بعثات حفظ السلام تواصل دورها المحوري في الاستقرار الدولي
واشنطن في 24 سبتمبر /قنا/ تواصل الأمم المتحدة عبر بعثات حفظ السلام دورها المحوري في تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين، وسط ما يشهده العالم من نزاعات مسلحة وأزمات إنسانية متفاقمة. ومنذ تأسيس أول بعثة لحفظ السلام عام 1948، أصبحت هذه العمليات إحدى أبرز أدوات المجتمع الدولي للتعامل مع الأزمات، من خلال مراقبة اتفاقات وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، ودعم عمليات الانتقال السياسي.
وتشرف الأمم المتحدة حاليا على 11 بعثة نشطة لحفظ السلام في مناطق مختلفة من العالم، تضم أكثر من 60 ألف عنصر عسكري وشرطي ومدني من 119 دولة. ويعكس هذا الانتشار الطابع الجماعي لعمليات الأمم المتحدة، حيث تتشارك فيه دول من مختلف القارات.
وفي يونيو الماضي، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ميزانية قدرها 5.38 مليار دولار للفترة 2025-2026، وهو ما يمثل انخفاضا طفيفا عن السنوات السابقة. ويأتي هذا التراجع في إطار سعي المنظمة إلى تعزيز الكفاءة وضبط النفقات، مع المحافظة على فعالية العمليات التي تظل - بحسب تقارير الأمم المتحدة - أقل كلفة بكثير من التدخلات العسكرية الأحادية.
وقد شهد العام الجاري انعقاد الاجتماع الوزاري لحفظ السلام في العاصمة الألمانية برلين بمشاركة ممثلين عن أكثر من 130 دولة، حيث ناقش المجتمعون سبل تطوير البعثات وتعزيز فعاليتها في مواجهة التحديات الناشئة، بما في ذلك المخاطر المرتبطة باستخدام الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في النزاعات. وأسفر الاجتماع عن التزامات جديدة بتوفير التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز التعاون الدولي.
كما اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2719 الذي نص على تمويل عمليات يقودها الاتحاد الأفريقي من ميزانية الأمم المتحدة، شريطة الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان والمساءلة، وهو ما يعكس تعاظم الشراكة بين المنظمة الدولية والمنظمات الإقليمية، ولا سيما في القارة الأفريقية التي تستضيف أكبر عدد من البعثات.
وتواجه بعثات حفظ السلام تحديات متزايدة على أرض الواقع. ومن أبرزها ضعف تعاون بعض الحكومات المضيفة، واستهداف قوات "القبعات الزرق" من قبل جماعات مسلحة، فضلا عن اتهامات تتعلق بانتهاكات شددت الأمم المتحدة على مواجهتها بسياسة “عدم التسامح مطلقا”.
كما برزت قضايا بيئية مرتبطة بالعمليات الميدانية، دفعت المنظمة إلى اعتماد ممارسات أكثر استدامة، في إطار سعيها إلى تقليص الأثر البيئي للبعثات وتعزيز وعيها بالمسؤولية البيئية.
وفي أفريقيا، تواصل بعثة “مونوسكو” في جمهورية الكونغو الديمقراطية عملها وسط صعوبات بسبب العنف المتجدد في شرق البلاد، فيما تعمل بعثة “مينوسكا” في أفريقيا الوسطى على دعم الاستقرار السياسي ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان. وتتابع بعثة “يونميس” في جنوب السودان تنفيذ اتفاق السلام وحماية المدنيين، فيما تركز بعثة “يونيسفا” في منطقة أبيي على مراقبة الحدود بين السودان وجنوب السودان، وتستمر بعثة “مينورسو” في الصحراء الغربية بمراقبة وقف إطلاق النار رغم تعثر المسار السياسي.
