صناعة السفن التقليدية.. إرث ثقافي وحضاري أصيل متجدد في قطر
الدوحة في 17 ديسمبر /قنا/ شكلت صناعة السفن التقليدية على امتداد تاريخ قطر ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أحد أهم الأعمدة التي قامت عليها الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وارتبطت بالبحر بوصفه مصدر الرزق وفضاء الحركة والتواصل الحضاري.
ولم تكن المحامل الخشبية مجرد وسائل نقل، بل مثلت نمط حياة كامل، انعكس في التراث وفي الذاكرة الشعبية التي لا تزال حاضرة حتى اليوم.
ويأتي مهرجان كتارا للمحامل التقليدية بوصفه أحد أبرز الفعاليات السنوية التي تعيد إحياء هذا الإرث، بدعم من مختلف مؤسسات الدولة، للحفاظ على هذه الصناعة العريقة، حيث يعمل المهرجان المقام حاليا في نسخته الرابعة عشرة، على إبراز التراث البحري ومنه صناعة السفن التقليدية باعتبارها ركيزة أساسية لهذا التراث، والحفاظ على هذه الصناعة ونقلها إلى الأجيال القادمة.
وقال السيد عبدالعزيز البوهاشم السيد الباحث في التراث، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن التراث البحري يمثل جزءا كبيرا من تاريخ قطر، موضحا أن غالبية القرى القطرية القديمة نشأت على السواحل، وكانت علاقتها بالبحر علاقة كاملة وشاملة سواء فيما يتعلق بالغوص للبحث عن اللؤلؤ أو الصيد أو التجارة البحرية.
وأوضح أن التجارة البحرية ربطت قطر بمناطق بعيدة، وفي مقدمتها الهند، مشيرا إلى أن البحر لم يكن مجرد مصدر رزق، بل نمط حياة يومي عاشه المجتمع القطري عبر قرون طويلة، كما أن رحلات الغوص، لا سيما "الغوص الكبير"، كانت تمتد لنحو أربعة أشهر متواصلة في البحر، ما يعني أن الإنسان القطري كان يقضي جزءا كبيرا من حياته فوق السفن، وهو ما أسهم في ترسيخ علاقة أزلية بين المواطنين والبحر تمتد لآلاف السنين.
وأضاف أن تاريخ اللؤلؤ في المنطقة موثق منذ أكثر من ألفي عام، حيث ورد ذكره في كتابات المؤرخين القدماء، ومن بينهم مؤرخون يونانيون أشاروا إلى شهرة هذه المنطقة بصيد اللؤلؤ وجودته.
وأكد أن هذا التاريخ العميق انعكس بوضوح في التراث المادي واللامادي، مثل صناعة السفن التقليدية، والمفردات البحرية، والأغاني، والعادات، وأنماط العيش المرتبطة بالبحر، لافتا إلى أن البحر كان وسيلة للتواصل الحضاري، حيث أسهمت الأسفار البحرية في التقاء أهل الخليج مع حضارات أخرى، فضلا عن أن موقع قطر في قلب الخليج العربي جعلها محاطة بمغاصات اللؤلؤ من مختلف الجهات، ما حولها إلى مقصد للغواصين من مختلف أنحاء المنطقة.
ونوه السيد عبدالعزيز البوهاشم السيد الباحث في التراث، في تصريحاته لـ"قنا"، بتميز قطر تاريخيا بكثافة سفن الغوص وانتشارها، لافتا إلى أن عدد سفن الغوص في قطر بلغ في بعض الفترات نحو 800 سفينة، وكان على متن كل سفينة ما بين 25 و30 شخصا، ما يعكس حجم النشاط البحري وأهميته الاقتصادية والاجتماعية.
من ناحية أخرى، ثمن السيد جهود المؤسسة العامة للحي الثقافي "كتارا" في تنظيم مهرجان المحامل التقليدية سنويا، معتبرا أنه نجح في أن يكون الذاكرة الحية التي تذكر المجتمع القطري والخليجي بارتباطه التاريخي بالبحر، كما أنه فرصة للتعرف على المفردات البحرية والأغاني والعادات وكل ما يتصل بالتراث البحري.
