مؤتمر COP31 في أنطاليا التركية يبحث تحديات التغير المناخي وسبل تمويل فجوة التكيّف
أنطاليا (تركيا) في 07 نوفمبر /قنا/ تستعد مدينة أنطاليا التركية لاستضافة الدورة الحادية والثلاثين من مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ "COP31"، الذي تنطلق أعماله الاثنين المقبل، ويستمر حتى 20 من نوفمبر الجاري، بمشاركة وفود حكومية وخبراء وممثلين عن المؤسسات الدولية والمنظمات البيئية.
ويتزامن المؤتمر مع مرحلة تواجه فيها دول العالم تحديات متزايدة ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، وتزايد تكاليف التكيف مع التغير المناخي، إضافة للتوترات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.
وتبرز قضية قدرة الدول على تمويل التكيّف مع التغير المناخي، وتحويل الخطط والاستراتيجيات إلى مشاريع ملموسة تحمي الإنسان والاقتصاد والموارد الطبيعية، أجندة النقاش في المؤتمر، إذ تتزايد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والفيضانات، تتسع الفجوة بين ما تحتاجه الدول لمواجهة هذه التداعيات وما تستطيع الحصول عليه من التمويل الدولي.
وبحسب تقرير "فجوة التكيّف الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2026"، تحتاج الدول النامية إلى نحو 305 مليارات دولار سنويا بحلول العام 2035 لتمويل إجراءات التكيّف المناخي، في حين لم تتجاوز التدفقات الدولية العامة المخصصة لهذا الغرض ما بين 28.2 و31.7 مليار دولار في عام 2024.
وتأخذ فجوة التكيّف أبعادا اقتصادية وتنموية مباشرة في تركيا، في ظل الجفاف وتراجع الموارد المائية يضعان القطاع الزراعي أمام تحديات متزايدة، حيث تحتاج المدن إلى استثمارات واسعة لتطوير شبكات المياه والصرف الصحي، وتعزيز قدرتها على مواجهة موجات الحر والفيضانات والظواهر المناخية المتطرفة، في حين أن الأمر لا يتعلق بتمويل المشاريع البيئية فحسب، بل بحماية الأمن الغذائي والمائي، وتقليل الخسائر الاقتصادية، وضمان استمرارية النشاط الصناعي والزراعي.
وفي هذا السياق، قال السيد ألب أرسلان بيرقدار وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن بلاده تتطلع إلى أن تشكل قمة المناخ في أنطاليا محطة مهمة للانتقال من مرحلة التعهدات والالتزامات المناخية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، من خلال وضع خطوات عملية قابلة للتمويل والتطبيق، خصوصا في مجال الاستثمار في الطاقة النظيفة وتطوير البنية التحتية للطاقة.
وأضاف الوزير التركي: "نحن نعيش مرحلة تتسم بتحديات كبيرة في قطاع الطاقة على المستوى العالمي، سواء بسبب التقلبات الحادة في أسعار الطاقة، أو التوترات الجيوسياسية، أو الاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، وأن التطورات الأخيرة أثبتت أن أمن الطاقة لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح جزءا أساسيا من الأمن القومي والاستقرار السياسي والاقتصادي للدول".
وتابع: "نؤمن بأن الانتقال إلى الطاقة النظيفة يجب ألا يأتي على حساب أمن الإمدادات أو القدرة على توفير الطاقة بأسعار مناسبة للمواطنين والقطاع الصناعي، فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف رئيسية: ضمان أمن الطاقة، والحفاظ على القدرة التنافسية للاقتصاد، وخفض الانبعاثات الكربونية".
وأوضح وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي أن بلاده أعلنت رؤيتها لقطاع الطاقة حتى عام 2040، والتي تضع التحول نحو الكهرباء في صدارة الأولويات، مع استهداف أن تشكل مصادر الطاقة المتجددة نحو 77 في المئة من القدرة المركبة لتوليد الكهرباء بحلول ذلك العام، مشيرا إلى أن تحقيق الهدف لا يعتمد فقط على زيادة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بل يتطلب أيضا استثمارات كبيرة في شبكات النقل والتوزيع، وتقنيات تخزين الطاقة، ورفع كفاءة الاستهلاك، وتطوير البنية التحتية اللازمة لاستيعاب الزيادة في إنتاج الطاقة المتجددة.
وبين أن هذه الخطوات تأتي في إطار تحقيق هدف تركيا الاستراتيجي المتمثل في الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2053، وفق الرؤية التي أعلنها السيد الرئيس رجب طيب أردوغان.
وأشار وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، في تصريحاته لـ "قنا"، إلى أن مؤتمر أنطاليا له أهمية خاصة بملف التمويل المناخي، بحكم أن الدول لا تستطيع تحقيق التحول الأخضر بمجرد إعلان الأهداف، وإنما تحتاج إلى موارد مالية واستثمارات وتكنولوجيا متقدمة وشراكات دولية، مؤكدا أن المؤتمر بمثابة منصة لتحويل الالتزامات الدولية إلى مشروعات حقيقية، للمساهمة في تسريع الاستثمارات بالطاقة النظيفة، وتعزيز التعاون بين الدول المتقدمة والنامية.
من جهته، قال السيد دنيز استقبال الخبير الاقتصادي التركي والمختص بالتمويل المناخي، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن ما تكشفه الأرقام المتعلقة بالجفاف وتراجع الموارد المائية، توضح أن المشكلة في القدرة على تمويل وتنفيذ الخطط المناخية، مشيرا إلى أن الدول الأكثر تعرضا لتداعيات التغير المناخي ليست بالضرورة الدول الأكثر قدرة على تحمل تكاليف المواجهة.
وأضاف أنه في الوقت الراهن تبرز أهمية التمويل الميسر، والاستثمارات طويلة الأجل، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب ضرورة تسهيل وصول الدول النامية إلى الصناديق والمؤسسات الدولية المعنية بالمناخ.
أما فيما يخص ملف المياه والزراعة، فبين الخبير الاقتصادي التركي أن التحديات تبدو أكثر إلحاحا، خصوصا مع تزايد الضغوط على الموارد المائية وتراجع كفاءة بعض أنظمة الري التقليدية، مشيرا إلى أن الاستثمار في تقنيات الري الحديثة، وإعادة استخدام المياه، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير المحاصيل القادرة على تحمل الجفاف، لم يعد خيارا تنمويا مؤجلا بل ضرورة لحماية الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي.
وشدد على أهمية استضافة تركيا لمؤتمر COP31 إذ تتجاوز البعد الدبلوماسي والبيئي، لتضع قضايا التمويل والتنفيذ في صلب النقاش الدولي، حيث إن التحدي أمام المؤتمر لا يتمثل في إنتاج تعهدات جديدة فقط، وإنما في البحث عن آليات عملية تضمن وصول التمويل إلى المشاريع الأكثر احتياجا، وتحويل الأهداف المناخية إلى نتائج يمكن قياسها على أرض الواقع.
ومن المتوقع أن يشكل المؤتمر محطة مهمة لمراجعة التقدم المحرز في تنفيذ الالتزامات المناخية الدولية، وبحث السبل الكفيلة بتسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة، وتعزيز قدرة الدول على التعامل مع آثار الاحتباس الحراري.
وتنعقد اجتماعات المؤتمر في مركز المعارض الدولي في مدينة أنطاليا التركية، ضمن صيغة تنظيمية تقوم على تقاسم المسؤوليات بين تركيا وأستراليا، إذ تتولى تركيا استضافة المؤتمر ورئاسته، بقيادة مراد كوروم وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي، فيما يتولى كريس بوين وزير التغير المناخي والطاقة الأسترالي رئاسة المفاوضات الرسمية.
وجاء هذا الترتيب بعد تسوية دبلوماسية بين البلدين بشأن استضافة المؤتمر، بما يتيح لتركيا إدارة أعماله العامة، ولأستراليا قيادة المسار التفاوضي بين الدول المشاركة.
ومن المقرر أن تُعقد قمة قادة العالم يومي 11 و12 نوفمبر الجاري، ضمن الفعاليات السياسية رفيعة المستوى المصاحبة للمؤتمر، فيما يتصدر ملف تقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري جدول الأعمال، في ظل الدعوات الدولية إلى تسريع تنفيذ الالتزامات المرتبطة باتفاق باريس للمناخ.
ومن المنتظر أن تناقش الوفود المشاركة سبل توسيع استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتعزيز الاستثمارات في شبكات الكهرباء والتكنولوجيا منخفضة الانبعاثات، حيث تكتسب الناقشات أهمية إضافية في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة، والحاجة إلى تحقيق توازن بين أمن الإمدادات وتكاليف الكهرباء والأهداف البيئية.
ومن الملفات الرئيسية المطروحة على طاولة المفاوضات قضية التمويل المناخي، التي تشكل محورا للخلاف بين الدول الصناعية والدول النامية، إذ تطالب دول نامية بتوفير موارد مالية أكبر لمساعدتها على تطوير مشاريع الطاقة النظيفة، وحماية البنية التحتية، ومواجهة آثار الفيضانات والجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر.
كما تتواصل المناقشات بشأن آليات تمويل الخسائر والأضرار الناجمة عن التغير المناخي، خصوصًا في الدول التي تواجه مخاطر كبيرة رغم مساهمتها المحدودة نسبيًا في الانبعاثات التاريخية. وسيكون حجم الالتزامات المالية وآليات تنفيذها من القضايا التي تحدد مدى التقدم الممكن إحرازه في المفاوضات.
كما يحمل المؤتمر أهمية خاصة لمنطقة الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط، التي تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه، وتراجع معدلات الهطول المطري في بعض المناطق.
وتؤثر هذه التحولات على قطاعات الزراعة والمياه والصحة والطاقة، وتزيد الحاجة إلى استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية والتكيف المناخي، كما سوف يطرح تساؤلات بشأن قدرة دول المنطقة على توسيع استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين إدارة الموارد المائية، وحماية المناطق الزراعية من موجات الجفاف والحرارة الشديدة.
ويسعى مؤتمر أنطاليا إلى التركيز على تحويل الالتزامات المناخية السابقة إلى سياسات وإجراءات عملية، في ظل انتقادات متواصلة للفجوة بين الأهداف الدولية المعلنة ومعدلات التنفيذ الفعلية.
وبدأت هذه المؤتمرات عام 1995 في برلين، وأصبحت تُعقد سنويا، بمشاركة ممثلي الدول والحكومات، إلى جانب المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إذ تعد منصة للتفاوض واتخاذ القرارات بشأن خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، والتمويل المناخي، والتكيف مع آثار التغير المناخي، ومساعدة الدول الأكثر تضررا.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو