باحثون سوريون لـقنا: سوريا تعيد صياغة علاقاتها العربية بمنطق الدولة والمصالح المشتركة
دمشق في 27 سبتمبر /قنا/ تتجه سوريا إلى إعادة بناء علاقاتها مع محيطها العربي عبر تحرك سياسي وأمني واقتصادي يسعى إلى الانتقال من مرحلة التوتر والعزلة إلى علاقات تقوم على المصالح المشتركة والتعاون المتبادل.
ويبرز هذا التحول من خلال السعي إلى تطوير التعاون في ملفات تتصل بأمن الحدود ومكافحة التهريب والتجارة والطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار، بما يعكس توجها نحو الانتقال من التقارب السياسي إلى شراكات أكثر ارتباطا بالمصالح المشتركة.
وفي هذا الصدد، يرى باحثون سوريون أن التحول الأبرز في السياسة الخارجية السورية يتمثل في إعادة تعريف العلاقات الإقليمية على أساس الدولة والمصالح المشتركة والسيادة بدلا من الاصطفاف ضمن محاور إقليمية، معتبرين أن نجاح هذا المسار يرتبط بقدرة دمشق على تحويل التقارب السياسي إلى تعاون أمني واقتصادي ومشاريع مشتركة.
وأكد الدكتور عبد المجيد الويس الأكاديمي والباحث في السياسة المحلية والدولية في حديث لوكالة الأنباء القطرية "قنا" أن التغيير الأساسي في السياسة الخارجية السورية يتمثل في "إعادة تعريف المصلحة الوطنية السورية على أساس الدولة وعلاقاتها المباشرة مع الدول"، معتبرا أن ذلك جعل إعادة بناء الثقة مع المحيط العربي أولوية بدءاً من دول الجوار وصولا إلى دول الخليج وبقية العواصم العربية.
وأضاف أن التحرك السوري الجديد يجمع بين المسارات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية بما يتيح بحسب تقديره إعادة بناء العلاقات العربية على قاعدة المصالح المشتركة والتعاون المتبادل، كما أن العلاقة السورية القطرية تمثل نموذجا لطبيعة الشراكات التي تسعى دمشق إلى بنائها.
من جهته، رأى الدكتور عامر النمر الأكاديمي والباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط السياسية أن التحول السياسي في سوريا أوجد حاجة إلى إعادة بناء العلاقات مع الدول العربية، في ظل تحديات اقتصادية وأمنية وملفات مرتبطة بالحدود وحركة السكان وإعادة الإعمار.
وأشار في حديث مماثل لـ"قنا" إلى أن السياسة الخارجية السورية الجديدة تبدو أكثر ميلا إلى تنويع الشراكات وعدم حصر العلاقات الخارجية في اتجاه واحد مع التركيز على مبادئ السيادة وعدم التدخل وتوسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي، معتبرا أن دول الجوار العربي تمثل مجالا طبيعيا لهذا الانفتاح.
واعتبر أن معالجة الملفات الأمنية التي أثرت في علاقات سوريا مع دول الجوار يمكن أن تشكل مدخلا لإعادة بناء الثقة، خصوصا عندما تتحول المؤسسات السورية إلى طرف منسق مع الدول المجاورة في ضبط الحدود ومواجهة شبكات التهريب.
وقال: "إن تطور العلاقة السورية القطرية من الدعم السياسي والدبلوماسي إلى الملفات الاقتصادية والتنموية يعكس انتقالا نحو شراكة متعددة المستويات".. لافتا الى أن مثل هذه التطورات تعكس انتقال العلاقات من التضامن السياسي إلى التعاون في ملفات ترتبط مباشرة بالتعافي الاقتصادي وبناء المؤسسات.
وشدد على أن الموقع الجغرافي لسوريا يمكن أن يتيح فرصا في مجالات النقل والطاقة والتجارة بالتوازي مع حاجتها إلى استثمارات واسعة في البنية التحتية وقطاعات الإنتاج والخدمات، إلا أن جذب هذه الاستثمارات يتطلب بيئة قانونية وإدارية أكثر وضوحا وآليات فعالة لتسجيل الشركات وتحويل رؤوس الأموال وتسوية المنازعات وحماية المستثمرين.
وفي سياق متصل أشار مصطفى نعيمي الصحفي والباحث في الشؤون الدولية إلى أن التحول في السياسة السورية يرتبط إلى جانب التحرك الدبلوماسي بمحاولة بناء مؤسسات دولة أكثر قدرة على إدارة الملفات الداخلية والخارجية، معتبرا أن استقرار المؤسسات السيادية ولاسيما وزارات الداخلية والدفاع والخارجية يشكل عاملا مؤثرا في إعادة صياغة علاقات سوريا مع محيطها الإقليمي والدولي.
وأوضح في حديثه لوكالة الأنباء القطرية (قنا) أن السياسة الخارجية السورية الجديدة تقوم على الحاجات المشتركة وتقاطع المصالح بما يخدم الاستقرار المستدام، معتبرا أن تحسن العلاقات مع المحيط العربي والإقليمي أتاح لدمشق توسيع حركتها على المستوى الدولي.
وأشار إلى أن التعاون الأمني والاستخباري والعسكري مع دول الجوار أصبح أحد مسارات إعادة بناء الثقة ولاسيما في ملفات ضبط الحدود ومكافحة المخدرات وتهريب السلاح، معتبرا أن انتقال سوريا وفق وصفه من موقع ارتبط خلال المرحلة السابقة بإنتاج المخدرات وتهريبها إلى التعاون في مكافحتها يمثل أحد المؤشرات على طبيعة التحول في علاقاتها الإقليمية.
بدوره اعتبر الدكتور أيمن خالد الباحث في الإعلام السياسي والقانون الدولي أن ما يميز المرحلة الجديدة هو الانتقال من منطق المحور إلى منطق الدولة بحيث تصبح العلاقات مع الدول قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، مشيرا إلى أن تعدد اتجاهات السياسة السورية بين الخليج والعراق والأردن ولبنان وبقية الدول العربية يعكس في رأيه محاولة لبناء شبكة علاقات متعددة.
ولفت في حديثه لـ(قنا) إلى أن ضبط الحدود ومكافحة المخدرات والتهريب والجريمة العابرة للحدود تمثل مؤشرات عملية على طبيعة التحول في السياسة السورية، معتبرا أن الثقة الإقليمية تتعزز بالسلوك والإجراءات الميدانية وليس بالخطاب السياسي وحده.
وبين أن طبيعة العلاقة التي تحتاجها سوريا في المرحلة المقبلة هي علاقة تجمع السياسة والاقتصاد والمصالح الإنسانية والمؤسسات بدلا من اقتصارها على الاصطفاف السياسي... معتبرا أن استدامة الانفتاح العربي ستكون مرتبطة بقدرته على إنتاج مصالح اقتصادية متبادلة، من خلال تطوير التجارة والممرات البرية والطاقة والاستثمار بحيث يصبح التعاون الإقليمي جزءا من عملية التعافي الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وأضاف أن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الزيارات أو البيانات السياسية وإنما في قدرة دمشق على تحويل هذا الانفتاح إلى علاقات مستقرة ومصالح متبادلة، مشيرا إلى أن الجوار العربي سيكون أحد أبرز ميادين اختبار هذه السياسة من خلال العلاقات مع لبنان والعراق والأردن بالتوازي مع الشراكات مع قطر ودول الخليج وبقية العواصم العربية.
ويرى الباحثون أن تحويل الانفتاح العربي إلى مسار مستدام يتطلب الانتقال من الزيارات والاتصالات السياسية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، تشمل الطاقة والنقل والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والصناعة والزراعة وغيرها من القطاعات.
ويتجه مسار العلاقات السورية العربية الى مرحلة تتجاوز استعادة الاتصالات السياسية إلى بناء علاقات أكثر ارتباطا بالمصالح المشتركة والتعاون العملي، سواء في المجالات الأمنية أو الاقتصادية أو التنموية.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو