مؤتمر MWC25 الدوحة.. أكاديميون وصناع سياسات يستعرضون إمكانية تحقيق مفهوم الابتكار لبناء مدن رقمية شاملة وآمنة
الدوحة في 26 نوفمبر /قنا/ ناقش خبراء وأكاديميون وصناع سياسات مدى إمكانية تحقيق التوازن بين الابتكار وحماية المواطنين وضمان توفير أمن سيبراني مرن، وتصميم نماذج حوكمة تمكن الدول من بناء مدن رقمية شاملة وآمنة ومستدامة، في ظل تزايد اعتماد هذه المدن على التقنيات الرقمية والبيانات.
واعتبروا، خلال مشاركتهم في مائدة مستديرة حول "الحوكمة من أجل مجتمعات ذكية: السياسة والثقة والبيانات الحضرية" أقيمت على هامش أعمال اليوم الثاني من مؤتمر MWC25 الدوحة، أنه مع ارتفاع الاعتماد على التقنيات الرقمية لم يعد التحدي اليوم يقتصر على التكنولوجيا فحسب، بل أصبح يتعلق بالثقة والحوكمة والمساءلة.
وخلال المائدة المستديرة التي شهدت حضور سعادة الدكتور عمر الأنصاري رئيس جامعة قطر والدكتورة سبأ منصور قاضي عميدة الدراسات العامة في الجامعة، التي أدارت الجلسة، تمت مناقشة مفهوم "إعادة صياغة الحوكمة من أجل مجتمعات ذكية: من نشر التكنولوجيا إلى الإدارة الأخلاقية"، وضمان الشفافية والمساءلة في جمع البيانات الحضرية واستخدامها، وتصميم أطر تنظيمية متكيفة للذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وأنظمة اتخاذ القرار الآلية.
وشدد سعادة المهندس خالد بن أحمد العبيدلي رئيس الهيئة العامة لتنظيم القطاع العقاري "عقارات" بالمناسبة، على أهمية تعزيز البحث والتطوير في القطاع الحكومي، لا سيما في قطاع العقارات، مؤكدًا أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية في دعم عملية اتخاذ القرار المستقبلي.
وأوضح سعادته أن تعزيز التواصل الواضح والشفاف يمثل الأساس لضمان شمول جميع أفراد المجتمع في عمليات التطوير، داعياً المسؤولين الحكوميين إلى صياغة رؤى واضحة تنقل بفعالية إلى المجتمع، مع استقبال الملاحظات من مختلف الأطراف، وفي مقدمتهم القطاع التجاري والجامعات، ضمن بيئة مفتوحة وآمنة، ومشددا على ضرورة تحويل نتائج هذه النقاشات إلى خطوات عملية تسهم في اعتماد التقنيات المجربة من قبل الجهات الحكومية.
وأعرب عن تطلع الجهات الحكومية دائمًا إلى بناء شراكات فاعلة مع القطاع الخاص، مشيراً إلى أن بعض التحديات ترتبط أحياناً بغياب البنية التحتية المناسبة أو الشركاء المؤهلين في القطاع الخاص، ما يحد من سرعة هذا التحول.
كما نوه سعادته إلى اضطرار بعض الجهات الحكومية في بعض الحالات إلى القيام بدور الجهة المنفذة وجمع البيانات بنفسها، مؤكدًا امتلاك دولة قطر جهة وطنية مختصة بجمع البيانات، إلى جانب وجود تكامل بين الجهات الحكومية للحصول على البيانات، ومنها بيانات القطاع العقاري المنشورة على الموقع الإلكتروني للهيئة.
وأوضح سعادته أن الهيئة بدأت في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر منصاتها الإلكترونية، حيث يتيح الموقع الرسمي للهيئة مساعداً ذكياً للمستخدمين، فضلًا عن تطبيقات تعرض مواقع المشاريع المرخصة والمعتمدة، ومنصات رقمية تتيح متابعة عمليات التداول العقاري مباشرة، مشددا على أهمية وضع سياسات واضحة لحماية القيم الإنسانية، خاصة في ظل إسهام التكنولوجيا بتغيير النمط الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، ما يستدعي المحافظة على تماسك الأسرة من خلال تشريعات ومعايير تضمن عدم تأثير التكنولوجيا على طبيعة العلاقات الإنسانية.
