خبير مالي لـ"قنا": القطاع المصرفي العالمي بين مطرقة ضغوط التضخم وسندان إعادة تسعير المخاطر
الدوحة في 06 مايو /قنا/ يشهد القطاع المصرفي العالمي مرحلة دقيقة في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، والتي باتت تؤثر بشكل غير مباشر، ولكن عميق على استقرار الأسواق المالية. فارتفاع أسعار النفط، مدفوعًا بالمخاطر المحيطة بإمدادات الطاقة العالمية، أصبح عاملًا رئيسيًا في تغذية الضغوط التضخمية ورفع مستويات عدم اليقين.
ومع استمرار هذه الظروف، تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة للإبقاء على سياسات نقدية مشددة، ما ينعكس بدوره على تكلفة التمويل وجودة الأصول داخل القطاع المصرفي. وبينما لا تلوح في الأفق أزمة مصرفية شاملة، إلا أن البيئة الحالية تشير إلى مرحلة من إعادة تسعير المخاطر واختبار حقيقي لقدرة البنوك على التكيف مع واقع اقتصادي أكثر تعقيدًا يمتد لفترة أطول مما كان متوقعًا.
وفي هذا السياق، يرى رسول ريسمامبيتوف، خبير مالي في مركز أبحاث تابع لجامعة نزارباييف في كازاخستان في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن التصعيد في الشرق الأوسط بدأ ينعكس بشكل واضح على القطاع المصرفي العالمي، ليس بشكل مباشر، بل من خلال قناة أسعار الطاقة وتأثيرها على التضخم وتقلبات الأسواق المالية.
ويشير إلى أن ارتفاع سعر خام برنت إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل، في ظل المخاطر المحيطة بمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 15–20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، يمثل عامل ضغط رئيسي. ويضيف أن أي صدمة في الإمدادات بنسبة 10 بالمئة قد ترفع معدلات التضخم بنحو 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية.
وأكد الخبير المالي، أن ارتفاع توقعات التضخم يدفع البنوك المركزية الكبرى إلى الإبقاء على سياسات نقدية مشددة، حيث يواصل كل من الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، محذرا من أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الصدمة، بل في احتمالية استمرارها لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق، ما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على توقعات التضخم.
وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعًا على تكاليف النقل والطاقة والغذاء، مما يخلق آثارًا تضخمية من الدرجة الثانية لا يمكن للبنوك المركزية تجاهلها، وبالتالي يقلل من فرص خفض أسعار الفائدة على المدى القريب. ويشير إلى أن الأسواق بدأت تتحول من سيناريو "الهبوط الناعم مع التيسير" إلى بيئة "فائدة مرتفعة لفترة أطول"، مع ارتفاع في العوائد الحقيقية وزيادة علاوة الأجل.
وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي، لفت ريسمامبيتوف إلى أن التأثيرات متباينة، فمن جهة، تستفيد البنوك الكبرى ذات القواعد التمويلية المستقرة من ارتفاع أسعار الفائدة عبر تعزيز هوامش صافي الفائدة، لكن من جهة أخرى، تتزايد الضغوط نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل وتدهور جودة الأصول.
ونوه بأن ارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة الوقود والغذاء والخدمات، سيؤثر سلبًا على دخل الأسر، مما قد يؤدي إلى زيادة القروض المتعثرة إذا استمرت الأزمة.
ورغم هذه التحديات، أكد الخبير المالي أن النظام المصرفي العالمي يدخل هذه المرحلة من موقع قوة نسبية، مستندًا إلى نسب ملاءة رأسمالية جيدة، حيث يبلغ متوسط نسبة الشريحة الأولى لرأس المال (CET1) نحو 14.1 بالمئة، إلى جانب مستويات سيولة مرتفعة وأطر اختبار ضغط أكثر صرامة.
لذلك، يستبعد حدوث أزمة مصرفية شاملة، لكنه لا ينفي احتمال ظهور ضغوط موضعية في بعض القطاعات والمناطق الأكثر تأثرًا.
وفي الختام، قال رسول ريسمامبيتوف إن الخطر الأساسي لا يتمثل في أزمة مصرفية وشيكة، بل في إعادة تسعير ممتد للمخاطر عبر النظام المالي العالمي، وهو ما سيؤدي إلى تآكل جودة الائتمان واختبار قدرة البنوك على التكيف مع بيئة تتسم بارتفاع الفائدة وتباطؤ النمو وتشديد شروط الإقراض.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو