التغير المناخي .. خطوط حمراء أمام الأمن الغذائي العالمي
الدوحة في 31 يناير /قنا/ سيظل عام 2020 محفوراً بذاكرة التاريخ باعتباره عام الجائحة التي هزت العالم وعصفت باقتصاده وزلزلت أركانه، لكنه سيدخل التاريخ أيضا من باب آخر، فقد كان أكثر السنوات حرارة خلال العقود الأخيرة، ما فتح الباب أمام ظواهر مناخية شرسة، وأشد فتكاً من أي وقت مضى.
وقد طغت جائحة كورونا "كوفيد-19" على الأجندة العالمية خلال العام الماضي ودفعت تداعياتها الخطيرة ملايين البشر إلى حافة الجوع، بسبب تعطل إنتاج الأغذية وتوزيعها، أما التغيرات المناخية القاسية من حرائق الغابات بسيبيريا وكاليفورنيا وأستراليا وحوض الأمازون إلى الأعاصير العاتية التي حطمت الأرقام القياسية بآسيا، والجفاف بالغرب والوسط الأمريكي والفيضانات والجراد بإفريقيا، وانخفاض رقعة الجليد بالمنطقة القطبية الشمالية ، فقد انعكست بشكل خطير على الزراعة وعمليات إنتاج الغذاء بجميع قارات العالم.
وتقول التقارير والدراسات الدولية المتخصصة إن ملايين البشر من تكساس حتى جنيف، ومن بانكوك إلى أكرا، اضطروا للاعتماد على المساعدات الغذائية للمرة الأولى، وإن واحداً من بين كل ثلاثة وثلاثين إنسانا على وجه الكرة الأرضية، سيعتمد خلال العام الحالي على هذه المساعدات، بزيادة سنوية قدرها أربعون بالمائة، وهناك مخاوف من احتمالات تفاقم الوضع جراء جائحة كورونا والتغيرات المناخية وتدهور الظروف الهشة المرتبطة بالصراعات والفقر بأجزاء كثيرة من العالم، فقبل كورونا كان هناك نحو 135 مليون شخص يسيرون نحو حافة المجاعة ، وقد يتضاعف العدد إلى 270 مليوناً خلال بضعة أشهر، فضلاً عن نحو مليار شخص قد يتعرضون للعوز بحلول عام 2030، وتؤكد التقارير أن التعايش مع الطبيعة بسلام هو المهمة الحاسمة أمام الأسرة الدولية خلال القرن الحادي والعشرين.
ويعد الأمن الغذائي مصدر قلق كبير نتيجة توقعات قوية بأن يتواجد على ظهر الكوكب نحو ملياري شخص زيادة على ما هو عليه الوضع حاليا بحلول عام 2050، ويتعين إطعامهم وتوفير الغذاء لهم، إضافة إلى توقعات بأن يصل عدد سكان العالم إلى 10 مليارات نسمة بحلول عام 2100.
كما أن الزراعة اليوم لا تستطيع توفير ما يكفي من الغذاء لتلبية الحاجة المتزايدة للبشر، لذا فإن التغيير ضروري لزيادة الإنتاج بجميع أنحاء العالم.
ويمثل الأمن الغذائي تحدياً عالميا خطيراً لأن أربعين بالمائة من مساحة اليابسة في العالم هي أرض جافة، وسيؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تحويل المزيد منها إلى صحراء ، ووفق المعدلات الحالية ، ستطعم كمية الطعام التي يزرعها العالم اليوم ، نصف السكان فقط بحلول عام 2050، ويضاف إلى ذلك تراجع أعداد المزارعين والزحف العمراني وإجهاد التربة، كما أن ثمانية وعشرين بالمائة من الزراعة تقع في مناطق تعاني من شح المياه ، وهي مشكلة أخرى تواجه الخطط والمشاريع الرامية لرفع الإنتاج الزراعي.
ولاحظت دراسة حديثة أن الاحترار الذي طرأ على مناخ العالم منذ بداية العصر الصناعي يعود بأكمله تقريباً إلى النشاطات البشرية، مشيرةً إلى أن الأسباب الطبيعية كالانفجارات البركانية الكبيرة وتقلبات الإشعاع الشمسي التي ساهمت فيه تكاد لا تُذكر.
وازدادت حرارة كوكب الأرض أكثر من درجة مائوية واحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر، ما أدى إلى زيادة الظواهر الجوية الخطيرة بكل أنحاء العالم، كموجات الحرّ الشديد والفيضانات والأعاصير، وتقول تقارير دولية إن مشكلة تغير المناخ ستستمر لفترة أطول بكثير ويحتمل أن تكون من العوامل الرئيسية المؤثرة على إنتاج الغذاء بجميع قارات العالم.