وبين رئيس الهيئة العامة لتنظيم القطاع العقاري (عقارات)، في مداخلته، أن المهام التي يمكن إنجازها خلال ثوانٍ يجب ألا تستغرق أياماً أو شهوراً، داعياً إلى تقليل الزيارات غير الضرورية للجهات الحكومية واستبدالها بخدمات رقمية، مؤكداً أن مركزية الإنسان يجب أن تبقى محور عمليات التطوير كافة، باعتبارها القاعدة التي تنطلق منها الجهود الحكومية في مختلف المجالات.
بدروه، قال سعادة السيد ناوتو هيساجيما سفير جمهورية اليابان لدى الدولة، إن بلاده تعمل في الوقت الراهن على تعزيز سياسات المدن الذكية، سواء على المستوى الوطني أو على مستوى الحكومات المحلية، مؤكداً أهمية تبادل المعلومات والخبرات بين الدول عند بناء المدن الذكية.
وتطرق سعادته إلى تجارب دول الاتحاد الأوروبي ودول آسيان حول المدن الذكية، مشدداً على أهمية بناء الشراكات بين الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومات والقطاع الخاص والمواطنين، مبيناً أن هذه المواضيع تمثل نقاطًا مهمة للنقاش حول تطوير المدن الذكية والذكاء الاصطناعي، مع أهمية تبادل الخبرات وتحديد الأطر التنظيمية المناسبة لتحقيق الغايات المرجوة.
من ناحيته، أكد الدكتور أيمن إربد نائب رئيس جامعة قطر للبحث والدراسات العليا، أهمية النظر إلى التقنيات الحديثة مثل تقنيات الموقع، والحوسبة القريبة من المصدر، والأنظمة الروبوتية بوصفها مسارات رئيسية للتطوير، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي في أي عملية تحول تقني.
واعتبر أن عملية بناء مجتمع رقمي متكامل تتطلب فهماً معمقاً لتفاعل الأفراد مع التكنولوجيا، ودور الباحثين في العلوم الاجتماعية في تقييم أثر هذه التقنيات وضمان توافقها مع احتياجات المجتمع وقيمه، مبيناً أن هذا الدور يشكل جزءاً أصيلاً من رسالة الجامعات.
وذكر أنه يمكن للجامعات العمل كمدن مصغرة تجرى فيها تجارب حقيقية عبر مركز الابتكار في مجال التنقل، أو من خلال استضافة برمجيات وأطر عمل مطورة خارجياً وتجربتها داخل الحرم الجامعي، مع إشراك الطلبة في عمليات النقاش والاختبار والإطلاق، بما يعزز مشاركتهم المجتمعية ويسهم في ترسيخ ثقافة الابتكار.
وشدد على أهمية إيصال نتائج الأبحاث الجامعية إلى المجتمع ومختلف الجهات الحكومية، خاصة أن دولة قطر تشهد نضجاً متزايدًا في منظومة البحث العلمي، مبيناً أن الاهتمام بالبحث العلمي تطور بشكل لافت، حيث كان التركيز سابقًا ينصب على نشر الأوراق العلمية لأغراض الترقية الأكاديمية، بينما بات اليوم موجهاً نحو الأبحاث التطبيقية التي تخدم القطاعات الصناعية والحكومية.
وأكد أن أفضل وسيلة لضمان وصول نتائج الأبحاث إلى المجتمع تتمثل في ترسيخ ثقافة الابتكار لدى الطلبة، بما يمكنهم من تأسيس شركات ناشئة أو تطوير مبادرات داخل مؤسساتهم أو تحويل الأفكار البحثية إلى منتجات قابلة للتسويق، وهي ثقافة تُعد الأكثر استدامة على المدى الطويل.
من جهته، استعرض الدكتور محمد السادة، مدير مركز الكندي ومركز قطر للابتكارات التكنولوجية في جامعة قطر، تطور مفهوم المجتمعات الحديثة وعلاقته بالتحولات التكنولوجية المتسارعة، مشيرًا إلى أن مصطلح المجتمع (1.0) الذي طرحته الحكومة اليابانية يهدف إلى تحليل مراحل تطور المجتمعات وفقًا لاستخدامها للتقنية.
