كحرب استنزاف مفتوحة بين الجيش والمعارضة، ولا أحد يعرف على وجه الدقة مدتها، أو تفاصيلها ولا حتى شكل نهايتها .
English
Français
Deutsch
Español