الأمم المتحدة.. التغير المناخي.. دور قطري فاعل في دعم الجهود العالمية لمواجهة تداعياته
الدوحة في 23 سبتمبر /قنا/ تكتسي قضية التغير المناخي والتعامل الخاطئ لعقود مع البيئة أهمية كبرى في صدارة أجندة المجتمع الدولي لمواجهته كتحد يهدد حياة الإنسان وبيئته واقتصاده، إذ لا يقل خطرا عن الحروب والصراعات، ولا تقع مسؤولية مكافحته على الحكومات فقط، بل كذلك على الأفراد والمؤسسات من خلال ترشيد استهلاك الطاقة وتقليل التلوث وحماية البيئة.
ومن هذا المنطلق، يبرز الدور القطري الداعم للجهود الدولية في مكافحة التغير المناخي، وضرورة خفض الملوثات الهوائية وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، إلى جانب دعم الدول النامية الصغيرة ومساعدتها في مواجهة تغير المناخ والتحديات البيئية.
وكانت دولة قطر من أوائل الدول التي انضمت لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في عام 1996، وبرتوكول كيوتو في عام 2005، واتفاق باريس في عام 2016، مع التصديق على الاتفاق في عام 2017، فضلا عن استضافتها مؤتمر الأطراف الثامن عشر للتغير المناخي "COP18 " عام 2012.
وفي سبتمبر من العام 2019، أعلن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى عن مساهمة قطر بمبلغ 100 مليون دولار لدعم الدول النامية الصغيرة لمواجهة تغير المناخ والتحديات البيئية التي تواجهها، كما وافق مجلس الوزراء في العام 2021 على الخطة الوطنية لتغير المناخ، حيث تم إطلاق استراتيجية قطر الوطنية للبيئة وتغير المناخ، ما يعكس أهداف الاستدامة طويلة الأجل لدولة قطر والحاجة الملحة للاستجابة بفعالية لأزمة المناخ العالمية.
وبحسب الأمم المتحدة، فإن تغير المناخ يشير إلى التحولات الطويلة الأمد في درجات الحرارة وأنماط الطقس، ويعد إحدى القضايا الملحة في العصر الحالي، حيث إن أنماط الطقس المتبدلة تهدد إنتاج الغذاء، وارتفاع مستويات البحار يزيد من خطر الفيضانات، ورغم أن بعض التقلبات المناخية تحدث طبيعيا، إلا أن العوامل البشرية هي الأخرى لها دور كبير في التغير المناخي.
وتعد اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، التي تم اعتمادها 1992 الإطار الدولي الرئيس للتفاوض بشأن العمل المناخي، والتي أفضت لاحقا لاتفاقات أخرى مثل "كيوتو" و"اتفاق باريس"، حيث تجتمع البلدان الأطراف في الاتفاقية سنويا لمناقشة التقدم المحرز والتفاوض بشأن السياسات المناخية.
ولمتابعة الاتفاقية، بدأت خريطة الطريق العالمية ببروتوكول "كيوتو" في عام 1997 كأول معاهدة دولية كبرى استهدفت خفض انبعاثات غازات الدفيئة، غير أن فعاليتها ظلت محدودة، ليبرز بعد 18 عاما اتفاق أممي جديد كان الأهم وهو اتفاق باريس في العام 2015، الذي اعتمد بمشاركة شبه شاملة من بلدان العالم بهدف إبقاء الاحترار العالمي دون درجتين مئويتين بكثير، مع مواصلة الجهود لحصره في حدود 1.5 درجة مئوية.
ويتضمن اتفاق باريس التزامات وطنية من جميع الدول تعرف باسم المساهمات المحددة وطنيا، توضح الكيفية التي ستخفض بها الانبعاثات وتتعاون من خلالها الدول على التكيف مع آثار تغير المناخ، كما يدعو البلدان إلى الاستمرار في تعزيز التزاماتها مع مرور الوقت.
وعلى الرغم من أن البلدان النامية هي الأقل إسهاما في الانبعاثات العالمية، فإنها تتحمل الآثار السلبية الأكثر للتغير المناخي، ما يجعل الانقسام عميقا بين الدول الغنية والدول النامية حول قضايا المناخ ومعالجة آثاره، حيث تؤكد الدول النامية حاجتها الملحة إلى أموال ضخمة للتكيف مع الآثار السلبية للتغير المناخي، والتي بدأ الكثير منها يظهر مثل تفاقم موجات الحر والجفاف والفيضانات والعواصف المتكررة وارتفاع منسوب مياه البحار، إلى جانب الحاجة في مساعدتها، أي الدول النامية، للاستثمار في الطاقات المنخفضة الكربون بدل تطوير اقتصاداتها من خلال حرق الفحم والنفط.
وقد حدد مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ "كوب 29" في العام 2024 هدفا جديدا للمساعدات التي تقدمها الدول المتطورة إلى البلدان النامية، وهو زيادة التمويل ثلاثة أضعاف للدول النامية، من الهدف السابق البالغ 100 مليار دولار سنويا إلى 300 مليار دولار سنويا بحلول عام 2035، إلى جانب تأمين تعاون جميع الجهات الفاعلة لزيادة التمويل الموجه للدول النامية من المصادر العامة والخاصة، ليصل إلى 1.3 تريليون دولار سنويا بحلول عام 2035.
كما توصل المؤتمر إلى اتفاق بشأن أسواق الكربون، حيث ستساعد هذه الاتفاقيات الدول على تنفيذ خططها المناخية بشكل أسرع وإحراز تقدم نحو خفض الانبعاثات العالمية إلى النصف خلال هذا العقد.
وفي نوفمبر من العام الماضي، نجح مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ "كوب 30"، في البرازيل في ختام أعماله في التوصل إلى اتفاق يدعو إلى زيادة التمويل المخصص للبلدان النامية إلى ثلاثة أضعاف لصون سكانها من تفاقم آثار أزمة المناخ، وتعزيز الدعم المقدم للعمال والمجتمعات في مسار التحول إلى الطاقة النظيفة.
واتفقت الدول المشاركة على حزمة من القرارات تشمل تسريع تنفيذ اتفاق باريس وزيادة تمويل العمل المناخي، لكنها لم تتوصل إلى اتفاق ملزم للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، حيث أيدت الدول مبادرة طوعية فقط لتسريع الجهود المناخية الوطنية.
كما دعت الوثيقة الختامية إلى بذل الجهود لمضاعفة تمويل التكيف مع تغيرات المناخ ثلاث مرات بحلول عام 2035، والتزمت الأطراف "بالدفع بشكل عاجل" بالإجراءات اللازمة لتعبئة ما لا يقل عن 1.3 تريليون دولار أمريكي سنويا بحلول عام 2035، من مصادر عامة وخاصة.
وفي سياق جهود دولة قطر لمواجهة التغير المناخي ودورها الفاعل، فإنها تحافظ على علاقة استراتيجية راسخة مع منظمة الأمم المتحدة والاتفاقيات متعددة الأطراف الأخرى، كما تحرص على المشاركة المنتظمة في المؤتمرات التفاوضية والاجتماعات ذات الصلة تحت مظلة الأمم المتحدة.
وتؤكد السياسات المبذولة لخفض الملوثات الهوائية وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، بوضوح الاهتمام الكبير الذي توليها دولة قطر في هذا الشأن، خاصة ما يتعلق بالاستخدام الأفضل للتقنيات الصديقة للبيئة في مجال تحلية المياه، واستخدام وقود الغاز الطبيعي النظيف لخفض الانبعاثات، فضلا عن أنها كانت من أوائل الدول التي انضمت لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وبروتوكول كيوتو، واتفاق باريس، إلى جانب كونها عضوا في الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) التي تدعم البلدان في جهود انتقالها نحو مستقبل الطاقة المستدامة، وعضو مؤسس في المعهد العالمي للنمو الأخضر "GGGI" الذي يساعد البلدان النامية على اتباع استراتيجيات تنمية مبنية على أسس الاستدامة.