وأوضح السادة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت تصمم لخدمة المستخدم بشكل مباشر، ومن المتوقع أن تزداد تأثيراتها خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، مع وصولها إلى مستويات يصعب تصورها اليوم، مشددا على أهمية تطوير المعايير والأطر التنظيمية الواضحة لضمان الاستخدام العادل والمنصف لهذه التقنيات، ولا سيما فيما يتعلق بالبيانات، موضحاً أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد في التعلم واتخاذ القرار على كميات هائلة من البيانات، كما هو الحال في المركبات ذاتية القيادة التي تستخدم حساسات وكاميرات تجمع بيانات واسعة النطاق خلال الحركة في المدن.
وقال "إن الإشكالية تكمن في غياب الوضوح بشأن مصير هذه البيانات، نظراً لاختلاف الأنظمة بين الدول والشركات"، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من التحكم بالبيانات لا يزال بيد الشركات المصنعة، فهناك حاجة ملحة لوضع تشريعات تحمي خصوصية المستخدمين وتنظم التعامل مع بياناتهم.
وفي ذات الإطار، أكدت السيدة فاطمة سلطان الكواري، الرئيس التنفيذي للموارد البشرية والاستدامة في مجموعة "أريدُ"، أن التجارب التي تمر بها المؤسسات والدول في مسار التحول الرقمي توفر دروساً مهمة يمكن البناء عليها لتطوير السياسات المستقبلية، مبينا أن التنسيق بين الوزارات وجمع البيانات يشكلان عاملين رئيسيين في تعزيز قدرات المدن الذكية وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي بكفاءة.
وثمنت جهود جامعة قطر على إتاحة المجال للمشاركة في الجلسة.
وأكدت ضرورة صياغة سياسات شمولية لا تستثني أي فئة من المجتمع، وبالأخص الفئات الضعيفة وكبار السن والشباب والنساء وذوو الدخل المحدود، وأن اعتماد المدن الذكية على البيانات الضخمة يستدعي الحرص على إزالة أي تحيزات محتملة داخل البيانات والأنظمة، خصوصًا مع ازدياد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، منوهة بضرورة وجود رقابة بشرية مستمرة وشفافية عالية في إدارة البيانات لضمان استخدامها بشكل عادل وشامل.
وفي سياق متصل، شددت على أهمية تدريب القوى العاملة ورفع مهاراتها بصورة مستمرة، لضمان جاهزيتها لمواكبة التطور التكنولوجي وتسليحها بالأدوات المعرفية اللازمة، متطرقة إلى عملية صنع السياسات الحكومية، موضحة أنها تمر عبر الجهات التنظيمية وتبنى بمشاركة القطاعات الثلاثة: العام، والخاص، والأكاديمي، إلى جانب إشراك المجتمع المدني بوصفه شريكًا أساسيًا في صياغة الأنظمة والسياسات.
إلى ذلك، قال السيد عمر المنير الرئيس التنفيذي لشركة "سيجما فيت"، إن العالم يعيش مرحلة غير مسبوقة من التسارع التقني، مشيرًا إلى أن وتيرة الابتكار تضاعفت على نحو كبير خلال الأعوام الأخيرة، والوقت المتاح للتطور بات محدودًا وسريعًا للغاية، مبينا أنه قبل عام 2022 كان التطور التكنولوجي يتضاعف كل عام ونصف وفقًا لقانون مور، ولكن بعد 2022 أصبحت وتيرة الابتكار التقني تتضاعف عشر مرات سنوياً، وأن العالم لا يزال في مرحلة مبكرة جدًا من الذكاء الاصطناعي، معتبراً أنها مرحلة بدائية مقارنة بما سيشهده المستقبل مع التطور المتوقع في قدرات الحوسبة ومصادر الطاقة.
كما شدد المتحدثون في الجلسة على أهمية تعزيز الأمن السيبراني والسيادة الرقمية داخل البنى التحتية الوطنية والبلدية، وتعزيز المدن الرقمية الشاملة التي تركز على الإنسان وتحمي حقوق المواطنين، وتعزيز التعاون بين الأوساط الأكاديمية والسياسات والصناعة لتعزيز الابتكار الأخلاقي.
English
Français
Deutsch
Español