"رومان".. تلسكوب ناسا الأحدث لتوفير أطلس جديد للكون
الدوحة في 23 أبريل /قنا/ باتت اكتشافات التلسكوبات الجديدة مثل تلسكوب "جيمس ويب" (JWST) و"إقليدس" (EUCLID) وبقية المراصد والتلسكوبات محط أنظار الفلكيين والعلماء، بفضل تجاوزها حجب الغلاف الجوي للأرض، وتوفيرها صورا دقيقة تعيد تشكيل النظريات الفيزيائية حول نشأة الكون وتطوره، وتسهل القدرات الرصدية التي كانت حتى وقت قريب تعتبر مستحيلة بنظر وكالات الفضاء.
وجاء إعلان وكالة الفضاء الأمريكية ناسا هذا الأسبوع عن تلسكوبها الفضائي الجديد "رومان" (ROMAN) القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون، ليقدم إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.
وقال جاريد آيزاكمان مدير وكالة ناسا، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث "سيوفر لكوكب الأرض أطلسا جديدا للكون"، إذ توفر قدراته مسح مناطق شاسعة من السماء من نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية تلسكوب "هابل" الشهير بأكثر من مئة مرة.
وقال مارك ميلتون مهندس الأنظمة في مهمة "رومان" إن التلسكوب الجديد الذي يتجاوز طوله 12 مترا سيرسل إلى الأرض 11 تيرابايت من البيانات يوميا، ما يعني أن كم البيانات التي سيوفرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاما.
وأطلقت تسمية "رومان" على هذا التلسكوب، تيمنا بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأمريكيات والملقبة بـ "أم هابل"، نسبة إلى تلسكوب "هابل" الشهير التابع لـ ناسا، ويتوقع نقل "رومان" الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، والمزود بألواح شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيدا لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع شهر سبتمبر المقبل بواسطة صاروخ تابع لشركة "سبايس إكس".
ورغم أن ناسا تتوقع أن يتيح "رومان" بفضل عدسته الواسعة الزاوية اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة، فضلا عن آلاف المستعرات العظمى من النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها، بيد أن الغاية الأهم من إطلاقه هو دراسة ما هو غير مرئي، من المادة والطاقة المظلمتين اللتين يعتقد أنهما تمثلان 95 في المئة من الكون، بفضل الأشعة تحت الحمراء التي تمكنه من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بالنتائج إلى الأرض.
يشار إلى أن تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي الذي أطلق عام 2021 اكتشف نظاما فريدا من خمس مجرات تندمج في مرحلة مبكرة جدا من عمر الكون، بعد نحو 800 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم، وأظهر أن المجرات في الكون المبكر كانت أكثر تطورا مما تتوقعه النظريات الحالية، كما التقط صورا مذهلة عالية الدقة (بالأشعة تحت الحمراء) لأعمدة الخلق (Carina Nebula)، كاشفا عن نجوم وليدة وتفاصيل دقيقة للغبار والغاز لم تكن مرئية سابقا، وهذا ما يعطينا فكرة عن حجم الاكتشافات الكبيرة التي يتوقع أن يرسلها تلسكوب "رومان" المصنف على أنه أحدث من "جيمس ويب" وأكثر تطورا منه بكثير.
أما تلسكوب "إقليدس" الأوروبي فقد رسم خريطة للشكل الهندسي للعناصر والطاقة المظلمة في الكون، وهو ما يساعد في فهم كيفية تطور الكون من خلال "الجانب المظلم" واكتشاف بصمات الحياة، مكنت هذه الأدوات العلماء من رصد بصمات غازية محتملة للحياة في غلاف كواكب خارج المجموعة الشمسية، ورصد مجرات خافتة، وهو ما قدم أعمق صورة للكون على الإطلاق.
وتغير هذه التلسكوبات المفاهيم السائدة حول مصير الكون، حيث تطرح بياناتها مفاجآت حول توزيع المادة وتطور المجرات، وكشفت دراسة نشرت في مجلة "نيتشر أسترونومي"، عن مستوى غير متوقع من التعقيد الكوني، مما يشير إلى أن الهياكل الكبيرة والديناميكية تشكلت أسرع مما كان يعتقد سابقا. تكمن المعلومة الجديدة في العدد الكبير من المجرات المتفاعلة في وقت مبكر، بينما المعلومة المثيرة أن اندماج خمس مجرات بهذه الكثافة لم يكن متوقعا في هذا العصر، إذ يعتقد أن معظم المجرات كانت أصغر وأبسط ومعزولة.
ولم يكن إرسال التلسكوبات إلى الفضاء ترفا علميا، بل كان ضرورة حتمية فرضتها حدود الطبيعة، فبالرغم من صفاء سماء الأرض في بعض البقاع، إلا أن غلافنا الجوي يعمل كستارة سميكة تمتص وتحجب معظم الأطوال الموجية القادمة من أعماق الكون، مثل الأشعة السينية، وأشعة غاما، ومعظم الأشعة تحت الحمراء، كما تسبب الاضطرابات الهوائية في الغلاف الجوي تشتيتا للضوء (وهو ما يفسر تلألؤ النجوم)، مما يحرم التلسكوبات الأرضية من الوصول إلى الدقة المتناهية.
