الأمم المتحدة.. خطابات سمو الأمير أمام الجمعية العامة.. رؤية للسلام والتنمية والشراكة
الدوحة في 21 سبتمبر /قنا/ يترأس حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وفد دولة قطر المشارك في اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة بمقر المنظمة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.
وسيلقي سمو الأمير المفدى خطابا في الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة يوم غد الثلاثاء، يتناول فيه أبرز القضايا، خاصة المتعلقة بالشؤون الإقليمية والدولية.
وتجسد خطابات حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رؤية متكاملة الأركان تواكب التحولات الدولية وترسخ لمواقف الدولة الثابتة تجاه قضايا السلام والتنمية والشراكة، وتؤكد أن دبلوماسية قطر تقوم على أولوية الحلول السلمية، وربط الاستقرار بالتنمية، وتعزيز العمل متعدد الأطراف والشراكات الدولية.
وتكشف قراءة مضامين خطابات سمو الأمير المفدى خلال الدورات الثلاث الماضية على سبيل المثال لا الحصر، عن ثبات واضح في مرتكزات السياسة القطرية، رغم تغير طبيعة الأزمات والملفات الدولية.
ويكتسب حضور سمو الأمير شخصيًا في الجمعية العامة أهمية بالغة في هذا السياق، إذ يتيح لدولة قطر طرح مواقفها مباشرة أمام قادة العالم، ومناقشة القضايا التي تشغل المجتمع الدولي، والتأكيد على التزامها بالعمل متعدد الأطراف، كما أن التقدير الذي يحظى به الدور القطري من جانب هيئات ومنظمات الأمم المتحدة وكافة الأطراف الدولية يعكس اتساع مساحة الدبلوماسية القطرية في معالجة الأزمات، وقدرتها على التواصل مع أطراف متعددة في النزاعات التي يصعب فيها فتح قنوات الحوار التقليدية.
ومن خلال هذه الرؤية، تبدو محاور(السلام والتنمية والشراكة) مترابطة في السياسة القطرية، فالسلام يوفر البيئة اللازمة للتنمية، والتنمية تعالج جانبًا من جذور عدم الاستقرار، بينما توفر الشراكات الدولية الإطار العملي لتحويل المواقف والمبادئ إلى مبادرات وحلول.
وبينما تتجه الدورة الجديدة المرتقبة للجمعية العامة إلى مناقشة أزمات أكثر تعقيدًا وتحديات تتجاوز الحدود، تواصل قطر حضورها في المنصة الأممية انطلاقًا من رؤية تؤكد أن تسوية النزاعات لا تبدأ بالسلاح، وأن التنمية لا يمكن فصلها عن الاستقرار، وأن مواجهة الأزمات العالمية تتطلب تعاونًا وشراكات تتجاوز الحسابات الضيقة.
وتحافظ دولة قطر دوما على ثوابت واضحة في خطابها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها دعم الحوار والوساطة، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، ورفض الانتقائية في تطبيق قواعد الشرعية الدولية.
وقد مثل السلام حجر الزاوية في الرؤية القطرية والذي لا يمكن بدونه بناء أي نهضة حضارية. واقترنت خطابات سمو الأمير أمام الأمم المتحدة دائما بالدعوة إلى تفكيك المسببات الحقيقية للأزمات والنزاعات المسلحة.
ولطالما كانت القضية الفلسطينية الحاضر الأبرز في خطابات سمو الأمير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فأمام اجتماع الدورة الـ 78 للجمعية العامة في سبتمبر 2023 عبر خطاب حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى عن الرفض العميق للمواقف الدولية المزدوجة تجاه حقوق فلسطين مع التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين.
وقال سموه في خطابه: "لا يجوز أن يبقى الشعب الفلسطيني أسير تعسف الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني، ورفض الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أي حل سياسي عادل وفق مبادئ الشرعية الدولية. ولا يغيب عنكم أن تقاعس المنظمة الدولية عن اتخاذ إجراءات ضد الاحتلال أتاح ويتيح الفرصة لإسرائيل لكي تقوض أسس حل الدولتين بالتوسع والاستيطان حتى أصبح الاحتلال يتخذ شكل نظام فصل عنصري في وضح نهار القرن الواحد والعشرين".
كما أكد حضرة صاحب السمو في خطابه أيضا على ضرورة أن ينتبه المجتمع الدولي للقضايا العربية العالقة والملحة والذي يعد غياب الاستقرار وضياع بوصلة السلام بشأنها سببا في معاناة شعوبها وفي هذا الصدد تحدث سموه عن الوضع في سوريا والعنف في السودان، مشددا على إدانة دولة قطر الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في العاصمة الخرطوم وفي إقليم دارفور، وداعيا لمحاسبة مرتكبيها ووقف القتال والاحتكام لصوت العقل وتجنيب المدنيين تبعات القتال.
كما أكد سموه في خطابه على ضرورة تلبية تطلعات الشعب اللبناني والنهوض به من أزماته الاقتصادية والتنموية، وكذلك تسوية الأزمة اليمنية وتحقيق تسوية سياسية في ليبيا.
وكما كانت الدعوة للسلام والاستقرار حاضرة دائما في خطاب سموه أمام الدورة الـ 78 كان التأكيد على استمرار التنمية لكي تنعم الشعوب بالأمن والسلام عنصرا أساسيا في مضمون كلمة سموه أمام الجمعية العامة، وفي هذا الصدد قال حضرة صاحب السمو: "إن التطور التقني المتسارع وتزايد الاعتماد عليه يفتح آفاقاً غير مسبوقة لتطور الإنسانية نحو الأفضل. ولا شك أن العلم والتكنولوجيا هما المفتاح لزيادة الإنتاجية وتحسين نوعية حياة البشر". وأضاف سموه: "من واجبنا مواكبة التطور العلمي والتقني وتشجيعه في بلداننا ويجب أن تزول الحواجز بين الدول في هذا المجال".
وشدد سموه على مبدأ الشراكة الدولية متعددة الأطراف جاءت كلمات سموه في خطاب الدورة ذاتها منهاج عمل يعزز من دور الدبلوماسية في مواجهة دعوات العنف والحرب، حيث أكد سمو أمير البلاد المفدى قائلا: "علينا ألا ننسى أن هناك شعوباً حول العالم، وبالأخص في منطقتنا تشغلها مآسي الحاضر. ومن واجبنا، إذا كنا نشكل حقاً مجتمعاً دولياً، وليس مجرد كيانات مختلفة، أن نعمل على رفع الظلم الواقع عليها، على الأقل بموجب ما تقتضيه قرارات هذه الهيئة، وما يقتضيه القانون الدولي".
وضرب سمو أمير البلاد مثالا واضحا لشراكة قطر مع المنظمات الأممية في إحلال السلام وتحقيق التنمية وقال في هذا الصدد: "نؤكد اعتزازنا بشراكتنا مع المنظمة الدولية، وليس أدل على ذلك من افتتاح "بيت الأمم المتحدة" بحضور الأمين العام للأمم المتحدة في مارس الماضي في الدوحة، والذي يضم اثني عشر مكتباً أممياً حتى الآن".
ونوه سموه كذلك إلى استضافة الدوحة مؤتمر الأمم المتحدة الخامس المعني بأقل البلدان نمواً، معربا سموه عن سعادة دولة قطر بالقيام بدور ريادي في المناقشات الرئيسية تحت مظلة الأمم المتحدة، وآخرها العمل مع إيرلندا على تيسير المفاوضات الحكومية حول الإعلان السياسي الذي اعتمدته قمة أهداف التنمية المستدامة".
وفي الدورة التاسعة والسبعين في سبتمبر عام 2024، جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في ظل الحرب على قطاع غزة، التي فرضت نفسها على جدول أعمال المجتمع الدولي، ليؤكد أن قطر تواصل جهود الوساطة بهدف وقف الحرب وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، بالتعاون مع شركائها.
وعكس هذا الموقف طبيعة الدور الذي اختارت قطر الاضطلاع به في الأزمات، عبر الجمع بين التحرك السياسي والوساطة من جهة، وتقديم المساعدات التنموية والتأكيد على دور الشراكات الدولية والدعم الإنساني من جهة أخرى.
وأكد سموه في كلمته أن: "قضية فلسطين عصية على التهميش، لأنها قضية سكان أصليين على أرضهم يتعرضون لاحتلال استيطاني إحلالي. وبات هذا الاحتلال يتخذ شكل نظام فصل عنصري في القرن الحادي والعشرين". وأضاف :"لن تزولَ قضية فلسطين إلا في حالتين، زوال الاحتلال، أو زوال الشعب الفلسطيني، ويبدو أن في إسرائيل من يمنّي النفس بالقضاء على هذا الشعب".
وتابع سموه في كلمته: "إن العدوان الإسرائيلي المستمر منذ قرابة عام ليس إلا محصلة غياب إرادة سياسية صادقة، وتقاعس دولي متعمد، عن حل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا، وإصرار السلطات الإسرائيلية المحتلة على فرض الأمر الواقع على الفلسطينيين والعالم بكل أنواع القوة”.
وجنبا إلى جنب مع تقديم حلول لإرساء السلام في واحدة من أهم قضايا المنطقة والعالم وهي القضية الفلسطينية، وكذلك في بقية القضية العربية الملحة من السودان إلى لبنان ومن سوريا إلى ليبيا حمل خطاب سمو الأمير دعوة جديدة للتنمية في الدول العربية ومنها جاءت كلمات سموه: "لا يمكن للبلدان العربية أن تحقق الأمن والاستقرار من دون دول راسخة قادرة على التشريع وإنفاذ القانون، ووضع سياسات وطنية وتنفيذها، ولا يمكن أن ترسخ أي دولة وتستقر بوجود قوى مسلحة غير خاضعة لها. هذه أمور بديهية لا نقاش فيها".
وفي مجال الوساطة والشراكات الدولية متعددة الأطراف قال سموه فوق منبر الأمم المتحدة: "لقد اختارت دولة قطر الاضطلاع بجهود الوساطة سعيًا منها لوقف العدوان على غزة وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين. إنها وساطة في ظل حرب شرسة وظروف معقدة، لا يتورع خلالها طرف عن اغتيال القيادات السياسية التي يفاوضها.. الوساطة والعمل الإنساني هما خيارنا السياسي الاستراتيجي على المستوى الإقليمي والدولي، وواجبنا الإنساني قبل السياسي، ولا نمنن به أحدًا".
ثم في خطاب الدورة الـ80 في يوم 23 سبتمبر 2025 جدد سمو الأمير التأكيد على موقف دولة قطر الثابت من ضرورة إرساء أسس السلام وإزالة كافة مسببات العنف بداية من قضية العرب الأولى وهي القضية الفلسطينية وصولا لكافة قضايا العالم الراهنة والملحة.. وكان خطاب الدورة الماضية هو الخطاب الذي جاء في أعقاب تعرض الدوحة لاستهداف إسرائيلي طال مباني سكنية أثناء انعقاد اجتماع لمجموعة الوساطة في حركة حماس يوم 9 سبتمبر من العام ذاته.
وقد جدد سموه في كلمته أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة موقف دولة قطر الواضح أولاً من هذا الاعتداء وثانيا من دورها كوسيط حيث قال سموه: "تعرضت الدوحة يوم 9 سبتمبر إلى اعتداء غادر استهدف خلاله اجتماع للوفد المفاوض لحركة حماس في مسكن أحد أعضائه في حي سكني يضم مدارس وبعثات دبلوماسية". وأكد سموه أن هذا العدوان "خرقًا سافرًا وغير مبرر للأعراف والمواثيق الدولية".
ومن جديد أكدت دولة قطر أن العمل على تحقيق التنمية لن يتوقف حتى وإن كان المصاب هي الدوحة نفسها التي تقدم الخير للجميع.
وحمل خطاب حضرة صاحب السمو أمام الدورة الـ80 الترحيب بالجميع في الدوحة في مؤتمر القمة العالمي الثاني للتنمية الاجتماعية، الذي انعقد خلال الفترة من 4-6 نوفمبر 2025.
واختصر سموه مفهوم التنمية في عبارة بليغة نصها: "أننا قادرون على جعل الأحداث الرياضية الكبرى ساحة للتواصل والتقارب بين الثقافات المختلفة"، وهو تأكيد قطري على أنه لا رياضة ولا ثقافة بدون تنمية ولا تنمية إلا تحت مظلة من الاستقرار والأمان.
وأكد حضرة صاحب السمو مجددا موقف قطر الثابت من الوساطة والشراكة الدولية وقال: "لقد انخرطنا في وساطة شاقة لوقف الحرب، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين. وواجهنا حملات تضليل ضد الجهود التي نبذلها. لكن تلك الحملات لن تثنينا عن مواصلة جهودنا بالشراكة مع جمهورية مصر العربية الشقيقة والولايات المتحدة الأمريكية".
وقدم سمو الأمير في كلمته منهاج عمل الدوحة لإحلال السلام عبر دبلوماسية الوساطة وقال سموه في هذا الصدد: "إيماناً منا بأن عدم الاستقرار لا يعرف حدودًا، وأن الإنسانية مصيرها مترابط، فقد واصلت دولة قطر جهودها الدبلوماسية للإسهام في حل أزمات أخرى كالحرب في أوكرانيا والحروب في إفريقيا. وقد أثمرت المثابرة في هذه الجهود مع شركائنا في القارة الإفريقية عن خطوات نوعية نحو إحلال السلام، كان أبرزها التوقيع على إعلان المبادئ في الدوحة بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف نهر الكونغو/حركة 23 مارس، دعمًا لمسار تقوده الولايات المتحدة إلى اتفاق سلام شامل في شرق البلاد، وستظل دولة قطر شريكًا فاعلًا في المجتمع الدولي لحل المنازعات بالطرق السلمية واقتناص الفرص لإحلال السلام العالمي".
وتبقى مضامين خطابات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى ومبادئ السلام والتنمية والشراكة نهجا ثابتا في السياسة القطرية يتجدد كل عام مع اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
كما تحمل خطابات سموه وصفات شفاء لآلام مستعصية دائمة تعصف بمقدرات الشعوب وتضعف من قدرة الإنسان على تحقيق أحلامه في العيش الكريم لتنحاز السياسة القطرية قولا وفعلا إلى أسس الحق والعدل والقانون.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو