مع ارتفاع أسعار النفط.. أوبك بلس أمام اختبار صعب للموازنة بين استقرار السوق وتنافس الحصص
الدوحة في 30 أبريل /قنا/ قفزت أسعار النفط اليوم إلى مستويات لافتة تجاوزت 126 دولارا للبرميل، في موجة صعود تعكس تصاعد تأثير العوامل الجيوسياسية على أسواق الطاقة العالمية، وذلك في وقت تتداخل فيه مؤشرات شح المعروض مع تباطؤ نسبي في نمو الطلب، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تطورات مفاجئة ويزيد من حالة عدم الاستقرار التي تهيمن على المشهد النفطي.
وفي ظل هذا التعقيد، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل سوق النفط، تتراوح بين عودة الاستقرار التدريجي حال تراجع التوترات الجيوسياسية وإعادة انسياب الإمدادات، وبين استمرار الاضطرابات بما قد يؤدي إلى المزيد من الضغط على المعروض وارتفاع الأسعار، وبين هذا وذاك، يظل تحالف "أوبك بلس" أمام اختبار صعب يتعلق بقدرته على موازنة الاستقرار مع التنافس على الحصص في بيئة دولية شديدة التقلب.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور هاشم السيد أن التصعيد العسكري في المنطقة تسبب في اندلاع ما وصف بـ"أسوأ أزمة طاقة في التاريخ"، أدت إلى شلل شبه كامل في إمدادات النفط والغاز العالمية، ما دفع الأسعار إلى مستويات قياسية تجاوزت 126 دولارا للبرميل.
وأوضح الدكتور هاشم السيد، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، شكل نقطة تحول حاسمة في الأزمة، مع توقف ما يقارب من 20 مليون برميل يوميا من التدفقات النفطية، في وقت يتجاوز فيه الاستهلاك العالمي 100 مليون برميل يوميا، ما عمق فجوة الإمدادات بشكل غير مسبوق.
وأضاف أن تعطل الإمدادات دفع وكالة الطاقة الدولية إلى سحب قياسي بلغ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الإستراتيجية، إلا أن وتيرة السحب الفعلية التي تراوحت بين 3 و4 ملايين برميل يوميا لم تكن كافية لتعويض العجز الكبير في الإمدادات.
وأشار إلى أن أسباب ارتفاع الأسعار لا تقتصر على الإمدادات، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار الغاز والمشتقات الأخرى، بما في ذلك الأسمدة التي سجلت زيادات تقارب 60 في المئة، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الغذاء ويغذي موجة تضخمية عالمية.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن استمرار الغموض وعدم وضوح الرؤية بشأن التصعيد في المنطقة يخلق حالة من عدم اليقين لدى أسواق الطاقة، فضلا عن تداعيات سوق الشحن والتأمين وارتفاع تكاليفه، وغيرها من العوامل التي تعزز الضغوط الصعودية على الأسعار.
وحول مستقبل أسواق الطاقة، يرى الدكتور هاشم السيد أن العالم أمام سيناريوهين رئيسيين، يتمثل الأول في عودة الاستقرار الجيوسياسي وإعادة فتح الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز واستئناف الملاحة الطبيعية واستئناف الاستثمارات المؤجلة، وإن استغرق هذا بعض الوقت، بما يسمح بتعافي الإنتاج وتهدئة الأسواق تدريجيا، بشرط عودة الإنتاج بسرعة إلى مستوياته السابقة واستئناف الصادرات، فيما يتمثل السيناريو الثاني وهو الأسوأ، في استمرار تعطل الإمدادات عبر الممرات الإستراتيجية، وهو وضع لا يوجد له بديل فعلي لتعويض النقص الكبير في الإمدادات مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي، ما قد يقود إلى تبعات اقتصادية خطيرة تشمل ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي بشكل حاد.
وأكد الخبير الاقتصادي الدكتور هاشم السيد، في تصريحاته لـ"قنا"، أن تسريع إنهاء النزاع القائم وعودة الأوضاع الجيوسياسية إلى ما كانت عليه يمثل العامل الأهم لاستعادة استقرار الأسواق وعودة النمو الاقتصادي العالمي، في ظل المخاطر التي يفرضها استمرار حالة عدم اليقين واستمرار إغلاق مضيق هرمز وعدم وضوح الرؤية بشأن إنهاء التصعيد التي تعمق أزمة الطاقة.
ويرى محللون أن الأسواق تضيف ما يعرف بـ"علاوة المخاطر"، خاصة مع التهديدات التي تطال طرق الإمداد الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، في وقت حذر فيه البنك الدولي من أن أسعار الطاقة قد ترتفع بنسبة تصل إلى 24 في المئة خلال العام الجاري إذا استمرت الاضطرابات، ما قد ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي عالميا.