وشهدت استضافة بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، سبعين مشروعا مرتبطا بالاستدامة، بما في ذلك ممارسات البناء الخضراء، المعتمدة من قبل المنظومة العالمية لتقييم الاستدامة "جي ساس"، في التصميم والبناء والعمليات التشغيلية في جميع ملاعب المونديال، إلى جانب تدوير ما يزيد عن 80 في المئة من النفايات الناتجة عن استضافة البطولة، وإرسال المخلفات المتبقية إلى محطة لتحويل المخلفات إلى طاقة.
وتمثل خطة قطر الوطنية للعمل المناخي 2030، خارطة طريق رئيسية تهدف إلى خفض الانبعاثات بنسبة 25 في المئة، مقارنة بمسار العمل المعتاد، وذلك عبر تنفيذ أكثر من 300 إجراء للتخفيف، و350 إجراء للتكيف تغطي قطاعات حيوية مثل المياه، والصحة، والبنية التحتية، والاقتصاد، والأمن الغذائي، بالإضافة إلى تبني استراتيجية مهمة في مسيرة التحول نحو الطاقات الجديدة والمتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، ومن أبرز هذه المشاريع محطة الخرسعة للطاقة الشمسية غربي الدوحة، والتي تتمتع بقدرة إنتاجية 800 ميغاواط، في مساحة 10 كيلومترات، بأكثر من 1.8 مليون لوح شمسي.
كما تواصل قطر تطوير مشروع ضخم في منطقة دخان بقدرة إنتاجية تصل إلى 2000 ميغاواط، ليصبح من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، حيث من المتوقع أن يدخل الخدمة قبل نهاية العقد الجاري، وهو مشروع سيضاف إلى محطات الخرسعة، ومسيعيد، ورأس لفان، ما يرفع إجمالي القدرة الإنتاجية للطاقة الشمسية في قطر إلى 4000 ميغاواط بحلول عام 2030.
وفي إطار جهود قطر في مجال التغير المناخي، يبرز مشروع استخدام الغاز الطبيعي المضغوط كوقود في قطاع النقل، والهادف إلى تطوير الغاز الطبيعي المضغوط (CNG) كوقود بديل، خاصة في تطبيقات النقل العام في قطر، كما يعد مطار حمد الدولي أول مطار في المنطقة يحقق المستوى الثالث من مستويات "التحسين" في برنامج اعتماد الانبعاثات الكربونية للمطارات، الذي يشرف عليه مجلس المطارات العالمي.
وضمن جهود قطر الوطنية كذلك يأتي نجاحها في تصميم مدينتين ذكيتين مستدامتين، هما مدينة "لوسيل" و"مشيرب قلب الدوحة"، من خلال تطبيق معايير بيئية عالمية لتعزيز الإشراف والبحوث البيئية، كما تلتزم دولة قطر بإنتاج أكثر المشاريع البحثية ابتكارا وعضوية، ولهذا استثمرت الدولة في مؤسسات بيئية مشهورة عالميا مثل واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا ومعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة وغيرها من المشاريع، فضلا عن إطلاقها مشاريع خضراء كبيرة للنقل العام والبنية التحتية في السنوات القليلة الماضية.
وتعكس زيادة اعتماد قطر على مصادر الطاقة المتجددة ومبادراتها المحلية والدولية لخفض الملوثات الهوائية وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ودعهما المستمر للدول النامية لمواجهة التغير المناخي، ما توليه الدولة من اهتمام بالغ في هذا الجانب ومن ضرورة التصدي لظاهرة التغير المناخي، إلا أنه رغم أهمية هذه الجهود، حتى من المجتمع الدولي ككل لمواجهة التغير المناخي والتحديات المتصلة به، فإن الوفاء بالتزامات الدول الكبرى تجاه الدول النامية ومساعدتها في مواجهة الآثار السلبية لتغير المناخ، والاتفاق العالمي على التخفيض التدريجي لجميع أنواع الوقود الأحفوري وانبعاثات الغازات، وضرورة تبني سياسات داعمة وابتكارات تكنولوجية في مجال الطاقة المتجددة، يبقى الاختبار الحقيقي لمواجهة هذا التحدي والحفاظ على كوكب صالح للعيش.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو