خبير اقتصادي لـ"قنا": دول "آسيان-6" ترسخ مكانتها كأحد أكثر مراكز النمو ديناميكية في العالم
في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية....
الدوحة في 02 يونيو /قنا/ في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات متزايدة تتمثل في تباطؤ النمو واضطرابات سلاسل التوريد وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تبرز دول جنوب شرق آسيا كواحدة من أكثر المناطق الاقتصادية قدرة على الحفاظ على زخم النمو وتحقيق معدلات أداء لافتة؛ إذ نجحت اقتصادات رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" في بناء نموذج تنموي قائم على الانفتاح التجاري والاستفادة من التحولات العالمية في الاستثمار والتصنيع، إلى جانب توظيف مزاياها الديموغرافية والتحول الرقمي المتسارع.
وحققت أكبر ست دول في رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان-6"، التي تضم إندونيسيا وتايلاند وسنغافورة وماليزيا وفيتنام والفلبين، أفضل معدلات النمو الاقتصادي وكانت الأكثر حيوية على مستوى العالم، حيث وصلت سنغافورة بالفعل إلى مرتبة اقتصاد متقدم.
وفي هذا السياق، يرى رسول ريسمامبيتوف الخبير الاقتصادي في مركز أبحاث بجامعة نزارباييف في كازاخستان أن استمرار النمو القوي في اقتصادات دول آسيان الست لا يعد خروجا عن الاتجاه العالمي بقدر ما يعكس نتائج طبيعية لمجموعة من العوامل الهيكلية التي عززت مناعة اقتصادات المنطقة في مواجهة التحديات الدولية المتزايدة.
وقال ريسمامبيتوف، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية " قنا"، إن العديد من مناطق العالم واجهت خلال السنوات الأخيرة تباطؤا في التجارة العالمية، وتزايدا في حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاعا في معدلات التضخم، إلى جانب تشدد الأوضاع المالية، إلا أن دول جنوب شرق آسيا استطاعت الحفاظ على زخم نموها بفضل مجموعة من المزايا المتكاملة التي تدعم بعضها بعضا.
وأوضح أن العامل الديموغرافي يمثل أحد أبرز مصادر القوة في المنطقة، حيث تتمتع دول مثل إندونيسيا والفلبين وفيتنام بقوى عاملة شابة نسبيا وطبقات متوسطة آخذة في التوسع، مشيرا إلى أن الشباب يشكلون محركا أساسيا للإنتاجية، بينما يسهم اتساع الطبقة المتوسطة في تعزيز الطلب المحلي وزيادة مستويات الاستهلاك، في وقت تواجه فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة تحديات مرتبطة بشيخوخة السكان وتباطؤ الاستهلاك.
وكان بنك قطر الوطني (QNB) توقع في تقرير أصدره مؤخرا أن ينمو اقتصاد فيتنام بنسبة تقارب 7 في المئة العام الجاري، مدعوما بتدفقات قوية للاستثمار الأجنبي المباشر وقطاع التصنيع والاستهلاك المحلي القوي، وأن ينمو اقتصاد إندونيسيا بنسبة 4.9 في المئة بدعم الطلب المحلي القوي والتحفيزات المالية، وتحافظ ماليزيا على نسبة نمو تبلغ 4.7 في المئة، مدعومة باستثمارات رقمية كبيرة وموقع استراتيجي في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية.
كما توقع أن تواصل سنغافورة، بفضل إطارها المؤسسي المتقدم والاستثمارات العالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، جذب تدفقات رأسمالية عالية القيمة، في وقت تواجه فيه تايلاند أكثر الآفاق صعوبة، حيث من المتوقع أن يبلغ نموها حوالي 1.5 في المئة في 2026، إذ يعد مستوى ديون الأسر فيها الأعلى بين دول آسيان، مما يقلل الإنفاق الاستهلاكي في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف الطاقة، فضلا عن ما تواجهه الفلبين من ضغوط تضخمية حادة نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتعديلات أسعار الكهرباء وتكاليف النقل، ما يبقي النمو منخفضا، ولكنه يتوقع أن يبلغ 4.1 في المئة.
واعتبر رسول ريسمامبيتوف، الخبير الاقتصادي بمركز أبحاث بجامعة نزارباييف في كازاخستان، أن دول "آسيان-6" أصبحت من أبرز المستفيدين من إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، حيث تسعى الشركات متعددة الجنسيات إلى تقليل مخاطر الاعتماد على مركز إنتاج واحد.
واستشهد ريسمامبيتوف، في تصريحاته لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، بالتجربة الفيتنامية التي نجحت في جذب استثمارات ضخمة في صناعات الإلكترونيات والتكنولوجيا، إضافة إلى تطوير قدرات إنتاجية في قطاع السيارات الكهربائية، بينما استفادت إندونيسيا من مواردها الطبيعية وسياساتها الصناعية للارتقاء بموقعها ضمن سلاسل القيمة العالمية.
وأضاف أن هذه الدول حافظت على نهج اقتصادي عملي ركّز على استقرار الاقتصاد الكلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتطوير البنية التحتية، والحفاظ على انفتاحها التجاري، وهو ما عزز ثقة المستثمرين حتى خلال فترات الاضطراب الاقتصادي العالمي.
وأشار إلى أن التكامل الاقتصادي الإقليمي لعب دورا مهما في تعزيز مرونة اقتصادات "آسيان"، موضحا أن الرابطة لم تعد مجرد منصة إنتاج موجهة للأسواق الخارجية، بل أصبحت سوقا إقليمية متنامية بفضل توسع التجارة البينية والاستثمارات العابرة للحدود، كما أن تنامي الطلب داخل المنطقة أسهم في تقليل تأثير الصدمات الخارجية وخفض الاعتماد التقليدي على أسواق أوروبا والولايات المتحدة.
ولفت إلى أن التوسع الحضري المتسارع يمثل عاملا إضافيا يدعم النمو الاقتصادي، حيث ينتقل ملايين السكان إلى المدن، مما يرفع الطلب على الإسكان والنقل والخدمات المصرفية والمالية والتكنولوجيا المالية والرعاية الصحية والبنية التحتية الرقمية، معتبرا أن هذه التحولات تفتح آفاقا واسعة للاستثمار، وتسهم في رفع الإنتاجية على المدى الطويل.
وأكد الخبير الاقتصادي أن التحول الرقمي أصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو في جنوب شرق آسيا؛ إذ تعد المنطقة من أسرع الاقتصادات الرقمية نموا على مستوى العالم، مع توسع ملحوظ في التجارة الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، والخدمات المالية التقنية، والخدمات الإلكترونية المختلفة. وأوضح أن هذه القطاعات تعزز الكفاءة الاقتصادية وتوسع فرص الأعمال، خاصة أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وعلى الرغم من استمرار بعض المخاطر المتمثلة في ضعف الطلب العالمي والتوترات الجيوسياسية، رأى الخبير الاقتصادي أن دول "آسيان" تدخل المرحلة المقبلة من موقع قوة نسبية مقارنة بالعديد من المناطق الأخرى، مستندة إلى مزيج من التركيبة السكانية الإيجابية، والتصنيع المتقدم، والاستثمار في البنية التحتية، والتقدم الرقمي.
وأشار إلى أن تجربة "آسيان" تقدم نموذجا مهما يمكن أن تستفيد منه دول آسيا الوسطى الخمس، وهي كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، وكذلك دول الشرق الأوسط، من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي، والاستثمار في الرقمنة، والاستفادة من المزايا الديموغرافية، وتطوير التجارة البينية، بما يسهم في بناء اقتصادات أكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام وشامل خلال السنوات المقبلة.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو