طفرة مراكز البيانات.. آفاق جديدة أمام زيادة الطلب العالمي على الغاز
الدوحة في 19 أغسطس /قنا/ تتجه مراكز البيانات لأن تصبح أحد أكبر محركات نمو الطلب العالمي على الكهرباء، مدفوعة بالتوسع السريع في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية، التي تتطلب كميات كبيرة من الطاقة على مدار الساعة، ما يفتح آفاقا جديدة لصناعة الغاز.
ومع تصاعد احتياجات هذه المنشآت، تتزايد الحاجة إلى مصادر كهرباء موثوقة وقادرة على تلبية الطلب المستمر، ما يعزز دور الغاز الطبيعي باعتباره أحد أهم مصادر التوليد المرنة التي يمكنها دعم الشبكات بالتوازي مع التوسع في الطاقة المتجددة.
وفي هذا السياق، يقول السيد نايف النابت زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية متخصص في حوكمة الذكاء الاصطناعي، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن مراكز البيانات تحتاج إلى طاقة لا تنقطع، مشيرا إلى أنه بينما كانت التقديرات حتى وقت قريب تتحدث عن فائض متوقع في سوق الغاز المسال مع دخول طاقات إنتاجية جديدة، بدأ الحديث يتحول إلى احتمال انحسار هذا الفائض بفعل الطلب المرتبط بالحوسبة.
وأضاف أن من يوفر الطاقة لم يعد طرفا في نقاش الأسعار فقط، بل صار حاضرا في نقاش القدرة التقنية الذي كان محصورا بمن يملك الرقائق والنماذج، كما أن الدول الغنية بالغاز لم تكتف بموقع المورد، بل اتجهت إلى الاستثمار المباشر في البنية التحتية للحوسبة.
من جانبه، قال السيد محمد علم الخبير المتخصص في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن مراكز البيانات لم تعد بنية تقنية مساندة، بل غدت ركيزة للاقتصاد الرقمي، تقوم عليها الخدمات الحكومية والمالية والصحية، ومع اتساع اعتماد الذكاء الاصطناعي، تزايدت الحاجة إلى قدرات حوسبية كثيفة تعمل على مدار الساعة، وارتفع معها الطلب على الكهرباء.
وأشار علم إلى أن أحدث تقديرات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء عالميا سيتضاعف تقريبا من 485 تيراواط ساعة خلال عام 2025 إلى 950 تيراواط ساعة بحلول عام 2030، مع نمو أسرع في المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن التحدي لا يتمثل في الحد من التوسع، بل بأي كفاءة سيتم إدارة طاقته.
وأكد أن كفاءة مركز البيانات لا تقاس بكمية الطاقة التي يستقبلها، بل بمقدار الحوسبة النافعة التي ينتجها منها، موضحا أن هذه الكفاءة تبدأ من التصميم الذي يشمل بنية عالية الكثافة وأنظمة تبريد تلائم المناخ المحلي واستخداما أفضل للموارد وتوزيعا مدروسا للأحمال بين مراكز البيانات المحلية والسحابة والحوسبة الطرفية وفق متطلبات سيادة البيانات والأمن وسرعة الاستجابة، وأشار إلى أنه يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جزءا من الحل عبر التنبؤ بالأحمال وتحسين التبريد وتقليص الطاقة المهدرة.
وفي السياق القطري، قال الخبير في مجال تكنولوجيا المعلومات إن المسألة أعمق من كونها تحديا تشغيليا، مشيرا إلى أن قطر بنت مكانتها الاقتصادية على إتقان تحويل الطاقة إلى قيمة، والاستثمار في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي امتداد طبيعي لهذه المعادلة بصيغة جديدة تتمثل في "طاقة تتحول إلى حوسبة، وحوسبة تتحول إلى معرفة، ومعرفة تتحول إلى قيمة اقتصادية وخدمية"، وهو ما يتقاطع مباشرة مع رؤية قطر الوطنية 2030 في ركيزتيها الاقتصادية والبيئية، حيث تتحول الكفاءة والاستدامة من كلفة إضافية إلى ميزة تنافسية طويلة الأمد.
ورأى أن الطاقة لم تعد مجرد بند في الموازنة التشغيلية، بل أصبحت معيارا تصميميا، والمؤسسات التي تتعامل معها على هذا الأساس منذ اليوم الأول تبني بنية رقمية أكثر كفاءة وجاهزية للمستقبل، مشيرا إلى أن النجاح لن يقاس بحجم القدرة الحوسبية المتاحة، بل بمقدار القيمة الاقتصادية والخدمية المنتجة من كل وحدة طاقة مستهلكة.
وفي هذا المشهد المتغير، تبرز قطر، بما تمتلكه من احتياطيات غازية ضخمة وقدرات متنامية في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، بوصفها لاعبا رئيسيا قادرا على الاستفادة من موجة الطلب المتزايدة على الطاقة والغاز خلال السنوات المقبلة.
هذه الإمكانيات التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة وعلى رأسها مراكز البيانات الضخمة أكدتها تقارير سابقة أشارت إلى أن الغاز يعتبر طاقة المستقبل، وأن الطلب المتزايد عليه سيستمر مدعوما بالنمو الاقتصادي العالمي وعوامل أخرى مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، حيث يتوقع أن يصل الطلب على الغاز الطبيعي المسال إلى ما بين 600 و700 مليون طن سنويا بحلول عام 2035.
ووفقا لتقرير مؤسسة "غريد ستراتيجيز" الاستشارية الأمريكية المتخصصة في قطاع الطاقة والكهرباء، تستحوذ مراكز البيانات في الولايات المتحدة على نحو 55 في المئة من توقعات نمو الأحمال الكهربائية لدى شركات المرافق خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يعكس حجم التأثير الذي باتت تمارسه هذه المنشآت على خطط قطاع الكهرباء، ومع استمرار توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يتوقع أن ترتفع احتياجات مراكز البيانات من الطاقة بصورة أكبر، الأمر الذي يدفع شركات المرافق إلى تسريع خطط إضافة قدرات توليد جديدة.
وفي هذا السياق، يتزايد الاعتماد على الغاز الطبيعي لتوفير كهرباء مستقرة ومرنة، بالتوازي مع الاستثمار في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حيث تمثل الطاقة المتجددة عنصرا أساسيا في خطط خفض الانبعاثات وتنويع مزيج الطاقة، لكنها تتأثر بعوامل مثل الظروف الجوية وتفاوت الإنتاج، ما يجعل الغاز الطبيعي مصدرا مهما لتوفير الكهرباء عند ارتفاع الطلب أو انخفاض إنتاج المصادر المتجددة.
وتتجه بعض الشركات المتخصصة في إنتاج الكهرباء، نتيجة لذلك، إلى إضافة قدرات جديدة لتوليد الكهرباء بالغاز، فيما تعيد شركات أخرى النظر في خطط إغلاق بعض محطات التوليد التقليدية، بما يضمن الحفاظ على احتياطيات كافية من الكهرباء خلال المرحلة التي تشهد فيها الشبكات نموا سريعا في الأحمال.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو