بعد فوزها بالثقة.. هل باتت الحكومة الإيطالية تحت رحمة المعارضة ؟
الدوحة في 20 يناير /قنا/ تجنبت إيطاليا السقوط في دوامة أزمة سياسية بعد أن نجت حكومتها برئاسة جوزيبي كونتي من تصويتين بالثقة عليها بمجلسي النواب والشيوخ يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، وأظهرت نتيجة التصويت أن 156 من أعضاء مجلس الشيوخ صوتوا لصالح حكومة كونتي، الذي قاد إدارتين مختلفتين منذ 2018، بينما صوت 140 ضدها، وامتنع ستة عشر عضوا عن التصويت، ويوم الإثنين صوت مجلس النواب لصالح الحكومة بأغلبية 321 صوتًا مقابل 259 صوتًا، وهو هامش أوسع مما كان متوقعًا.
وجاء التصويت عقب قيام رئيس الوزراء السابق ماتيو رينزي بسحب حزبه إيطاليا فيفا الوسطي من الائتلاف الحاكم الأسبوع الماضي، احتجاجا على خطة الإنعاش الاقتصادي بقيمة 267 مليار دولار مموّلة من الاتحاد الأوروبي، وشكواه من أن الأموال معرضة لخطر التبديد، ما أغرق إيطاليا بفوضى سياسية.
وعلى الرغم من أن حكومة كونتي نجحت في البقاء على قيد الحياة، فقد خرجت من هذا المنعطف، فاقدة لأغلبيتها المطلقة، وباتت بوضع هش، يبقيها عرضة للهجمات والهزات المستقبلية، ويثير الكثير من الشكوك والتساؤلات حول ديمومتها وقدرتها على قيادة إيطاليا أثناء سعيها للخروج من أعمق أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، في خضمّ جائحة كورونا "كوفيدـ19" التي أودت هناك حتى الآن بحياة أكثر من 83 ألف شخص ودمّرت الاقتصاد.
وقبيل التصويت بمجلس الشيوخ أمس الثلاثاء، وجه كونتي نداءً عاطفيًا إلى أعضاء المجلس، طالباً الدعم، وقال إن الأزمة السياسية في هذا الوقت غير مفهومة للإيطاليين العاديين، وإن إيطاليا تستحق حكومة متماسكة تعمل من أجل شعبها، وتفضل الانتعاش الاقتصادي، مضيفاً أن هناك الكثير من العمل العاجل الذي يتعين القيام به، لجعل البلاد آمنة وإخراجها من الوباء.
وناشد كونتي المشرعين المؤيدين لأوروبا دعم حكومته الهشة أو المخاطرة بتسليم السلطة لليمين القومي، وعرض تقديم نظام التمثيل النسبي الذي من شأنه أن يساعد الأحزاب الوسطية الصغيرة وألمح إلى تعديل وزاري.
ومن الواضح أن رئيس الوزراء الإيطالي يدرك حساسية المرحلة المقبلة لحكومته، فقد أعلن فور انتهاء التصويت، أن إيطاليا ليست لديها دقيقة لتضيعها، وأنه سيعمل على الفور لتجاوز حالة الطوارئ الصحية والأزمة الاقتصادية، وقال إن الأولوية هي لخطة اللقاح وخطة التعافي. ومن المرجح أنه سيحاول خلال الأسابيع المقبلة، حشد المزيد من المؤيدين لحكومته، واتهم كونتي حزب إيطاليا فيفا المنسحب من الائتلاف الحكومي بخلق الفوضى من خلال الاستمرار بتقديم مطالب مثيرة للانقسام.
ويواجه كونتي تحديا غير مسبوق لإحياء الاقتصاد المدمر، حيث تخضع أجزاء من إيطاليا حاليا للإغلاق الجزئي بسبب كوفيدـ 19. وقد تمتع كونتي بشعبية بسبب تعامله مع الوباء خلال موجاته الأولى، عندما عانت إيطاليا من إغلاق شديد لمدة شهرين، لكن شعبيته تراجعت بسبب نهج الحكومة العشوائي للقيود اللاحقة وضعف الاستجابة المالية للشركات المتضررة.
وبعد أربعة أشهر من تطبيق الحكومة للقيود المتدرجة، لا تزال الإصابات اليومية المؤكدة مرتفعة بشكل لافت، كما أن عدد الوفيات بسبب الوباء بإيطاليا هو ثاني أعلى عدد بأوروبا بعد بريطانيا.
ويبدي الإيطاليون القليل من الصبر حيال الاقتتال السياسي الداخلي خاصة وأن الأولوية الشعبية حاليا هي السيطرة على جائحة كورونا وطرح اللقاحات التي يأمل الكثيرون أن تنهي كابوس الفيروس التاجي الطويل، وفي استطلاع جديد للرأي، قال اثنان وأربعون بالمائة من الإيطاليين إنهم لا يفهمون ما الذي أثار الانقسامات الحكومية الأخيرة.
وتتوقع إيطاليا أن يكون لديها 268 مليار دولار بصناديق الانتعاش الاقتصادي للاتحاد الأوروبي لإدارتها، وهي أموال ضرورية لتحديث البلاد واقتصادها المتعثر. وقد حذرت أوساط سياسية في روما من سقوط حكومة كونتي، وقالت إن ذلك قد يفسح المجال لصعود أحزاب وقوى سياسية مناهضة للمشروع الأوروبي إلى سدة الحكم، ورأت أن أي بديل لكونتي سيضع روما بوضع صعب بأروقة الاتحاد الأوروبي.
ويرى المحللون أن كونتي يقود الآن حكومة أقلية غير مستقرة وقد تنهار بأي تصويت مثير للانقسام خلال الأشهر المقبلة، إذ إن من المقرر أن يصبح صنع السياسات أكثر تعقيدا لأن الحكومة ستجد نفسها غالبا تحت رحمة كرم المعارضة.
ويضيف المحللون أن حكومات الأقليات ليست شيئا جديدا بإيطاليا، إلا أن ما سيكون غير مسبوق هو حكومة أقلية تحاول إخراج البلاد من أعمق أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، وسط الوباء بينما تحاول أيضا وضع خطة متعددة السنوات لإدارة خطة بمليارات الدولارات لتمويل التعافي ممولة من الاتحاد الأوروبي.
ولاحظ المراقبون أن ممثلي حزب إيطاليا فيفا قد امتنعوا عن التصويت بمجلسي النواب والشيوخ، وهو أمر حاسم ومصيري لبقاء حكومة كونتي على قيد الحياة واستمرارها بالسلطة، ويفسر المراقبون هذا الموقف بأنه رغبة من زعيم الحزب ماتيو رينزي بترك الباب مفتوحا لعودة محتملة للتحالف الحكومي في حالة تلبية مطالبه السياسية.
English
Français
Deutsch
Español