خبيران فرنسيان لـقنا: الدور الأوروبي في أزمة مضيق هرمز محدود وهامشي
باريس في 20 أبريل /قنا/ في لحظة إقليمية مشحونة بإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، يعود مضيق هرمز إلى واجهة التوتر العالمي، ليس فقط كممر حيوي للطاقة، بل كساحة اختبار لإرادات القوى الدولية، غير أن التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها إعلان إيران إعادة إغلاق المضيق، بالتوازي مع استمرار الحصار البحري الأمريكي، وتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باللجوء مجددا إلى القوة العسكرية، تنقل الأزمة من منطق الاحتواء إلى حافة التصعيد المفتوح.
وقد جاءت القمة الفرنسية - البريطانية في باريس، التي جمعت أمس الأول الجمعة نحو 49 دولة، لتسريع بلورة مهمة متعددة الجنسيات "سلمية ودفاعية"، لتأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز عند توفر الظروف.
وأعلن كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني أن أكثر من 12 دولة مستعدة للمساهمة بأصول عسكرية، مع التحضير لاجتماع تخطيطي في لندن، بينما شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الطابع المحايد للمبادرة.
لكن خلف هذا الحراك، تتبلور معادلة "أكثر هشاشة" بين خطاب "حرية الملاحة" وواقع الردع المتبادل، وبين طموح أوروبي للاستقلالية الاستراتيجية وحدود الفعل في ظل مواجهة أمريكية - إيرانية متصاعدة. وهنا، لا تبدو المبادرة مجرد تحرك دبلوماسي، بل اختبارا لقدرة أوروبا على الفعل في واحدة من أكثر نقاط الاختناق الجيوسياسي حساسية في العالم.
وفي هذا السياق، أوضح خبيران فرنسيان، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الدور الأوروبي في أزمة مضيق هرمز يبقى محدودا وهامشيا، خاصة في غياب الدعم الأمريكي.
كما أكدا أن تراجع حضور أوروبا في عمليات الوساطة الدولية يكشف انحسارا في وزنها الجيوسياسي عالميا، معتبرين أن استعادة دور "الوسيط النزيه" لم يعد خيارا بل شرطا جوهريا لإعادة تموضع أوروبا في النظام الدولي.
وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور تيري كوفيل، المحلل السياسي المختص في الشأن الإيراني في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس، أن الاتحاد الأوروبي يمتلك بالفعل القدرات العسكرية التي تتيح له التدخل على الصعيد الأمني، غير أن الإشكال الأساسي، بحسب تقديره، يرتبط بغياب الإرادة السياسية.
ولفت إلى أن المرحلة الراهنة تعد مفصلية، في ظل التوترات المتصاعدة بين أوروبا والولايات المتحدة، والتي جعلت مسألة تحقيق استقلالية استراتيجية أوروبية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
وأشار إلى أن أي تدخل من هذا النوع قد يندرج ضمن هذا التوجه نحو الاستقلالية، التي باتت ضرورة ملحة، رغم استمرار اعتماد أوروبا بشكل كبير على الولايات المتحدة في ما يتعلق بالعتاد العسكري.
وفي المقابل، لفت إلى أن أوروبا تدرك جيدا أنها لا تستطيع تجاهل مسألة الممرات الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز، لكنها في الوقت نفسه لا تبدي أي رغبة في الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران، خصوصا في نزاع لم يتم حتى إبلاغها به عند اندلاعه من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأشار إلى أن هناك توجها أوروبيا متزايدا لإبراز قدر من الاستقلالية عن واشنطن، دون أن يعني ذلك الاستعداد لخوض مواجهة عسكرية مع طهران، وهو ما يفسر، وفق تحليله، الطرح القائل إن أي تدخل أمني محتمل سيأتي فقط بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وفي ما يتعلق بالسياق العام للعلاقات، أوضح كوفيل أن التوترات بين أوروبا وإيران ليست جديدة، غير أن التصريحات الأوروبية الأخيرة تعكس بوضوح وجود توتر قوي أيضا مع الولايات المتحدة.
واستشهد في هذا الإطار برفض أوروبا المشاركة في عملية أمريكية تهدف إلى فتح مضيق هرمز، إلى جانب ما شهدته الأشهر الماضية من توترات متعددة، من بينها تصريحات دونالد ترامب بشأن غرينلاند وقضايا الرسوم الجمركية، وغيرها من الملفات التي تعكس تحولات في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي.
ورأى أن هذه المعطيات تؤكد أن أوروبا تجد نفسها أمام لحظة حاسمة تفرض عليها التفكير الجدي في استقلالها الاستراتيجي، خاصة في ظل تراجع دور الولايات المتحدة كحليف تقليدي كانت أوروبا تعتمد عليه بشكل كبير.
أما فيما يخص العلاقة مع إيران، فأشار إلى أنه رغم وجود توتر حقيقي، فإن أوروبا، بعد الحرب الأخيرة التي جمعت إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تدرك أن الدخول في مواجهة عسكرية مع طهران لا يخدم مصالحها.
وأوضح أن الفكرة الأساسية لدى الأوروبيين تتمثل في التحضير لمرحلة ما بعد النزاع، من خلال العمل على تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وربما السعي إلى إعادة بناء علاقات أفضل مع إيران، بما يتيح لأوروبا لعب دور في التوازنات الجيوسياسية.
كما اعتبر أن من أبرز دروس هذه الأزمة وساطة باكستان بين إيران والولايات المتحدة، في حين بقيت أوروبا خارج المشهد بشكل كامل، وهو ما يكشف، بحسب تقديره، عن إشكالية أوروبية حقيقية تتعلق بضرورة استعادة دورها في البيئة الجيوسياسية للشرق الأوسط، وربما عبر تحسين علاقاتها مع طهران.
وشدد في هذا السياق على أن المسألة لا تتعلق بتقييم النظام الإيراني بقدر ما ترتبط بكون أوروبا ذهبت بعيدا في قطع علاقاتها مع إيران، الأمر الذي جعلها اليوم في موقع المتفرج بملفات حيوية، من بينها التفاوض على وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن الخطاب الفرنسي والأوروبي يعكس وعيا بهذه التهديدات وحرصا على الحفاظ على علاقات متينة مع هذه الدول.
غير أنه لفت في المقابل إلى أن النزاع الأخير اندلع دون إبلاغ أوروبا، بل إن الأخيرة لم يتم إخطارها حتى ببدايته، رغم أن من بين أدوارها الأساسية الدفاع عن القانون الدولي والعمل من أجل السلام، واعتبر أن أوروبا كانت إلى حد كبير غائبة في انتقاد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي لا تحترم القانون الدولي.
وأضاف أن أوروبا تظل، من حيث المبدأ، في موقعها الطبيعي عندما تدعو إلى حلول دبلوماسية، غير أن الواقع يظهر أنها غير قادرة حاليا على الاضطلاع بدور فعال في مفاوضات السلام أو في تنظيم وقف إطلاق النار، وذلك نتيجة تدهور علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، وأكد أن أوروبا بحاجة إلى استعادة دورها كـ"وسيط نزيه"، أي كطرف موثوق قادر على التوسط بين مختلف الأطراف.
واختتم بالإشارة إلى أن التحدي الأساسي يكمن في إيجاد توازن دقيق بين ضرورة أن تؤكد أوروبا قوتها، خاصة على المستوى العسكري، وبين الحفاظ على دورها التقليدي كوسيط مستقل يسعى إلى تحقيق السلام.
من ناحيته، اعتبر إيمانويل دوبوي المحلل السياسي ورئيس المعهد الأوروبي للاستشراف والأمن، في تصريحه لـ"قنا"، أن الدور الأوروبي في هذا الملف يبدو ضعيفا للغاية، بل يكاد يكون هامشيا. وأوضح أن فرنسا حاولت، بصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن، تمرير قرار يدعو إلى إعادة فتح مضيق هرمز بشكل سلمي وضمان حرية الملاحة، غير أن استخدام كل من روسيا والصين لحق النقض أظهر حدود هذا التحرك.
وأشار إلى أنه رغم وجود رغبة لدى بريطانيا ورئيس وزرائها، وكذلك لدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في تشكيل قوة بحرية لضمان حرية الملاحة، فإن "هامش المناورة" الأوروبي يظل محدودا، بل نظريا في كثير من الأحيان، خاصة في ظل غياب الدعم الأمريكي لهذا التوجه.
ولفت إلى أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما فرض حصار على مضيق هرمز، أسهمت في إضعاف قدرة الأوروبيين على التحرك في الاتجاه ذاته، خصوصا أن الدول الأوروبية، مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، رفضت المشاركة في هذا الحصار أو في القوة البحرية المقترحة.
وبين أن القدرة الأوروبية تبقى في هذا الإطار "افتراضية" إلى حد كبير، وتقتصر أساسا على موقع فرنسا داخل مجلس الأمن، مضيفا أن دول حلف شمال الأطلسي الأوروبية تتسم بالتردد بسبب مخاوف من التعرض لعقوبات أمريكية، في ظل اعتبار إدارة ترامب أن هذه الدول لم تقدم دعما كافيا للعملية الأمريكية - الإسرائيلية. ولم يستبعد في هذا الصدد إمكانية تعرض دول مثل فرنسا وإسبانيا وربما بريطانيا لعقوبات، خاصة بعد رفضها استخدام مجالها الجوي في العمليات، في حين تتبنى دول أوروبية أخرى مواقف تميل إلى الحياد أو إلى تقليص مستوى انخراطها.
وفي ما يتعلق بطبيعة التحرك الأوروبي، أوضح دوبوي أنه يندرج ضمن إطار دفاعي بحت، مشيرا إلى أن المبادرة التي تقودها فرنسا وبريطانيا، بمشاركة نحو 22 دولة، تهدف أساسا إلى ضمان احترام القانون الدولي، لا سيما حرية الملاحة في المضائق، خاصة مضيق هرمز وباب المندب.
وأكد أن هذه المبادرة لا ترتبط بأي شكل من الأشكال بدعم مباشر أو غير مباشر للعملية الأمريكية أو الإسرائيلية؛ إذ إنه لم تساهم أي دولة من الدول المشاركة في ضربات ضد إيران.
وأضاف أن نحو 5000 جندي فرنسي ينتشرون في المنطقة، في كل من لبنان والخليج والبحر الأحمر وغيرها، وتتمثل مهمتهم في حماية القوات والمصالح، دون الانخراط في تنفيذ ضربات، حتى في إطار وقائي، ضد إيران.
أما بشأن التوازن في الموقف الأوروبي، فأشار إلى أنه يهدف أساسا إلى الحفاظ على المصداقية والقدرة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، موضحا أن امتلاك الوسائل العسكرية لا يعني استخدامها بشكل هجومي، بل يندرج ضمن تعزيز الموقف الدبلوماسي، مع التركيز على الطابع الدفاعي.
ولفت إلى أن الموقف الأوروبي يقوم على مبادئ واضحة، من بينها التعددية، واحترام القانون الدولي، والعمل في إطار تحالفات مع دول ترتبط معها باتفاقيات أمنية، لافتا إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على الاتحاد الأوروبي، بل يشمل ما وصفه بـ"أوروبا الموسعة"، بما في ذلك بريطانيا، ضمن ما يشبه "تحالف الراغبين".
وأضاف أن عدة دول أوروبية تشارك بقدرات عسكرية في المنطقة، من بينها هولندا عبر فرقاطات في البحر الأحمر، وإيطاليا من خلال قواتها في لبنان، وفرنسا عبر انتشار عسكري في الأردن وسوريا والعراق، كما أشار إلى أن فرنسا نشرت فرقاطة "لانغدوك" وحاملة الطائرات "شارل ديغول"؛ بهدف حماية مصالحها، بما في ذلك حماية قبرص.
ولفت إلى وجود ضمني في هذا التحرك، لا يقتصر على التعامل مع التهديدات الإيرانية في إطار دفاعي، بل يشمل أيضا الحفاظ على استقرار شرق المتوسط، ومنع وصول الصواريخ إلى دول أوروبية مثل قبرص، إلى جانب الحيلولة دون تدهور الوضع في لبنان.
واختتم بالتأكيد على أن قدرة فرنسا وأوروبا على التأثير في مواقف الولايات المتحدة أو إسرائيل تبقى "محدودة"، "بل هامشية"، مشيرا إلى أن ذلك يتجلى في استبعاد فرنسا من بعض المسارات التفاوضية، مثل مؤتمر واشنطن، حيث لم يتم إشراكها كطرف على طاولة المفاوضات.
English
Français
Deutsch
Español