مسجد إيفري كوركورون الكبير.. صرح ديني وثقافي إسلامي في قلب فرنسا
باريس في 27 فبراير /قنا/ في قلب الضاحية الجنوبية للعاصمة الفرنسية باريس، يقف مسجد إيفري كوركورون الكبير شامخا بطرازه المعماري الأندلسي وزخرفاته ونقوشه المستلهمة من الفن الإسلامي العريق، ليغدو أحد أبرز الشواهد على حضور الحضارة الإسلامية في فرنسا، وواحدا من المعالم المصنفة ضمن التراث الثقافي الوطني الفرنسي.
ومسجد إيفري كوركورون الكبير صرح ديني وثقافي يشكل فضاء للعبادة والعلم والثقافة وملتقى روحيا وإنسانيا للجاليات المسلمة في فرنسا، ويقام المسجد، الذي وضع حجر أساسه عام 1984، على مساحة تقارب 7 آلاف متر مربع، ويعد اليوم من أقدم وأكبر مساجد فرنسا، ومن أكبر مساجد أوروبا بعد المسجد الكبير في روما ومسجد بيت الفتوح في لندن، ويقع المسجد في مدينة إيفري التابعة لبلدية كوركورون، ضمن إقليم إيسون الذي يبعد نحو 26 كيلومترا جنوب العاصمة باريس.
ولا يقتصر دور مسجد إيفري على كونه مكانا لإقامة الصلوات والشعائر الدينية فحسب، بل يعتبر مركزا ثقافيا إسلاميا متكاملا، يشرف على اتحاد مساجد فرنسا الذي يضم تحت مظلته قرابة 800 جمعية ومسجد، كما ينشط في تقديم برامج معرفية وعلمية، ودروس فقهية وتثقيفية، إلى جانب تنظيم ندوات ومحاضرات على مدار السنة، يشارك فيها نخبة من العلماء والفقهاء والباحثين وأساتذة الدراسات الإسلامية القديمة والحديثة.
ويضم المركز الثقافي الإسلامي بإيفري كوركورون مركزا لتعليم اللغة العربية يعرف باسم "مدرسة الهدى"، ويتكون من 9 فصول دراسية، بطاقة استيعابية تبلغ 25 طالبا في كل فصل، كما يحتوي على قاعة مؤتمرات واسعة، ومكتبة غنية تضم كتبا ومراجع نفيسة في العلوم الشرعية والفقه الإسلامي، إضافة إلى مؤلفات تعنى بالتراث الإسلامي.
وبعد حملة تبرعات امتدت أربع سنوات، وضع حجر الأساس لمسجد إيفري كوركورون الكبير عام 1984 لتستمر أعمال البناء عشر سنوات إلى أن تم الافتتاح الرسمي للمسجد والمركز الثقافي عام 1994، بإشراف الشيخ خليل مرون عميد المسجد، وبحضور نخبة من العلماء والدعاة وشخصيات دينية وثقافية بارزة من العالم العربي والإسلامي.
وفي العام 1996، صدر مرسوم عن السلطات الفرنسية يمنح المسجد صفة هيئة دينية مخولة بالإشراف على الذبح الإسلامي، ومراقبة المحلات التجارية والمطاعم التي تعتمد اللحوم الحلال، فضلا عن متابعة مراقبة اللحوم المذبوحة وفق الشريعة الإسلامية في فرنسا.
والمسجد من تصميم المهندس المعروف هنري بودو، وجاء بطراز أندلسي عربي إسلامي، تتجلى فيه الزخارف والنقوش الدقيقة التي تعكس عراقة الفن الإسلامي، ويبرز ذلك بشكل خاص في المحراب المزدان بآيات من القرآن الكريم، وفي الأعمدة المتناسقة، والقبة التي تعد تحفة فنية قائمة بذاتها، وقد استخدم في تزيينها الخط الكوفي، في انسجام بين مدارس الخط العربي القديم والحديث، ونفذها حرفيون متخصصون جلبوا خصيصا من بلدان المغرب العربي.
ويحتوي مسجد إيفري كوركورون الكبير، الخاضع لإشراف وزارة الأوقاف المغربية، على قاعة صلاة تتسع لنحو 5 آلاف مصل، إضافة إلى فناء واسع يفتح على حديقة جميلة، كما ترتفع مئذنته المستوحاة من المآذن المغاربية ذات التأثير الأندلسي، إلى علو 25 مترا، ليصدح منها الأذان وتلاوة القرآن وتكبيرات صلوات العيد.
ومثل سائر بيوت الله في فرنسا التي تشهد حراكا اجتماعيا وإنسانيا ملحوظا، يزداد إشعاع مسجد إيفري كوركورون الكبير في شهر رمضان المبارك، حيث يتزين لاستقبال الشهر المعظم، ويشهد إقبالا كثيفا من أبناء الجاليات المسلمة في الضاحية الجنوبية لباريس والمناطق المجاورة، لأداء صلوات التراويح والقيام، والانخراط في أعمال الخير، وتعميق معاني التدين، والتشبع بقيم الإسلام السمحة ودين الرحمة.
وفي مشهد يعكس البعد الإنساني العميق للدين الإسلامي، يبرز مسجد إيفري كوركورون الكبير في الضاحية الجنوبية للعاصمة الفرنسية باريس، بوصفه فضاء مفتوحا للتضامن والتعايش، خاصة خلال شهر رمضان المبارك، حيث تتحول أروقته إلى نقطة التقاء بين العبادة والتقرب إلى الله والعمل الاجتماعي وخدمة الإنسان، أيا كان انتماؤه أو خلفيته.