وأكد أن وجود مهرجان بحري من هذا النوع يعد ضرورة ثقافية، لافتا إلى المشاركة الخليجية الواسعة في المهرجان من مختلف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إذ تتشارك دول الخليج تراثا بحريا واحدا، كما أن ذاكرتها الثقافية ومخزونها الحضاري مرتبطان ارتباطا وثيقا بالبحر.
من جانبه، أكد المهندس أحمد جاسم الصايغ المتخصص في صناعة مجسمات السفن التقليدية والمسؤول عن التصاميم وصناعة السفن بقسم السفن الخشبية بالمكتب الهندسي الخاص، أن المحامل الخشبية شكلت عبر التاريخ عنصرا اقتصاديا رئيسيا في قطر ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، موضحا أن ازدهار صناعة السفن ارتبط بازدهار التجارة البحرية في المنطقة.
وقال الصايغ، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن سكان قطر والخليج اعتمدوا بشكل أساسي على البحر في مصادر رزقهم، سواء من خلال صيد الأسماك، أو الغوص للبحث عن اللؤلؤ، أو التجارة البحرية، التي شملت التنقل بين قطر والبحرين والإمارات، إضافة إلى سواحل إيران، ومن ثم إلى البصرة، ومنها إلى الهند، فضلا عن سواحل إفريقيا.
وأوضح أن السفن كانت تجلب إلى المنطقة البهارات والأخشاب والحديد والأقمشة وجميع المواد الخام اللازمة لبناء البيوت وتسيير شؤون الحياة اليومية، في وقت لم تكن فيه موارد الخليج تتجاوز الرطب واللؤلؤ، مشيرا إلى أن امتلاك المحمل كان أمرا شائعا في الماضي، لا سيما في المدن الساحلية، حيث لم يكن يخلو بيت من سفينة تستخدم للتنقل أو التجارة، كما كانت المحامل وسيلة تنقل مريحة بين المدن الساحلية مثل الدوحة والوكرة والخور.
وتناول الصايغ واقع صناعة السفن التقليدية اليوم، موضحا أنها تواجه تحديات عدة، من أبرزها ارتفاع التكاليف والحاجة إلى صيانة دورية مستمرة، إضافة إلى انتشار سفن الفيبر جلاس الأقل تكلفة والأيسر صيانة، فضلا عن قلة الحرفيين المتخصصين وصعوبة توفير الأخشاب بالمقاسات المطلوبة لصناعة سفن تقليدية بتصاميم خاصة.
وأشار إلى أن السفن الخشبية تحتاج إلى عناية مستمرة، إذ أن دخول المياه إليها أمر طبيعي بسبب كثرة الوصلات والخطوط، حتى في حال جودة التصنيع، ما يستوجب وجود شخص مختص بنزح المياه، فضلا عن ضرورة دهنها بشكل دوري، خاصة المصنوعة من خشب التيك، لحمايتها من التلف والكائنات البحرية، وهو ما يتجنبه بعض المالكين اليوم بسبب رائحة الدهانات القوية.
وأكد المهندس أحمد الصايغ، في تصريحاته لـ"قنا"، أن دعم الدولة شكل عاملا حاسما في الحفاظ على هذه الصناعة، منوها بما تقدمه الدولة من دعم لأصحاب السفن الخشبية، إلى جانب إشراكهم في الفعاليات الثقافية وتنظيم السباقات والمسابقات البحرية.
وأشار إلى أن الورشة التي يعمل من خلالها تتبع المكتب الهندسي الخاص الذي يوفر الدعم الكامل، لافتا إلى أن السفن التراثية التي يتم إنجازها تمنح في نهاية المطاف للمتاحف أو لوزارة الثقافة، دعما لجهود التوثيق والحفاظ على التراث. وشدد على أهمية توثيق صناعة السفن باعتبارها علما قائما على أسس هندسية دقيقة، داعيا إلى إنشاء متاحف متخصصة تضم نماذج دقيقة النسب وورشا تعليمية تسهم في نقل هذه المعرفة.
English
Français
Deutsch
Español