وكانت الأمم المتحدة قد حددت إنهاء الجوع وتحقيق الأمن الغذائي والتغذية المحسنة وتعزيز الزراعة المستدامة باعتبارها الهدف الثاني من أهدافها السبعة عشر للتنمية المستدامة لعام 2030.
وترى منظمة الأغذية والزراعة الدولية "الفاو" أنه مع بقاء عشر سنوات للموعد المحدد، فإن العالم ما زال بعيداً عن المسار الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة الخاصة بالجوع وسوء التغذية.
وتحذر الأوساط الدولية من أن ثمن الفشل في التكيف مع الاحترار والتغير المناخي سيكون باهظا، فقد يدفع بملايين جديدة من البشر إلى براثن الفقر ، مع ما يترتب على ذلك من الأزمات والنزاعات والهجرة والاضطرابات.
وقد أصابت جائحة كوفيد-19 من بين ما أصابت، قدرة الأسرة الدولية على التكيف مع المخاطر المناخية المتصاعدة والاستجابة لها ، فخلال عام 2020 انخفض الاستثمار بالتكيف مع تغير المناخ على الرغم من تضرر نحو 50 مليون شخص بعدد قياسي من الفيضانات وموجات الجفاف وحرائق الغابات والعواصف ، كما قوضت الجائحة التقدم المحرز في بناء المنعة إزاء تغير المناخ، ما ينذر بمزيد من المخاطر والصدمات مستقبلاً وهو ما يفرض على المجتمع الدولي ضرورة دمج التكيف مع تغير المناخ بصلب خطط الاستجابة والتعافي.
ولا يزال التمويل المخصص للتكيف مع تغير المناخ، الذي بلغ متوسطه 30 مليار دولار سنويا خلال السنوات الأخيرة دون اللازم بكثير، ويتعين زيادته عشر مرات، ليصل إلى 300 مليار دولار سنوياً وفقا لما تشير إليه تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
ويعني التكيف المناخي، تقليص عوامل الضعف التي تعرض الدول والمجتمعات للآثار المدمرة لتغير المناخ، وجعل الدول قادرة على امتصاص هذه الآثار.
وقد وقعت دولة قطر، ممثلة بصندوق قطر للتنمية، الأسبوع الماضي اتفاقية مساهمة غير مخصصة مع صندوق التكيف لتمويل برامج التكيف والقدرة على الصمود في البلدان الأكثر عرضة لتغير المناخ.
وتهدف هذه المساهمة الجديدة إلى تمويل مشاريع التكيف مع تغير المناخ في البلدان النامية المعرضة بشكل خاص للآثار السلبية لتغير المناخ ، بما في ذلك تلك الموجودة في أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية، ومن خلال هذه المساهمة، فإن دولة قطر تبرز ريادتها والتزامها في دعم المرونة والتكيف مع تغير المناخ من خلال شراكاتها المستمرة مع صناديق المناخ متعددة الأطراف ومساهمتها فيها.
وقد عقدت الأمم المتحدة وهولندا في أمستردام الأسبوع الماضي قمة التكيف المناخي الافتراضية، والتي تمخضت عن وضع خطة عمل ستكون بمثابة دليل للسنوات القادمة لتسريع إجراءات التكيف، إضافة إلى الالتزامات المالية التي أعلن عنها قادة العالم بالفعل خلال الجلسة الافتتاحية، بهدف التحرك على أرض الواقع ، وتعزيز قدرة أكثر من 500 مليون شخص على الصمود.
ومن المقرر أن يعقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال سبتمبر المقبل، مؤتمر قمة للنظم الغذائية في إطار مبادرة "عقد من العمل" بهدف تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.
ويفترض أن تنبه القمة دول العالم على حقيقة أنه يجب على جميع الأطراف العمل معاً لتغيير الطريقة التي ينتج بها العالم غذاءه ويستهلكه، وسيسعى المؤتمر لإيجاد حلول تتطلب من الجميع التحرك لتحويل النظم الغذائية بالعالم بحيث تصبح مستدامة وصديقة للبيئة وأكثر إنتاجية واخضراراً.
وسيضم المؤتمر، جهات فاعلة رئيسية في مجالات العلم والأعمال التجارية والسياسات والرعاية الصحية والأوساط الأكاديمية، فضلاً عن المزارعين ومنظمات الشباب وجماعات المستهلكين والناشطين البيئيين وغيرهم من أصحاب المصلحة الرئيسيين.
وقبل مؤتمر القمة وأثناءه وبعده، ستتضافر هذه الجهات الفاعلة لتحقيق تغييرات ملموسة وإيجابية في النظم الغذائية في العالم.
تقرير الأبحاث والدراسات
English
Français
Deutsch
Español