وفي هذا السياق، أكد الشيخ خليل مرون عميد المسجد أن هذا الصرح لا يقتصر على أداء العبادات فقط، بل يشكل مركزا إسلاميا متكامل الأبعاد، يشرف على اتحاد مساجد فرنسا الذي يضم نحو 800 جمعية ومسجد، مشيرا إلى أن هذه الشبكة الدينية تعمل في تناغم كامل من أجل ترسيخ القيم السمحة للإسلام داخل المجتمع الفرنسي، وتعريف الأجيال الجديدة من أبناء الجاليات العربية والإسلامية المولودة في فرنسا بجوهر هذا الدين بلغة مبسطة وقريبة، تجعلهم يفهمونه ويستوعبونه ويزدادون تعلقا به.
وقال عميد مسجد إيفري كوركورون الكبير، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن الأنشطة التطوعية الاجتماعية والخيرية تمثل محورا أساسيا في عمل المسجد طيلة أيام السنة، غير أنها تبلغ ذروتها خلال شهر رمضان المبارك، حيث يتم تنظيم موائد الإفطار يوميا وتقديم أكثر من 350 وجبة إفطار في اليوم الواحد، أي ما يقارب 10500 وجبة طيلة الشهر الفضيل.
وأضاف أن هذه الموائد والتبرعات توجه للمحتاجين والفقراء والمهاجرين والمشردين وعابري السبيل، دون أي تمييز ديني، تجسيدا للقيم والمبادئ الإنسانية السمحة للدين الإسلامي بوصفة رحمة للعالمين.
وتوقف عميد مسجد إيفري كوركورون الكبير عند خصوصية تجربة المسلمين في بلدان المهجر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يفرض البعد عن الأهل والوطن طقوسا مختلفة، غير أن ذلك لا يمنعهم من التمسك بأداء شعائرهم الدينية كاملة، والاجتهاد في مساعدة الغير والتضامن فيما بينهم، مشيرا إلى أن هذا السلوك يجسد المعاني العميقة للصيام باعتباره عبادة تقوم على التضحية والتكافل واستشعار معاناة الآخرين.
وعن فلسفة الصيام ومقاصده البعيدة، شدد الشيخ خليل مرون على أن الصوم رحمة إلهية ذات مقاصد عميقة، ينبغي على المسلمين في فرنسا وأوروبا إدراكها ونقلها إلى الآخرين، معتبرا أن شهر رمضان الفضيل فرصة مهمة لترسيخ قيم التعاون والأخوة وتعريف الأجيال الجديدة بمبادئ الإسلام السمحة.
وعلى المستوى العلمي والثقافي، أوضح مرون أن مسجد إيفري كوركورون، بوصفه مؤسسة دينية معرفية متكاملة، يحرص على ترسيخ هذه القيم عبر تنظيم ملتقيات ومحاضرات وندوات فكرية، إلى جانب الدروس الفقهية والعلمية التي يقدمها الأئمة داخل المسجد.
وأكد الشيخ خليل مرون عميد مسجد إيفري كوركورون الكبير، في تصريحاته لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، حرص إدارة المسجد على استقطاب نخبة من العلماء والفقهاء والأساتذة من مختلف الدول العربية والإسلامية لإثراء النقاش وفتح فضاءات للحوار والتعلم، مشيرا إلى أن وتيرة هذه الأنشطة تتضاعف خلال شهر رمضان المبارك؛ إذ لا يكاد يمر يوم دون فعالية علمية أو درس ديني بين الصلوات.
وعبر عميد المسجد عن بالغ سعادته بالإقبال اللافت الذي تشهده صلاة التراويح في السنوات الأخيرة، لا سيما من فئة الشباب، ومن أبناء الجيلين الثالث والرابع من المهاجرين، معتبرا هذا الحضور المكثف مصدر فخر واعتزاز، ودليلا واضحا على تمسك هذه الأجيال بهويتها الدينية والثقافية.
وقال الشيخ خليل مرون، في ختام تصريحاته لـ/قنا/، إن مسجد إيفري كوركورون الكبير يستقبل يوميا في رمضان أكثر من 5 آلاف مصل خلال صلاة التراويح، وتتضاعف الأعداد بشكل كبير خلال العشر الأواخر من رمضان، وكذلك في صلاة عيد الفطر، حيث تغص قاعة الصلاة والفناء بالمصلين في مشهد روحاني مهيب.
وتشير آخر الإحصائيات لعام 2025 إلى وجود 2670 مسجدا في فرنسا، منها 462 مسجدا في باريس وضواحيها، بينما تظهر أرقام المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لسنة 2024، أنه ينشط نحو 460 إمام مسجد على التراب الفرنسي، يضاف إليهم الأئمة الزائرون الذين يستقدمون خصيصا في المناسبات الدينية الإسلامية، خاصة في شهر رمضان المبارك.
وأضافت الإحصائيات أنه يوجد فقط في فرنسا 90 مسجدا بالمئذنة، بينما تتوزع البقية على صالات صلاة ومراكز إسلامية تعمل كمراكز دينية واجتماعية وثقافية وأماكن بسيطة يتم تجهيزها لأداء الصلوات، وتقدر أحدث الأرقام والتقديرات الديموغرافية أن حوالي 5.7 إلى 6.7 مليون مسلم يعيشون في فرنسا عام 2025، أي ما يعادل تقريبا ما بين 8 إلى 10 في المئة من إجمالي السكان.
English
Français
Deutsch
Español