ورغم التكلفة الباهظة لهذه المراصد، والتي تقدر بمليارات الدولارات - كما هو الحال مع تلسكوب "جيمس ويب" الذي تجاوزت تكلفته 10 مليارات دولار - إلا أن الاستثمار في "العيون الفضائية" هو استثمار في المعرفة الوجودية، إذ تسبح هذه المراصد خلف الغلاف الجوي، في فراغ كوني بارد ومستقر، مما يتيح لها التقاط أضعف إشارات الضوء التي سافرت لملايين السنين لتصل إلينا، محولة الفضاء من "ثقب أسود" من المجهول إلى سجل مفتوح يحكي قصة نشأة النجوم، وتطور المجرات، وأصل العناصر التي تشكلت منها أجسادنا.
ويمكن الإشارة هنا إلى أهم التلسكوبات ودورها في الكون والتوقعات المنشودة منها وحجم المعلومات التي قدمتها خلال العقود الأخيرة منذ أن أصبحت التلسكوبات محل تنافس علمي بين الدول، بهدف اقتحام آفاق الفضاء وإنشاء تصورات غير معلومة سابقا عن المجرات والنجوم والأجسام الكونية البعيدة.
وقبل إطلاق تلسكوب "رومان" المنتظر خلال بضعة أشهر، تم إطلاق تلسكوب "إقليدس" عام 2023، وهو مشروع تقوده وكالة الفضاء الأوروبية إيسا بمساهمات علمية من ناسا ويستقر "إقليدس" بجوار "جيمس ويب" في نقطة "لاغرانج الثانية" بعيدا عن الأرض، ومهمته العظمى هي رسم خارطة ثلاثية الأبعاد للكون تغطي مليارات المجرات عبر زمن كوني يمتد لـ10 مليارات سنة. ويسعى "إقليدس" لفك لغز "المادة المظلمة" و"الطاقة المظلمة"، وقد أذهل العلماء بصوره الأولى التي أظهرت آلاف المجرات في لقطة واحدة بدقة بانورامية لم يسبق لها مثيل.
وكان تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي الذي أطلق عام 2021 كثمرة تعاون تاريخي بين وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، ووكالة الفضاء الأوروبية إيسا، ووكالة الفضاء الكندية، ومثل ذروة الهندسة البشرية، حيث استقر في مدار يبعد عن الأرض نحو 1.5 مليون كيلومتر بعيدا عن التشويش الحراري لكوكبنا، فيما تعرف بنقاط "لاغرانج" وهي خمس نقاط تسمح لما يوضع فيها أن يتم دورة واحدة حول الشمس في سنة كاملة، وكأنه واقف في مكان واحد بالنسبة للأرض.
وتتلخص مهمة "جيمس ويب" الأساسية بالرصد بالأشعة تحت الحمراء للنظر إلى بدايات الزمن ورؤية أولى المجرات التي تشكلت بعد "الانفجار العظيم". ومنذ إرسال صوره الأولى، أحدث ويب ثورة علمية؛ فقد رصد أقدم مجرة في الكون المعروف، والتقط صورا كيميائية دقيقة لأغلفة كواكب خارج مجموعتنا الشمسية، مما فتح الباب أمام احتمال البحث عن حياة في عوالم أخرى.
وفي عام 2018 أطلق تلسكوب "تيس" من وكالة ناسا ليكون "صائد الكواكب النجمية" الأعظم. فهو يدور في مدار فريد وعال جدا حول الأرض، ومهمته هي مسح النجوم الساطعة القريبة بحثا عن كواكب صالحة للسكن. وخلال سنوات عمله، اكتشف "تيس" آلاف الكواكب المرشحة خارج مجموعتنا الشمسية، بما في ذلك كواكب صخرية في "النطاق الصالح للحياة"، مما يمهد الطريق لتلسكوبات مثل "جيمس ويب" لدراسة أغلفتها الجوية بالتفصيل.
أما في عام 2013 فقد أطلق تلسكوب "غايا" عبر وكالة الفضاء الأوروبية ليعمل "مساحا" لمجرتنا درب التبانة، إذ يدور "غايا" أيضا في مدار بعيد حول الشمس، ومهمته الأساسية هي قياس مواقع وحركات وسطوع أكثر من مليار نجم بدقة متناهية. وبفضل بيانات غايا، تمكن العلماء من رسم أدق خارطة ثلاثية الأبعاد للمجرة، واكتشفوا من خلالها أن درب التبانة قد تعرضت لعدة تصادمات مع مجرات صغيرة في ماضيها السحيق، مما ساعد في فهم كيف تتطور المجرات وتكبر.
وهناك تلسكوبات ومراصد كثيرة أطلق أغلبها خلال العقدين الماضيين بفضل التعاون العلمي والفضائي بين وكالات الفضاء في الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا واليابان، لكن تلسكوب "هابل" الفضائي الذي أطلق في عام 1990 بالشراكة بين وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية، يعد أول مرصد بصري عملاق يوضع بعيدا عن عتامة الغلاف الجوي للأرض، ليدور على ارتفاع يصل إلى نحو 547 كيلومترا، وقد قدم للبشرية آنذاك أرصادا فاقت في قيمتها ما رصده الفلكيون منذ اختراع التلسكوب على يد غاليليو، وكان "هابل" هو من حدد عمر الكون بدقة بـ13.8 مليار سنة، وصور "أعمدة الخلق" في سديم النسر، كما كشف عن وجود الطاقة المظلمة التي تسبب توسع الكون المتسارع، ليصبح الأيقونة العلمية الأكثر تأثيرا في التاريخ.
English
Français
Deutsch
Español