فعالية البدع في درب الساعي تجسد التراث البحري القطري وتربط الأجيال بموروث الآباء والأجداد
الدوحة في 16 ديسمبر /قنا/ تجسد فعالية البدع في درب الساعي المقام ضمن احتفالات اليوم الوطني حاليا، صورة حية تروي سيرة الآباء والأجداد وعلاقتهم بالبحر، حيث يلتقي البحر بالموروث الشعبي القطري.
وتستعاد تفاصيل التراث البحري اليومية التي عاشها الآباء والأجداد في زمن الغوص والتجارة وصناعة السفن. ومن خلال محتوى متكامل يجمع الفنون البحرية، والألعاب الشعبية، والحرف التقليدية، تقدم الفعالية نموذجا غنيا لنقل التراث البحري للأجيال الجديدة في إطار وطني يحتفي بالهوية القطرية.
وفي هذا السياق، أكد ناصر مبارك الخليفي رئيس فعاليات البدع، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا" أن التواجد في درب الساعي وتحديدا عبر فعالية البدع يهدف إلى إبراز واحدة من أشهر مناطق قطر الساحلية، التي ارتبط أهلها تاريخيا بحياة البحر ومهنه المختلفة، موضحا أن البدع تعد من الأحياء والفرجان المعروفة في قطر، وأن موقعها الجغرافي القريب من البحر جعل من التراث البحري جزءا أصيلا من حياة سكانها وثقافتهم.
وأشار الخليفي إلى أن فعالية البدع تشهد تطورا سنويا ملحوظا حيث يتم في كل دورة العمل على التجديد والتطوير وإضافة عناصر جديدة تعزز تجربة الزوار، مع الحفاظ على روح التراث وأصالته.
وأضاف أن الفعالية تضم مجموعة واسعة من الألعاب الشعبية والتراثية، إلى جانب الفنون البحرية والحرف المرتبطة بالبحر، والتي تعكس حياة الآباء والأجداد بكل تفاصيلها.
وأوضح أن من أبرز مكونات الفعالية إحياء لعبة «الداما» من خلال إنشاء مجلس خاص لها، واستضافة كبار السن لممارستها، لما تحمله من قيمة اجتماعية ووجدانية.
وبين أن لعبة الداما كانت من الألعاب الشعبية القديمة التي يمارسها البحارة بعد انتهاء موسم الغوص، حيث يجتمعون في المجالس والمقاهي الشعبية للتسامر، مؤكدا أنها لعبة تعتمد على الذكاء والمهارة وتشكل جزءا من الذاكرة الاجتماعية المرتبطة بحياة البحر.
وتابع الخليفي أن فعالية البدع تجسد عددا من المهن البحرية التقليدية، من بينها الغواص والطواش والنهام، إضافة إلى القهوة الشعبية والدكاكين التراثية والعكاس، موضحا أن لكل مهنة من هذه المهن دلالتها الخاصة ودورها في المجتمع البحري القديم.
وفي هذا الإطار، تحدث عن مهنة الطواش، المتخصصة في بيع اللؤلؤ، مشيرا إلى مشاركة عدد من أشهر الغواصين في قطر، من بينهم محمد بن عبدالله السادة وإبراهيم الجابر، اللذان يقدمان للزوار صورة حية عن الغوص واستخراج اللؤلؤ.
وشدد الخليفي على أن الرسالة الأساسية لفعالية البدع تتمثل في نقل تراث الآباء والأجداد بوصفه امتدادا للماضي في الحاضر، مؤكدا أن الأجيال الحالية هي امتداد هذا التراث وثروة المستقبل، وداعيا أهل قطر والزوار والمقيمين إلى التفاعل مع هذا الموروث والتعرف عليه بوصفه جزءا من الهوية الوطنية.
من جانبه، أوضح السيد علي النعمة أحد مشرفي فعالية البدع وله متحف خاص بها، في تصريح مماثل لـ"قنا" أن فعالية البدع جاءت لتجسد ملامح الحياة الساحلية في قطر، مستلهمة موقع المنطقة القريب من البحر وسوق واقف، حيث شكل هذان العنصران محورا أساسيا في حياة أهل البدع قديما. وبين أن فكرة الفعالية تقوم على الربط بين البحر والأسواق الشعبية، باعتبارهما فضاءين متكاملين في النشاط الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع.
وأشار النعمة إلى أن الفعالية تستحضر كذلك الألعاب الشعبية التي كان يمارسها أهل الفريج في الماضي، مثل «القيس» و«الكتور» و«الرينج»، موضحا أن هذه الألعاب كانت منتشرة بين أبناء البدع وتشكل جزءا من حياتهم اليومية وذاكرتهم الشعبية.