كما تشمل بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل” التي تراقب “الخط الأزرق” وتعمل على منع التصعيد، فيما تتابع بعثة “أندوف” مهامها في الجولان السوري المحتل، وتضطلع هيئة “أنسكو” بدور داعم لمهام المراقبة الإقليمية. كما تواصل الأمم المتحدة دورها المتزايد في تقديم المساعدات الإنسانية لغزة.
وفي أوروبا، تواصل بعثة “يونفيب” في قبرص مراقبة المنطقة العازلة منذ عام 1964، فيما تركز بعثة “يونميك” في كوسوفو على حماية الأقليات ودعم بناء المؤسسات. فيما تواصل بعثة “يونموجيب” في كشمير مراقبة وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، بينما تتابع الأمم المتحدة أدوارا سياسية خاصة في ميانمار وأزمات أخرى في المنطقة.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الدول الأفريقية مثل غانا ورواندا ومصر ونيجيريا تأتي في مقدمة المساهمين بقوات حفظ السلام. وتعمل المنظمة الدولية على رفع نسبة مشاركة المرأة في هذه العمليات إلى 20 في المئة بحلول عام 2028، في إطار توجه لتعزيز الشمولية والتنوع.
وتعد الولايات المتحدة أكبر ممول لعمليات حفظ السلام، حيث خصصت نحو 1.2 مليار دولار لهذا الغرض خلال العام الجاري. وتؤكد واشنطن أن هذه العمليات تمثل “أداة فعالة لتحقيق الاستقرار الدولي”، لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة تعزيز آليات المساءلة وربط التمويل بالنتائج الميدانية، بما يضمن كفاءة الأداء وتحقيق الأهداف المعلنة.
وفي تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، قال آدم كليمينتس، المستشار السياسي والعسكري المتخصص في شؤون الشرق الأوسط قال :
"إن الأمم المتحدة ما زالت تحتفظ بدورها كمنصة للحوار السياسي رغم الانتقادات، لكن نجاح بعثات حفظالسلام يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة السياق المحلي ومدى التزام الأطراف المعنية. وتعد مهمة المراقبة في سيناء مثالاجيدا على نجاح هذه البعثات مقارنة بتجارب أخرى."
وأضاف كليمينتس أن “غزة تطرح تساؤلات معقدة حول طبيعة البعثة الممكنة هناك، وهو نقاش قائم بحد ذاته”، مشيرا إلى أن الدول الأعضاء مطالبة بالالتزام بالمشاركة في عمليات حفظ السلام رغم اختلاف أهدافها السياسية. وأوضح أن الولايات المتحدة تلعب دورا محوريا في هذا المجال “ليس فقط على المستوى السياسي وإنما أيضا عبر الدعم اللوجستي”، معتبرا أن هذا الدور يظل ضروريا حتى في الحالات التي لا توجد فيها قوات أميركية على الأرض.
وشدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على أن تضخم التفويضات يضعف فعالية البعثات، داعيا إلى التركيز على الأولويات الأساسية وتعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية لضمان استدامة الجهود. ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن مناقشة مفتوحة خلال سبتمبر الجاري حول إصلاح عمليات حفظ السلام، في ظل الحاجة إلى بعثات أكثر مرونة وفاعلية في مواجهة التحديات الجديدة.
ورغم التحديات التي تواجهها بعثات الأمم المتحدة، من ضعف التعاون المحلي، إلى المخاطر الأمنية، والضغوط المالية، تظل عمليات حفظ السلام أداة أساسية في منظومة الأمن الجماعي. وتؤكد التصريحات الخاصة التي حصلت عليها "قنا" من خبراء وأكاديميين أميركيين أن نجاح هذه البعثات يتطلب تصميمًا مرنًا، وارتباطًا بالسياقات المحلية، وتمويلا مستدامًا، فضلا عن التزام سياسي من الدول الأعضاء.
ومع استمرار الإصلاحات وتنامي الشراكات الإقليمية والدعم الدولي، تسعى الأمم المتحدة إلى تعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الراهنة، والحفاظ على دورها المحوري في تعزيز الأمن والسلم الدوليين.
English
Français
Deutsch
Español