الاقتصاد الدولي يدخل العام الجديد بمزيج من التفاؤل والحذر
الدوحة في 11 يناير /قنا/ هزت جائحةُ كورونا الاقتصادَ العالمي بصورة عنيفة خلال العام الماضي 2020، ما تسبب بركود اقتصادي واسع النطاق، قلب الحياة وسبل العيش للملايين رأساً على عقب، وتعاني البلدان بجميع أنحاء العالم من نمو اقتصادي سلبي غير مسبوق، لكن ضخ العديد من الحوافز المالية وإعادة فتح الاقتصاد وتجاوز فترة الإغلاق العام والبدء بتداول عدد من التطعيمات واللقاحات للفيروس، فضلا عن الإعلان عن فوز جو بايدن بانتخابات الرئاسة الأمريكية، كسرت حالة التشاؤم حول مستقبل الاقتصاد الدولي، وبشرت بإمكانية العودة للحياة الطبيعية.
وترسم العديد من مراكز البحوث والدراسات الاقتصادية المتخصصة صورة متفائلة للاقتصاد الدولي خلال عامه الجديد، لكنها تتوقع أن يواصل زحفه خلال الأشهر الأولى من هذا العام 2021 قبل أن يبدأ بالنمو والتعافي بالنصف الثاني من هذا العام.
وعلى الرغم من الأشهر العصيبة التي مرت بالاقتصاد الدولي خلال العام الماضي إلا أن هناك الكثير من الإشارات والمستجدات التي تبعث على التفاؤل والأمل، لكن المسار الطويل لعودة الاقتصاد العالمي إلى مستويات نشاطه السابقة على الجائحة لا يزال عرضة للنكسات.
وقد شرع العديد من الدول بتنفيذ أكثر حملات التطعيم العالمية طموحاً واتساعا، إلا أن من غير المرجح أن يختفي الفيروس تماماً خلال العام الجديد، إلى جانب مخاطر ظهور سلالات جديدة منه في بعض المناطق، لكن التوافر الواسع للأجسام المضادة والعلاجات المضادة للفيروسات، بالإضافة إلى أنظمة التعقب والتتبع المطورة، تضمن عدم الحاجة أو العودة إلى عمليات الإغلاق الصارمة على غرار ما حدث خلال العام الماضي.
على الصعيد الوطني أعلنت غرفة قطر في تقرير لها الأسبوع الماضي ، أن المؤشرات الرئيسية التي بنيت عليها الميزانية الجديدة للدولة ، تؤكد أن العام 2021 هو عام تعافي الاقتصاد القطري والخروج من الأزمة التي تسببت بها جائحة "كوفيد-19"، وأشارت إلى أن تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي يقيس مستوى أداء الاقتصاد الكلي والتي اعتمدتها الموازنة، تشير إلى تحقيق نمو بالناتج المحلى الإجمالي متوقع بنسبة 2.2 بالمئة، بعد أن حقّق تراجعاً بنسبة (2.6 بالمئة) في السنة المالية 2020، وذلك كنتيجة طبيعية للتدابير التي اتخذتها الدولة لمكافحة الجائحة.
كما توقع صندوق النقد الدولي بلوغ إجمالي الناتج المحلي الحقيقي 2.7 بالمئة في قطر عام 2021 بدعم من تزايد إنتاج الغاز وانتعاش الطلب المحلي وسرعة توفير لقاحات فيروس كورونا وانتهاء الجائحة. وأشاد بالإجراءات السريعة التي اتخذتها دولة قطر للحد من انتشار فيروس كورونا وتخفيف تداعياته على الاقتصاد المحلي.
وعلى الصعيد الدولي، يتوقع الكثير من المؤسسات البحثية نمواً قوياً للناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تتجاوز ستة بالمائة خلال العام الحالي بقيادة الأسواق الناشئة أولاً، يليه إعادة فتح الاقتصادات بالولايات المتحدة وأوروبا، ووفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي سينمو الاقتصاد العالمي بنسبة خمسة واثنين من عشرة بالمائة عام 2021 ، وستسجّل الاقتصاديات المتقدمة نمواً بنسبة تصل إلى ثلاثة وتسعة أعشار بالمئة، بينما سيتعافى نمو الاقتصاديات الصاعدة والنامية بنسبة ستة بالمائة.
وتوقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن تشكل الصين نحو ثلث النمو الاقتصادي العالمي هذا العام بنسبة تصل إلى ثمانية بالمائة، وقالت إن احتواء الصين لوباء (كوفيد-19) خلال فترة قصيرة جدا سمح لها بتقديم مساهمة كبيرة بالاقتصاد الدولي، كما توقعت المنظمة نمواً عالميا بنسبة خمسة بالمائة خلال العام الجديد.
ويقول المحللون، إن العالم بدأ بالعودة إلى طبيعته مع بدايات العام الجديد ما يبعث على التفاؤل بأن تشهد قطاعات عديدة انتعاشا هائلا، وكان الوباء قد أدى لارتفاع معدل البطالة إلى مستويات لم تحدث منذ أجيال، غير أن من المنتظر حالياً أن يبذل صانعو السياسات كل ما يلزم لخلق فرص العمل وإعادة التوظيف إلى مستويات ما قبل (كوفيد19) بأسرع وقت ممكن، وهو ما سيدفع الأجور إلى أعلى، ويضيف المحللون أن إعادة فتح الاقتصادات وتوافر اللقاحات ستطلق العنان تدريجياً لموجة جديدة من الإنفاق على السفر والخدمات، وفي هذا السياق، كان الطيران من أكبر القطاعات الاقتصادية التي تكبدت خسائر كبيرة جراء جائحة كورونا،ولكن إنتاج اللقاحات وحاجة جميع دول العالم إليها، ستساعد على تنشيط حركة الطيران عبر رحلات للتوزيع، وما يصاحب ذلك من أنشطة اقتصادية لخدمة قطاع الطيران من شركات التأمين والشحن والتبريد والفنادق، كما أن وجود اللقاح سوف يغير من حركة الطلب على السفر، وخاصة بعد مضي الربع الأول من عام 2021، حيث ستكون عمليات التعاطي مع اللقاح قد اتسعت بشكل كبير، وأصبحت واقعا معاشا، مع ازدياد طمأنينة الناس إليه، وهو ما يفتح الباب أمام عودة الأنشطة السياحية على مستوى العالم ولو بشكل تدريجي، أما الشركات المنتجة للقاحات المضادة لفيروس كورونا، فهي الفائز الأكبر عام 2021 وما بعده، خاصة وأن إنتاجها لعام 2021 بالكامل تم حجزه مقدما.
وبسبب احتمال انحسار موجة كورونا بعد الإعلان عن نجاح اللقاحات ونمو الطلب على المشتقات النفطية في آسيا، خاصة في الصين والهند، وهما الاقتصادان الكبيران إلى جانب اليابان في استهلاك الطاقة ، فإن الطلب النفطي فقد يصل إلى نحو مائة مليون برميل خلال العام الحالي، وعلى صعيد الأسعار، توقعت وكالة فيتش الأمريكية ارتفاع أسعار النفط خلال العام الجاري إلى 53 دولاراً للبرميل، وأن تواصل الأسعار دورة الانتعاش لتبلغ 60 دولاراً للبرميل عام 2024، لكن المحللين يرون أن ارتفاع الأسعار واستقرارها فوق مستوى 50 دولاراً للبرميل، قد يهدد مستويات المعروض، لأن هذه الأسعار مناسبة ومشجعة لعودة النفط الصخري الأمريكي إلى الأسواق.
وتوقع البنك الدولي أن تنتعش أسعار الطاقة، التي تشمل أيضا الغاز الطبيعي والفحم، بشكل كبير في 2021، وتوقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بسبب ارتفاع الطلب خلال فترة الشتاء، وتراجع الإنتاج الأمريكي من الغاز الطبيعي بعد إغلاق العديد من الآبار المنتجة، وكانت الأسعار الفورية للغاز الطبيعي المسال قد ارتفعت في آسيا بنحو 17 بالمائة الأسبوع الماضي، متجاوزة أعلى مستوياتها خلال ست سنوات، حيث تسببت موجة البرد في بعض البلدان الآسيوية برفع معدل الواردات لمستويات قياسية.
ويتوقع المحللون الاستراتيجيون أن تظل معدلات الفائدة منخفضة إلى ما يقارب الصفر حتى نهاية عام 2023، وهو ما يسهم بزيادة الإقبال على المعادن النفيسة التي حلقت عالياً خلال العام الماضي باعتبارها الملاذ الآمن للمستثمرين، وتشير التوقعات إلى أن الذهب والفضة سيحرزان المزيد من المكاسب خلال العام الجديد وقد يرتفع الذهب بنسبة عشرين بالمائة.
ويؤكد المحللون أن الاقتصاد الدولي سيبقى تحت تأثير مباشر لعوامل حاسمة، منها التطورات والمستجدات المتعلقة بالسيطرة على الجائحة ونجاح اللقاحات في محاصرتها، وعودة الاقتصادات الكبرى لدورة نشاطها الاعتيادي، والأداء الاقتصادي للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن داخليا وخارجيا.
English
Français
Deutsch
Español