وبين النعمة أن الفعالية تركز على تعريف الجيل الجديد بكيفية صناعة الأدوات البحرية يدويا، مثل «القرقور» وشباك الصيد، مؤكدا أن هذه الأدوات كانت تصنع قديما من مواد طبيعية، وعلى رأسها سعف النخيل، بما في ذلك الحبال ومصايد الأسماك، وهو ما يعكس بساطة الحياة القديمة واعتمادها على الموارد المحلية.
وتطرق إلى الجانب التوعوي في الفعالية، من خلال شرح المصطلحات البحرية وتعريف الجمهور بها، إضافة إلى التعريف بالكائنات البحرية وبيئاتها المختلفة، سواء تلك التي تعيش في المياه الضحلة أو في أعماق البحر، فضلا عن توضيح أنواع الأسماك، بما فيها الأسماك الجارحة أو السامة، موضحا أن بعض أنواعها تحمل شوكة طويلة كانت تستخدم قديما، بعد تنظيفها، كـ«مرود» لكحل العين، قبل توفر الأدوات الحديثة، كما استخدم الصدف الكبير للغرض نفسه، في دلالة على كيفية توظيف مكونات البيئة البحرية في الحياة اليومية.
كما استعرض النعمة أنواع السفن الخشبية التقليدية واستخداماتها المختلفة، موضحا أن "الشوعي" كان يستخدم للصيد قرب الساحل، بينما يتميز /السنبوك/ بحجمه الأكبر وقدرته على الإبحار لمسافات أبعد، في حين خصصت سفن الغوص لاستخراج اللؤلؤ بتصميم يساعد الغواصين على الصعود إلى المحمل. وأشار كذلك إلى سفن البتيل والجلبوت الخاصة بالغوص، والبوم المستخدم في التجارة ونقل البضائع لمسافات طويلة إلى الهند وباكستان والعراق، لما يتمتع به من قدرة على تحمل الأمواج وحمل الحمولات الثقيلة.
وأكد السيد علي النعمة أن هذه التفاصيل تقدم للزوار بأسلوب مبسط يهدف إلى إيصال الصورة الحقيقية لحياة البحر قديما، وتعريف الأجيال الجديدة بالفروق بين أنواع السفن ووظائفها، وبطبيعة الرحلات البحرية التي كانت تشكل شريانا اقتصاديا واجتماعيا مهما.
كما تستحضر فعالية البدع في درب الساعي "فن النهمة الذي يرتبط بالتراث البحري والغوص ارتباطا وثيقا، وعن هذه المشاركة قال السيد علي ناصر الحداد، أحد نهامي فرقة المها للفنون الشعبية، في تصريح لـ"قنا" إن مشاركة الفرقة في درب الساعي تشكل محطة مهمة في مسار إحياء الفنون البحرية، مشيرا إلى أن درب الساعي هذا العام تميز باجتماع عدد من النهامين لأول مرة في موقع واحد، لتقديم النهمة والفنون المرتبطة بها بصيغتها الجماعية الأصيلة، ما أضفى على العروض خصوصية واضحة.
وبين علي الحداد أن النهام كان عنصرا محوريا في حياة البحر، إذ لم يقتصر دوره على الغناء، بل اضطلع بمهمة تنظيم إيقاع العمل وبث الحماس والصبر في نفوس البحارة خلال رحلات الغوص الطويلة، حيث كانت النهمة بمثابة إشارة قيادية لبدء العمل ومواكبته دون الحاجة إلى أوامر مباشرة.
وأشار الحداد إلى أن الفنون البحرية تنقسم إلى فنون عمل تؤدى على ظهر السفينة، وفنون سمر تؤدى على الشاطئ، ومن أبرزها فن الفجري المرتبط بثقافة البحر والغوص، والذي يتميز بجماعية الأداء وتنوع أنواعه، ما يعكس ثراء هذا الموروث وتعدده.
وأوضح النهام علي الحداد، أن درب الساعي قدم نموذجا متكاملا للاهتمام بالموروثين البري والبحري، ومنح الفنون البحرية مساحة حقيقية للحضور اليومي أمام الزوار من المواطنين والمقيمين والسياح، مؤكدا أن هذا الحضور يسهم في تعريف الجيل الجديد بحياة الأجداد، ويعزز الوعي بقيمة التراث في بناء الهوية الوطنية.
English
Français
Deutsch
Español