سباق عالمي على الذكاء الاصطناعي وسط دعوات لتعزيز الأمن والسيادة الرقمية
الدوحة في 23 يونيو /قنا/ في وقت يعيش العالم فيه تحولات متسارعة في موازين القوة والنفوذ، لم تعد الدول وحدها اللاعب الرئيسي في رسم ملامح النظام الدولي، بل برزت شركات التكنولوجيا العملاقة كقوى مؤثرة تمتلك أدوات اقتصادية وإعلامية ورقمية باتت قادرة على التأثير في الاقتصادات والمجتمعات وحتى في صناعة القرار السياسي.
وأدى هذا التحول إلى إعادة طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل السيادة الوطنية، وحدود نفوذ الشركات العابرة للحدود، وطبيعة العلاقة بين الحكومات والقطاع التكنولوجي في عصر الذكاء الاصطناعي.
ويرى خبراء في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا" أن التكنولوجيا لم تعد مجرد قطاع اقتصادي قائم على الابتكار والاستثمار، بل أصبحت عنصرا أساسيا في منظومة الأمن القومي للدول، خاصة مع تزايد الاعتماد على البيانات والمنصات الرقمية والبنية التحتية الذكية في إدارة المؤسسات والاقتصادات الحديثة. كما أن التنافس الدولي المتصاعد بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، عزز من أهمية السيطرة على الفضاء الرقمي باعتباره أحد أهم ساحات الصراع والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.
وتختلف مقاربات الدول في التعامل مع هذا الواقع الجديد، فالولايات المتحدة تعتمد بصورة كبيرة على شركات القطاع الخاص العملاقة مع تعزيز الرقابة ومكافحة الاحتكار، فيما تتبنى الصين نموذجا قائما على توجيه الدولة للقطاع التكنولوجي وربطه بأهدافها الاستراتيجية. أما الاتحاد الأوروبي فيسعى إلى فرض أطر تنظيمية وتشريعية صارمة لحماية البيانات والحد من هيمنة الشركات الكبرى، رغم استمرار اعتماده على الكثير من التقنيات والمنصات الأجنبية.
وفي خضم هذه التحولات، تتزايد الدعوات إلى تعزيز مفهوم "السيادة الرقمية" بوصفها امتدادا لمفهوم السيادة الوطنية، بما يضمن قدرة الدول على حماية بياناتها ومعلوماتها الحيوية وتقليل الاعتماد على المنصات الخارجية في القطاعات الحساسة.
وفي هذا السياق، أكد صبحي شبيب خبير في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الكفاءة أو زيادة الإنتاجية، بل تحول إلى حتمية اقتصادية وأمنية وعسكرية ستحدد موقع الدول والمؤسسات في المستقبل.
وقال شبيب إن استخدام الذكاء الاصطناعي انتقل من كونه ميزة تنافسية إلى ضرورة استراتيجية لتجنب التهميش، مرجحا أن يصبح خلال السنوات المقبلة عنصرا أساسيا لا يقل أهمية عن الكهرباء أو الإنترنت بالنسبة للدول والمؤسسات والأفراد.
وأوضح أن الريادة في هذا المجال تتطلب استثمارات ضخمة وقدرات استثنائية على استقطاب الكفاءات والمواهب التقنية، وهو ما يجعل المنافسة العالمية في هذا القطاع مقتصرة على عدد محدود من القوى والدول القادرة على توفير الموارد اللازمة لتطوير النماذج والمنصات المتقدمة.
وأشار إلى أن النفوذ الشخصي لقادة شركات الذكاء الاصطناعي يشهد تصاعدا غير مسبوق، حيث أصبح العديد منهم يستقبلون على مستوى رؤساء الدول ويشاركون في مناقشات تتعلق بالسياسات والاستراتيجيات الوطنية، مستفيدين من الثقل الاقتصادي الهائل الذي تمثله شركاتهم، فهناك من تفوق ثروته عن واحد تريليون دولار ويتحكم بعدة شركات تريليونية.
وأضاف أن القيمة السوقية لعدد من الشركات الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا (Nvidia, Google, Microsoft, META, XAI ) بلغت مستويات تاريخية غير مسبوقة وصلت إلى 16 تريليون دولار، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه القيمة لا تشمل شركتي Open Ai (ChatGPT) و Anthropic (Claude) لأنهما ستدخلان السوق في النصف الثاني من هذا العام.
ولفت إلى أن مجموع ما طرح في الأسواق الأمريكية من أسهم للاكتتاب خلال الـ 25 عاما الماضية بلغت قيمته ما يقارب 1.2 ترليون دولار وفي 12 يونيو تم طرح أسهم شركة XAI حيث بلغت قيمتها السوقية ما يقارب 2.2 ترليون دولار، وهذا يعكس حجم النفوذ الذي باتت تمتلكه هذه الشركات في الاقتصاد العالمي.
كما لفت إلى أن المنصات الذكية أصبحت اليوم مرجعا رئيسيا للمؤسسات وصناع القرار والأفراد في الوصول إلى المعلومات وتحليلها واتخاذ القرارات، كما أنها تشكل جزءا أساسيا من الأنظمة التشغيلية وحلول الأمن السيبراني في العديد من القطاعات الحيوية.
وحذر شبيب من أن الجهات التي تتحكم بمنصات الذكاء الاصطناعي تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في أعمال المؤسسات والرأي العام والسرديات الوطنية، مشيرا إلى أن أي اعتماد مفرط على منصات خارجية قد ينعكس على مستوى الاستقلالية الرقمية للدول وقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية.
