الصناعة العراقية تواجه تحديات ارتفاع كلفة الإنتاج ومنافسة الواردات
بغداد في 07 أكتوبر /قنا/ تمثل الصناعة العراقية أحد القطاعات المهمة في الاقتصاد الوطني، لما تضطلع به من دور في دعم الإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل وتعزيز التنمية الاقتصادية، فضلا عن الإسهام في الحد من الاعتماد على الواردات.
غير أن القطاع لا يزال يواجه تحديات متعددة تحد من قدرته على المنافسة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل والمواد الأولية، وضعف البنى التحتية، وتعدد الإجراءات الإدارية، إلى جانب المنافسة مع السلع المستوردة منخفضة الكلفة.
ويرى اقتصاديون وصناعيون عراقيون أن النهوض بالقطاع الصناعي يتطلب معالجة متكاملة لمجمل هذه التحديات، تبدأ بإعادة تأهيل المصانع وتحديث خطوط الإنتاج، وتحسين تجهيز الطاقة والخدمات الأساسية، وتسهيل الحصول على المواد الأولية، وصولا إلى تنظيم عمليات الاستيراد وتطبيق المواصفات القياسية، ومنح المنتج المحلي أولوية في المشتريات الحكومية متى استوفى معايير الجودة والسعر.
وفي هذا السياق، قال صبيح حبيب الهاشمي، رئيس اتحاد رجال الأعمال العراقيين فرع البصرة، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن حماية المنتج المحلي كانت من أبرز المطالب التي طرحها الاتحاد خلال اجتماعاته مع الحكومات المتعاقبة، بهدف زيادة حصة الإنتاج المحلي في السوق، وتوفير فرص العمل، والحد من استنزاف العملة الصعبة الناجم عن ارتفاع فاتورة الاستيراد.
وأوضح الهاشمي أن دعم الصناعة المحلية يتطلب فرض رسوم جمركية وضرائب إضافية على بعض السلع المستوردة، وتفعيل أجهزة السيطرة والتقييس وإجراءات الرقابة على الواردات، إلى جانب إلزام المؤسسات الحكومية، حيثما تتوافر المواصفات المطلوبة، بإعطاء الأولوية للمنتج العراقي.
وشدد على أهمية تحقيق التوازن بين حماية الصناعة المحلية وفتح المجال أمام المنافسة، محذرا من أن المبالغة في إجراءات الحماية قد تؤدي إلى نشوء احتكارات داخلية وارتفاع الأسعار، ومؤكدا في الوقت نفسه ضرورة توفير الطاقة والوقود والكهرباء للمصانع المنتجة بأسعار تساعدها على خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز قدرتها التنافسية.
من جانبه، قال عبد الوهاب الطرشة رئيس غرفة صناعة ذي قار، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن التحدي الأساسي الذي يواجه المنتج والمصنع العراقي يتمثل في ارتفاع كلفة الإنتاج، موضحا أن العملية الصناعية تعتمد على توافر الطاقة والمواد الأولية والنقل والخدمات، وأن ارتفاع تكاليف هذه المدخلات ينعكس بصورة مباشرة على السعر النهائي للمنتج ويضعف قدرته على منافسة السلع المستوردة.
وأشار إلى أن عدم استقرار تجهيز الكهرباء يضطر المصانع إلى الاعتماد على المولدات وتحمل تكاليف إضافية للوقود والصيانة، فضلا عن الخسائر الناجمة عن توقف خطوط الإنتاج، فيما يؤدي ارتفاع أسعار المواد الأولية أو صعوبة تأمينها إلى إرباك العملية الإنتاجية وتأخير تسليم الطلبات.
وأضاف أن ارتفاع أجور النقل يمثل عبئا إضافيا على المصانع، سواء في نقل المواد الأولية أو إيصال المنتجات إلى الأسواق، خصوصا بالنسبة للمشروعات الواقعة بعيدا عن مصادر المواد الأولية ومراكز الاستهلاك.
ولفت إلى أن ضعف البنى التحتية والخدمات الأساسية، مثل الطرق والكهرباء والمياه وشبكات الصرف، يفرض على أصحاب المشروعات أعباء إضافية لتوفير احتياجات مصانعهم، بدلا من توجيه الاستثمارات نحو تطوير الإنتاج وتحسين الجودة.
كما أشار إلى أن تعدد الموافقات وطول الإجراءات الإدارية وتكرار طلب الوثائق يمثل تحديا أمام المستثمرين والصناعيين، داعيا إلى تبسيط الإجراءات وتحديد مدد زمنية واضحة لإنجاز المعاملات المتعلقة بإنشاء المصانع وتشغيلها وتوسعتها.
وأكد على أهمية التوسع في إنشاء المدن الصناعية المتكاملة والمجهزة بالخدمات، مبينا أن تجميع المصانع في مناطق صناعية مخدومة من شأنه خفض تكاليف الخدمات والنقل والصيانة، فضلا عن المساهمة في تطوير سلاسل الإمداد وتعزيز التعاون والتكامل بين المشروعات الصناعية.
وأوضح أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إجراءات عملية تشمل تحسين تجهيز الطاقة والخدمات، وتسهيل تأمين المواد الأولية، وتطوير المدن الصناعية، وتنظيم الواردات ومنع إغراق السوق بالسلع، إلى جانب إعطاء أولوية للمنتج العراقي في المشتريات والمشروعات الحكومية متى استوفى متطلبات الجودة والمواصفات.
بدورها، قالت وفيقة المؤمن، عضو الهيئة العامة لمجلس تطوير القطاع الخاص في العراق، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن شعار "صنع في العراق" يحتاج إلى سياسات اقتصادية عملية تتيح للمصنع المحلي المنافسة في السوق، مؤكدة أن المنتج العراقي يواجه منافسة قوية من سلع مستوردة منخفضة الكلفة.
وأضافت أن دعم الصناعة لا يرتبط بجودة المنتج وحدها، وإنما بكلفة إنتاجه وقدرته على الوصول إلى المستهلك بسعر منافس، مشيرة إلى أن معالجة هذه المشكلة تتطلب ضبط الاستيراد وتطبيق المواصفات والرسوم بصورة فاعلة، بالتوازي مع خفض تكاليف الإنتاج على المصانع العراقية، ولا سيما تكاليف الكهرباء والضرائب والمواد الأولية.
وأوضحت أن استمرار المصانع المحلية وتوسيع نشاطها من شأنه أن يسهم في توفير فرص العمل وزيادة الإنتاج المحلي وتعزيز النشاط الاقتصادي، مشددة على أن دعم المنتج الوطني ينبغي أن يبدأ بتهيئة البيئة التي تمكن المصنع من الإنتاج بكفاءة، وليس فقط من خلال حملات الترويج للمنتجات المحلية.
من جهته، قال المهندس مصطفى نزال، عضو اتحاد الصناعات العراقية في بغداد، في تصريح مماثل لـ"قنا"، إن دعم المنتج المحلي أصبح من القضايا الرئيسية التي تواجه الصناعة العراقية في ظل المنافسة مع السلع المستوردة منخفضة الكلفة.
وأكد أن تحقيق منافسة عادلة يتطلب النظر إلى ظروف عمل المصنع العراقي وظروف دخول السلع المستوردة إلى السوق، موضحا أن المنتج المحلي يتحمل تكاليف المواد الأولية والطاقة والنقل والأجور والرسوم والإجراءات المختلفة، وهي عوامل تنعكس في نهاية المطاف على سعر المنتج.
وأشار إلى أن دخول سلع منخفضة الأسعار إلى السوق، سواء نتيجة انخفاض تكاليف إنتاجها أو عدم الالتزام بالمواصفات أو اتباع طرق استيراد غير نظامية، يؤدي إلى منافسة غير متكافئة، داعيا إلى تنظيم الاستيراد وضمان دخول السلع عبر القنوات الرسمية ومطابقتها للمواصفات المعتمدة.
وشدد نزال على أن دعم الصناعة العراقية ينبغي ألا يتحول إلى حماية دائمة، وإنما يجب أن يرتبط بتطوير الإنتاج وتحسين الجودة والكفاءة، مؤكدا أهمية خفض تكاليف الإنتاج، وتسهيل وصول المواد الأولية، ومعالجة مشكلات الطاقة والخدمات، وتبسيط الإجراءات أمام الصناعيين.
وأضاف أن منح المنتج المحلي أولوية في المشتريات والمشروعات الحكومية، متى استوفى متطلبات الجودة والسعر، يمكن أن يوفر سوقا مستقرة للمصانع العراقية، ويساعدها على تطوير قدراتها الإنتاجية وتعزيز حضورها في السوق المحلية.
ويرى الصناعيون أن النهوض بالقطاع الصناعي العراقي يتطلب معادلة متوازنة تجمع بين استيراد منظم وبيئة إنتاج داعمة ومنافسة عادلة، بما يتيح للصناعة المحلية الانتقال تدريجيا من الاعتماد على الحماية إلى المنافسة على أساس الجودة والكفاءة، ويفتح المجال أمام المنتجات العراقية للوصول إلى الأسواق الخارجية.
ويمتلك العراق موارد طبيعية وبشرية وإمكانات سوقية يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير قطاع صناعي أكثر تنوعا، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج فعلي يتطلب سياسات اقتصادية مستقرة واستثمارات في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب إصلاح الإجراءات التنظيمية وتحسين البيئة الاستثمارية، بما يعزز مساهمة الصناعة في تنويع الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
English
Français
Deutsch
Español
русский
हिंदी
اردو