وفي هذا الصدد، أكد الدكتور عمر غرايبة أستاذ إدارة المخاطر المالية في كلية الأعمال بجامعة آل البيت الأردنية أن سوق النفط يعيش حالة معقدة من التوازن بين عوامل متعارضة، حيث تدعم الأسعار سياسات إدارة الإنتاج الحذرة التي يتبناها تحالف أوبك بلس، في مقابل مؤشرات على تباطؤ نسبي في نمو الطلب العالمي خلال النصف الأول من العام، وهو ما يخلق حالة من "التوازن الهش" بين العرض والطلب، خاصة مع التراجع التدريجي في المخزونات الإستراتيجية لدى عدد من الاقتصادات الكبرى.
وقال الدكتور عمر غرايبة، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن أحد أبرز العوامل المؤثرة يتمثل في احتمال حدوث تغيرات داخل تحالف أوبك بلس، وفتح المجال أمام زيادات غير منضبطة في المعروض، ما يعيد إلى السوق ديناميكيات "حرب الحصص"، معتبرا أن التأثير هنا لا يقتصر على الكميات، بل يمتد إلى ثقة الأسواق بقدرة التحالف على ضبط الإمدادات، وهو عنصر حاسم في تسعير النفط عالميا.
وأضاف أن السوق قد يشهد على المدى القصير نوعا من "الانفراج المؤقت" في الإمدادات، يقدر بنحو 400 مليون برميل خلال النصف الأول من العام، نتيجة تحسن نسبي في المعروض وتباطؤ الطلب، إلا أن هذا الفائض يظل محدود الأثر زمنيا، خصوصا مع استمرار استنزاف المخزونات، ما يقلل من قدرة السوق على مواجهة أي صدمات مفاجئة.
وفيما يتعلق بالطلب، أوضح الدكتور غرايبة أن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، خاصة في الصين، بدأ ينعكس تدريجيا على استهلاك الطاقة، رغم استمرار الدعم القادم من الأسواق الآسيوية، وهو ما يمنع حدوث تراجع حاد في الأسعار. كما لفت إلى أن توجهات مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) نحو التريث في خفض أسعار الفائدة قد تسهم في زيادة كلفة التمويل والضغط على النشاط الاقتصادي العالمي، بما يعمق تباطؤ النمو العالمي بشكل غير مباشر.
وبين أستاذ إدارة المخاطر المالية في كلية الأعمال بجامعة آل البيت الأردنية، في تصريحاته لـ"قنا"، أن مسار السوق خلال الفترة المقبلة قد يتحدد وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يتمثل أولها في احتمال تصدع تحالف أوبك بلس وعودة المنافسة على الحصص، وعندها قد ينتقل السوق إلى مرحلة "تحرير غير منظم للإمدادات"، ما قد يدفع الأسعار إلى التراجع نحو نطاق يتراوح بين 85 و100 دولار للبرميل، خاصة مع دور الإنتاج الأمريكي في كبح أي ارتفاعات.
وأضاف أن السيناريو الثاني يرتبط بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، سواء عبر تعطل الإمدادات أو تشديد العقوبات على دول منتجة مثل إيران وروسيا، وعندها قد يدخل السوق مرحلة "تعرقل إمدادات" حاد، وهو ما قد يدفع الأسعار لتجاوز 120 دولارا وربما الاقتراب من 130 دولارا للبرميل بشكل مؤقت نتيجة تصاعد علاوة المخاطر وذعر الأسواق.
وتابع أن السيناريو الثالث يتمثل في تباطؤ اقتصادي عالمي أعمق، ومع استمرار السياسة النقدية الأمريكية متشددة نسبيا، قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في الطلب، دون أن يصل إلى حد انهيار الأسعار، إذ من غير المرجح أن تنخفض أسعار النفط دون نطاق 85 - 90 دولارا للبرميل حتى في ظل الركود، في ظل استمرار القيود الإنتاجية داخل أوبك بلس ومحدودية مرونة المعروض، رغم الضغوط الناتجة عن تباطؤ الاقتصاد الصيني بشكل خاص.
وخلص الدكتور عمر غرايبة، في ختام تصريحاته لـ"قنا"، إلى أن سوق النفط لم يعد يتحرك فقط وفق أساسيات العرض والطلب، بل بات يعتمد بشكل متزايد على تسعير المخاطر، في ظل بيئة دولية تتصاعد فيها الاعتبارات الجيوسياسية، ما يجعل الأسعار أكثر تقلبا وحساسية لأي تطورات مفاجئة.
ويبدو أن سوق النفط يدخل مرحلة أكثر تعقيدا من التسعير، لم تعد فيها الأساسيات التقليدية هي المحرك الوحيد للأسعار، بل أصبحت "علاوة المخاطر" عنصرا رئيسيا في تحديد الاتجاهات، وبين احتمالات التهدئة الجيوسياسية أو استمرار التوترات، يبقى السوق شديد الحساسية لأي تطور مفاجئ، فيما يظل تماسك تحالف أوبك بلس وقدرته على ضبط الإمدادات عاملا حاسما في رسم مسار الأسعار خلال المرحلة المقبلة.
English
Français
Deutsch
Español