وأضاف أن استغلال البيانات الشخصية والمؤسساتية وما تحتويه من معلومات وسلوكيات وأنماط تفكير يمكن أن يمنح أطرافا خارجية أدوات مؤثرة للتأثير في المجتمعات وصناع القرار، الأمر الذي يجعل حماية البيانات والسيادة الرقمية جزءا لا يتجزأ من الأمن الوطني.
وفيما يتعلق بالجهود الخليجية، أوضح شبيب أن دول مجلس التعاون الخليجي بدأت خلال السنوات الأخيرة في بناء منظومات وطنية للذكاء الاصطناعي، مستشهدا بمنظومة "الفنار" في قطر، ومنظومة "علام" في المملكة العربية السعودية، ونماذج "فالكون" و"جيس" في دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب إطلاق قطر للشركة الوطنية للذكاء الاصطناعي كذراع استراتيجية لدعم هذا القطاع الحيوي.
وأكد أن هذه المبادرات تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز القدرات المحلية وتوفير خدمات الذكاء الاصطناعي داخل المنطقة، بما يتيح معالجة البيانات محليا وتطوير محتوى عربي وإسلامي يعكس خصوصية المجتمعات وثقافتها.
وأشار في الوقت نفسه إلى أن تحقيق استقلال كامل في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة المقبلة لا يزال أمرا صعبا حتى بالنسبة للعديد من القوى الكبرى، موضحا أن الهدف الأكثر واقعية يتمثل في تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية وتعزيز القدرات المحلية في إدارة البيانات وتطوير التطبيقات والخدمات الرقمية.
وشدد على أن السيادة الرقمية ليست مشروعا مؤقتا، بل عملية مستمرة تتطلب استثمارات دائمة في البحث والتطوير والتحديث، نظرا للتغير السريع في التكنولوجيا وتزايد أحجام البيانات وتطور التهديدات الرقمية بصورة متواصلة، والخدمات لذلك يتطلب الأمر وضع مراكز للمتابعة والتحديث للمحافظة على خطى التطوير والاستقلالية الاستراتيجية.
من جانبه، أكد نضال خولي محلل مالي واقتصادي أن التحول الرقمي لم يعد خيارا ترفيهيا يمكن تأجيله أو التعامل معه باعتباره مسارا ثانويا، بل أصبح ضرورة تنموية واقتصادية تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي الجديد.
وقال خولي إن العالم يشهد اليوم بداية مرحلة أكثر عمقا من التحولات الرقمية، تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي ستنعكس آثارها على مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والخدمية خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن المجتمعات والاقتصادات اعتادت في العقود الماضية على وتيرة أبطأ لنقل التكنولوجيا، حيث كانت الابتكارات تنتشر تدريجيا من الدول المطورة إلى بقية دول العالم، ما يتيح الوقت الكافي للتكيف والاستعداد. أما اليوم، فإن الفجوة الزمنية بين ظهور الابتكار واعتماده باتت تتقلص بصورة كبيرة، الأمر الذي يفرض على الحكومات والشركات مواكبة التطورات بوتيرة غير مسبوقة.
وأضاف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في كيفية الاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي مع المحافظة في الوقت نفسه على أمن البيانات وخصوصيتها، مشيرا إلى أن الفارق بين أنظمة العمل التقليدية وتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة يعادل الفارق بين التلغراف والهواتف الذكية من حيث السرعة والكفاءة وقدرات معالجة المعلومات.
وأكد خولي أن التحول الرقمي أصبح ضرورة اقتصادية وتنموية لا يمكن تجنبها، لافتا إلى أهمية تعزيز الاستثمارات الخليجية في البنية التحتية الرقمية المحلية والإقليمية، لا سيما في القطاعات التي تتعامل مع بيانات حساسة تتطلب مستويات عالية من الحماية والأمن.
ورأى أن دول الخليج تمتلك فرصة تاريخية للانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمصدر لها، مستفيدة من مواردها المالية الكبيرة وبنيتها التحتية المتطورة ورؤاها التنموية الطموحة.
وأوضح أن تأسيس شركات إقليمية عملاقة متخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز رئيسية للقطاعات الاقتصادية في المنطقة، وأن هذه الشركات قادرة مستقبلا على التوسع نحو أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى وتقديم حلول تقنية وخدمات رقمية تنافس على المستوى العالمي.
وأشار إلى أن الرهان الحقيقي في المستقبل لن يكون على امتلاك البيانات وحدها، بل على امتلاك المنصات والبنية التحتية والقدرات التقنية القادرة على تحليل البيانات وتحويلها إلى معرفة وقيمة اقتصادية مستدامة، مؤكدا أن الدول والمؤسسات التي تستثمر مبكرا في بناء هذه القدرات ستكون الأقدر على المنافسة والريادة خلال العقود المقبلة.
ويجمع الخبراء على أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا مع السياسة والاقتصاد والأمن بصورة غير مسبوقة، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القدرات العسكرية، بل أيضا بالقدرة على التحكم في البيانات والمنصات الرقمية والبنية التحتية الذكية.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن المستقبل لن يشهد انتصارا كاملا للدول على الشركات أو العكس، بل توازنا معقدا ومتحركا بين الطرفين، تسعى فيه الحكومات إلى حماية سيادتها الرقمية وأمنها الوطني، فيما تواصل الشركات التكنولوجية توسيع نفوذها العالمي. وبين هذين المسارين، تتشكل ملامح نظام عالمي جديد تصبح فيه السيطرة على الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر القوة والتأثير في القرن الحادي والعشرين.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو